“صندوق النقد” ليس بعبعاً… مشورة لا شروطاً

حُسم الأمر واتُخذ القرار. الحكومة اللبنانية “يمَّمت وجهها شطر” صندوق النقد الدولي، طالبة مساعدته “التقنية” “لوضع خطة لتحقيق الاستقرار في ما يتعلق بأزمة لبنان المالية والاقتصادية، بما في ذلك كيفية إعادة هيكلة دينه العام”. وصندوق النقد أعلن عن “جهوزيته للمساعدة وتقديم المشورة والخبرة التقنية”، مشيراً إلى أن “السلطات اللبنانية هي التي ستتخذ أي قرارات في شأن الدين، بالتشاور مع مستشاريها القانونيين والماليين”.

 

مجلس الوزراء الذي انعقد أمس في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية ميشال عون، كلّف لجنة للتواصل مع الخبراء بشأن الوضع المالي ولا سيما سندات يوروبوند المستحقة في العام 2020. علماً أنه تم خلال الجلسة عرض ما بُحث في الاجتماع المالي الذي سبقها في بعبدا.

قرار الاستعانة بصندوق النقد الدولي، تلقفته أوساط اقتصادية ومالية مختلفة بانطباعات متباينة، إذ اعتبر بعضها أنه بمثابة إعلان عن بلوغ خط اللاعودة وفشل المحاولات الداخلية لوقف الانهيار، ويمهّد لوضع القرار المالي والاقتصادي بين يدي صندوق النقد والخضوع لشروطه القاسية، من جهة. في حين اعتبر آخرون أنه بداية اعتراف بعمق الأزمة من دون تجميل، ومدخل جدي للشروع في تطبيق خطة إنقاذ مالية واقتصادية شاملة متكاملة بمعطيات علمية تقنية للخروج من الأزمة، على الرغم من قساوة بعض الإجراءات المحتملة، من جهة أخرى.

الخبير الاقتصادي موريس متى يوضح، لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “المسألة بدأت مع رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الذي فتح باب النقاش مع صندوق النقد الدولي، في نهاية العام 2019، عبر اتصالين أجراهما مع مديرة عام صندوق النقد الدولي ومع البنك الدولي، لبحث إمكانية حصول لبنان على دعم تقني، لا ماليّ، لمساعدة لبنان على وضع خطة إنقاذية شاملة”.

ويقول إن “هذين الاتصالين فتحا باب النقاش وبدء مفاوضات غير مباشرة معهما، وصولاً إلى الطلب الرسمي الذي تقدمت به رئاسة الحكومة لصندوق النقد، للحصول على الدعم التقني لوضع خطة إنقاذية للبنان”.

ويشدد متى على أن “الدعم التقني ليس مالياً، وبالتالي لا يفرض أي شروط على لبنان، بل هو كناية عن مشورة”، لافتاً إلى أن “لبنان جزء من الدول المساهمة في صندوق النقد الدولي ويسدّد اشتراكاته، وبالتالي يحقّ له الاستفادة من مشورة الصندوق عند الأزمات أو عند وضع أي خطط، واستعان بهذه الامكانية”. ويجزم أن “كل ما يحكى عن شروط مقابل هذا الدعم التقني، غير صحيح، ولبنان لم يطلب حتى اليوم أي دعم مالي من صندوق النقد الدولي، كي يتم البحث بشروط ممكنة مقابل هذا الدعم”.

ويلفت الخبير الاقتصادي ذاته، إلى أنه “في كل الأحوال، رئاسة الحكومة اتصلت بالصندوق، ووصلَه طلب المساعدة التقنية، ومنتصف الأسبوع المقبل يصل وفد من صندوق النقد إلى بيروت لمشاركة لبنان بمشورة واستشارة، من ضمن الخطة الانقاذية التي تعمل عليها اللجنة المالية الوزارية برئاسة وزير المال غازي وزني. وتتضمن هذه الخطة إعادة جدولة الديون، ومن ضمنها ما يتعلق بسداد لبنان لمستحقاته”.

ويؤكد متى على أن “صندوق النقد الدولي لن يعطي رأيه في موضوع تسديد أو عدم تسديد لبنان لسنداته، إنما سيعطي المشورة في ما يمكن أن يكون عليه الوضع في حال تم تسديد السندات أو في حال عدم التسديد، مع كل الاحتمالات الممكنة، وعلى الحكومة اللبنانية مجتمعة أن تتخذ القرار في هذا الموضوع”.

ويقول، “نعم، المطلوب اليوم هو العمل على وضع خطة شاملة لإعادة هيكلة الديون اللبنانية. لكن ما يتعلق بتسديد السندات، يجب الذهاب إلى الخيارات الأقل كلفة، بالنسبة إلى المصارف، واللبنانيين، ومصرف لبنان، ولوضع لبنان على صعيد الأسواق المالية العالمية وعلاقته أيضاً مع الدائنين. فيجب الأخذ في الاعتبار التداعيات القانونية لهذه الخطوة، لأن حاملي الديون السيادية اللبنانية الخارجية والأجنبية يمكنهم اللجوء إلى القضاء من جهة، كما يمكنهم أيضاً المفاوضة مع الجانب اللبناني للبحث في مصير الديون التي يحملونها”.

ويلفت متى إلى أن هناك “خيارات أربع كانت مدار بحث في الفترة الأخيرة، وهي التي تم التداول بشأنها في الاجتماع المالي في بعبدا، صباح أمس الخميس، وفي جلسة مجلس الوزراء التي تلته”، مشيراً إلى أنه “من غير المتوقع الخروج بقرار في ما يتعلق بتسديد لبنان لمستحقاته، في انتظار وصول وفد صندوق النقد الدولي إلى بيروت”.

ويضيف، “الخيار الأول، أنه يجب على لبنان تسديد كامل مستحقاته لشهر آذار ونيسان وحزيران وعدم التخلف عن السداد. الثاني، يقضي بدفع مستحقات شهر آذار، ومن ثم يكون لدينا مهلة للتفاوض على الاستحقاقات الباقية لنيسان وحزيران. والخيار الثالث، يرى أصحابه أنه علينا ألا ندفع والبدء بالمفاوضات مباشرة مع الدائنين، خصوصاً الدوليين. أما الخيار الرابع، فيقول بدفع الديون إلى حاملي السندات الأجانب، أي الديون للمستثمرين الأجانب، وإجراء مفاوضات مع حاملي السندات المحليين بالاتفاق مع مصرف لبنان، أي أن البنك المركزي بالاتفاق مع المصارف المحلية يقوم بعمليات مقايضة سندات (سواب) لحاملي سندات يوروبوند ويتم تأجيل التسديد”.

ويشير متى إلى أن “كل هذه الخيارات مطروحة للبحث ولم يخرج أي قرار باعتماد أي منها بعد، لاستكمال البحث حول انعكاسات كل منها، المالية والنقدية والقانونية، وعلى قدرة المصارف اللبنانية على تحمّل هذا الموضوع في ظل الضغوط أيضاً التي تتحمّلها هذه المصارف”. ويجدد التأكيد على أن “اللجوء إلى صندوق النقد الدولي لطلب الدعم التقني هو للحصول على مشورة غير ملزمة للحكومة، وبالتالي على الحكومة بعد الاطلاع عليها أن تحدد الخيار الذي ستسير به”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل