جلسة الثقة… ما كتب قد كتب!

 

كثر لاموا “القوات اللبنانية” على حضورها جلسة الثقة. لا بأس، فهي الحزب الوحيد الذي تُسلّط عليه الانظار بهذا الشكل الواسع، وهو الحزب الاكثر عرضة للمديح والنقد والتعليقات. هو الشجرة المثمرة التي تُرشق مرة بالنقد ومرات ومرات بالعطر، وتبقى دائما شجرة مثمرة.

كان يوما طويلا، يوم منح الثقة للحكومة العظيمة، حكومة اللون الواحد. نالتها من دون اي جهد او عناء يُذكر، بسبب تخلّف المعارضين لها عن الحضور، فكانت اللا ثقة التي يريدونها بالأساس، ثقة من دون ان يتعمّدوا ذلك، وتأمّنت للجلسة بمقاطعتهم لها!

اصرّت القوات على الحضور، ولم تكن هي من أمّنت النصاب، فانتظرت في القاعة المجاورة الى ان حصل النصاب القانوني، ومن ثم دخل نواب القوات ليعلنوا لا ثقتهم، وليقولوا كلماتهم المدوية، وان كانت جدران المكان ما عادت تسمع منذ سنين وسنين لا صراخ المعارضين، ولا انين الناس، ولا حتى اصوات النواب أنفسهم الى اي جهة انتموا. صار البرلمان مجلسا أخرس، فما يُكتب داخل جدرانه هو القدر المحتم، وليصرخ الجميع ما طاب لهم ان يفعلوا. فما كُتب قد كتب وانتهى الامر، حتى لو خرجت حناجر المعترضين النواب القلة الشرفاء فعلا، من مواضعها.

نالت اذاً الحكومة الثقة بـ63 صوتا، ومن تغيبوا 64، ومن رفض منحها الثقة 20 واولهم نواب تكتل الجمهورية القوية، واختلفت الآراء بين مؤيد ومعارض، بين منطق التخلف عن الحضور او منطق الثورة من الداخل وممارسة الدور الحقيقي للنواب، لكن في النهاية كان ما كان وصار 11 شباط 2020 يوم العمل الرسمي لحكومة حزب الله في زمن العهد القوي.

لعلنا لفرط الانكسارات نسينا كنية العهد! اذاً، كان داخل البرلمان نواب يتصارعون بالكلمات والمواقف، وخارج البرلمان شعب يصرخ من عمق اعماق جراحه بأن تكف الطبقة السياسية عن التجريح بالوطن، وما بينهما الاسوار العالية. صار بين الشعب والسلطة جدران فصل لا محدودة العلو، لا محدودة، وما عاد بالإمكان اللقاء ولو ازيلت تلك الجدران، كما حصل لحظة انتهاء جلسة الثقة. الثقة؟ اي ثقة تلك تُمنح لسلطة مماثلة نصبت جدران العار بينها والناس؟! سلطة تخاف من اصوات الشعب الحقيقي الي لا يجيد لا التمثيل ولا التملّق، شعب حر على الرغم من كل اغلال القمع والاحتلال المقنع، في حين تعتبر السلطة صراخهم المحق هو العدو الرئيسي، وهو من يجب مجابهته، فتضع القوى الامنية متراسا بينها والناس ليسقط الجرحى، ولتعلو صرخات الغضب.

جدران عار نُصبت بين الناس واهل تلك الفاسدة التي اسمها السلطة، فتحولت الطرقات حول البرلمان الى ساحات حرب، وكأنها ارض بعل مهجورة من روحها ومن عبق الحياة فيها، وكل ما فيها صراخ يقارب العويل، طار وطار وطار ليحط في الفراغ، بعدما قررت السلطة ان تمارس الوقاحة والتمرد على ارادة الناس، وان تدير آذانها الصماء تماما، فصارت الارض جرداء في هذا الوطن، وصار الوطن المنفى والسلطة الفاسدة حراس على كهوف ذهبهم الملعون المنهوب من خيرات الناس، وهم في مغاورهم يبتسمون، ويطبطبون بخبث الثعالب على صراخ الناس واصوات الثورة والثوار، ويعلنون هيك بخفة ودهاء انهم مع الثوار ومع مطالبهم “وقلبنا مع هالثوار ومعن كل الحق بس مش قادرين”!! كما قال بعضهم.

اذاً، كثر انتقدوا حضور القوات اللبنانية لجلسة التكاذب تلك، لكن منطق القوات لا يتوافق ابدا مع المنطق الشعبوي غالبا، والسائد في هذه الدولة البائسة، اذ اعتبر نوابها ان التخلّف عن حضور هذه الجلسة هو تخلف عن القيام بواجباتهم الدستورية كونهم مؤتمنين على اصوات الناس وخصوصا الثوار، فقرروا المعارضة من قلب البرلمان وطالبوا بحله والقيام بانتخابات نيابية مبكّرة، “ولو لم يتأمّن النصاب لكانت تأجلت الجلسة وبقينا ندور في الحلقة المفرغة ولكانت تشددت الاجراءات الامنية اكثر واكثر على الثوار لتأمين جلسة اخرى لا محال”، كما قالوا.

نعرف انكم تعرفون ولكن تتجاهلون ان “المقاومة اللبنانية” هم اول الثوار الحقيقيين في العصر الحديث لهذه الامة، والقوات اللبنانية هي من حملت مشعل الثورة من دماء الشهداء، قد تختلف وجهات النظر في اهمية حضور الجلسة او عدمها، لكن التخوين صارا سلاحا باهتا تافها سخيفا لا قيمة له على الاطلاق. والاهم من كل ما جرى في يوم الثقة ذاك هم الناس في الشارع، اذ لم تبال السلطة الفاسدة لا بأصوات اللاثقة، ولا بالجرحى الذين سقطوا في شارع الثورة رفضا لما يجري في الداخل، بل حملت المطرقة على عجل، غير مصدّقة ان النهار انتهى ونالت الحكومة “الثقة” المفترضة، لتضرب على طاولة البرلمان ضربتها الاخيرة، ولتخرج الى ظلماتها معلنة “نصرها” المبين، وهي عمليا لم تعلن سوى موتها الموقت، هي في الواقع جثة متنقلة وما على الثوار سوى اعلان يوم الدفن، وواضح انه بات قريبا وقريبا جدا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل