.jpg)
انتهت الحرب اللبنانية عام 1990، ولغاية الآن نعيش بلا كهرباء، تلك المؤسسة التي تهدر مليارات الدولارات ولا تنتج طاقة، بل تستنزف طاقة الخزينة من أموال في أخطر مرض يواجهه لبنان، وكأنه وباء أشبه بـ”كورونا”.
أضف إلى الكهرباء، أزمة جديدة تسرق اللبنانيين في وضح النهار من دون ان يرف جفن السلطة، إنه الدولار الحاكم الفعلي لكل المصارف، والمتحكم بالمودعين والمواطنين الذين فقدوا القدرة الشرائية، أما السلطة لا تزال تعاقب الثوار الذين يقفلون الطرقات.
وبين عتمة الكهرباء وطغيان الدولار، يعيش لبنان بشبه عزلة دولية، متمسكاً بخشبة خلاص صندوق النقد الدولي بعدما أصبحت المساعدات الدولية مشروطة بالإصلاحات، وحده رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني، هبط عارضاَ مساعدة من دون رصيد، مساعدة شكلية لرفع معنويات حلفائه في لبنان وخصوصاً حزب الله المسؤول عن فساد الحلفاء والهارب من تحمل المسؤولية، وفقاً لما قاله رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع.
وفي السياق، اقترح جعجع خلال لقاء جمع الإعلاميين في معراب، 3 خطوات لمساعدة الحكومة، معتبراً ان “البداية لا تبشر بالخير لكن الأمل لا يزال موجوداً بأن تقدم هذه الحكومة على خطوات توقف الانهيار”، ومن هذه الخطوات: التخلص من فائض الموظفين في الإدارة مما لا عمل لهم، ضبط المعابر غير الشرعية، وليس الاستراتيجية (طالما تثير حساسية)، تعيين هيئة ناظمة للاتصالات طبقاً للقانون، ومجلس إدارة جديد لكهرباء لبنان”.
إلى ذلك، وضع جعجع كلام الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله حول ضرورة التفاهم بين الموالاة والمعارضة لإنقاذ البلد، في إطار “التهرب من المسؤولية لأن الحكومة مسؤولة ولديها كل مقومات النجاح اذا ارادت”، غير أن أكثر من بإمكانه مساعدة الحكومة اليوم هو “حزب الله والسيد حسن نصرالله”، مقترحاً عليه رفع الغطاء عن حلفائه الذين كان فسادهم سبباً لما وصلنا إليه.
وبالعودة إلى الملفات المستعصية، فإن الكهرباء تعد من أكبر مشكلات لبنان، إذ ان التحذيرات الدولية والنصائح تصب بمجملها نحو هذا الملف الشائك نظراً لمزاريب الهدر والفساد التي تعشعش بداخله، وما قاله نائب رئيس مجموعة البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فريد بلحاج في حديثه لـ”العربية”، أكد ان أهم الإصلاحات المطلوبة في لبنان تشمل قطاع الكهرباء، كما ان على السياسيين اللبنانيين التوقف والإنصات، وعلى الحكومة معالجة القضايا العالقة منذ فترة طويلة، وتحسين إمدادات الكهرباء وتحرير قطاع الاتصالات وإصلاح التعليم، وهذه كلها أمور ضرورية”.
وفي سياق متصل، تتكلف مؤسسة الكهرباء سنوياً قرابة ملياري دولار، إذ جدّدت مصادر السراي الحكومي لـ”اللواء” التأكيد على ان وقف العجز في مؤسسة الكهرباء هو أولوية في هذه المرحلة، مع الحاجة إلى تعيين مجلس إدارة جديد وهيئة ناظمة للقطاع، في حين قالت مصادر البنك الدولي ان التعاون مع لبنان مستمر في ما يتصل بقطاع الكهرباء، لكن الأمر لم يصل بعد إلى طرح إمكان تمويل البنك لإنشاء معامل الإنتاج.
دولياً، وفي ظل شبه العزلة التي يمر بها لبنان، قال مصدر فرنسي رفيع المستوى لـ”اللواء”، ان “فرنسا تريد ان تساعد لبنان ولكن على اللبنانيين ان يساعدوا أنفسهم من خلال محاربة الفساد والايفاء بالتزاماتهم المالية وابعاد خلافاتهم السياسية عن الاستحقاقات المالية، وان تفي الحكومة اللبنانية بالتزاماتها المالية الخارجية حيث ان الدولة اللبنانية قد تأخرت كثيراً عن اجراء مفاوضات مع الدائنين”.
توازياً، خرقت إيران هذه العزلة، وارسلت رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني لتؤكد ان هذه الحكومة هي حكومة حزب الله، لتقدم عرضاً فارغاً بمساعدة لبنان في كافة المجالات، لكن من اين ستأتي المساعدة وإيران غارقة في العقوبات الأميركية؟
وللاطلاع على تداعيات زيارة لاريجاني، يرى مراقبون، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “إيران أرادت من خلال إيفاد لاريجاني والوفد المرافق، على وجه السرعة، أن تسبق الجميع وتكون أول الزائرين الرسميين، الدوليين أو الإقليميين (المعنيين)، للتهنئة، وتوجيه رسائل إلى من يعنيهم الأمر حول أسبقيتها في المرحلة الراهنة على اللاعبين الآخرين. لكنها في الواقع، تصعِّب محاولة نصرالله أخذ مسافة عن الحكومة، وتجعلها محط أخذ وردٍّ من دون حسم واضح مقنع لهذه الناحية”.
بدوره، اعتبر المحلل السياسي مصطفى فحص، في حديث إلى موقع القوات، أن “لاريجاني بوصوله كأول زائر إلى بيروت في هذه الظروف، يقطع الطريق على كل ما يمكن أن تنجزه هذه الحكومة من تفاهمات دولية، بشروط دولية، لاستجلاب المساعدات من أجل إنقاذ البلد”. ويلفت الانتباه أيضاً إلى أن “فاقد الشيء لا يعطيه، فإيران في ظل خزينتها المفلسة وموازنتها الضئيلة، لا يمكن لها أن تساعد لبنان في الخروج من أزماته. بل إن زيارة لاريجاني، التي لا يعتمد عليها أحد من الناحية الدبلوماسية، ستزيد في مضمونها من أزمات لبنان”.
مالياً، يدق الدولار مسماره في نعش الازمة الاقتصادية، والموجِع في ما يجري، انّ فلتان الدولار هو سرقة موصوفة يتعرّض لها المواطن اللبناني في وضح النهار، وهو أشبه بسيف ذي حدين، تضرب فيهما مدّخرات المواطن في آن واحد، فمن جهة يأكل رفع سعر الدولار الى 2500 ليرة ما يزيد عن 60 % من قيمة ما يملكه من العملة الوطنية سواء مدّخرات او رواتب. وهذه النسبة ستزيد طبعاً مع استمرار هذا الفلتان، او بالأحرى السرقة، ومن جهة ثانية «تُصادَر» مدّخراته من الدولار من قبل المصارف، عبر “سياسة هيركات” غير معلنة، تطبقها بلا أي رادع، وتبتَزّ المودع في حقه بماله، ولا تقدم له ما يسد رمقه، ويُيَسّر له تأمين قوت عائلته، بل تقدّم له بضع مئات من الدولارات، وفي كثير من الاحيان تفرض عليه مقايضتها بالليرة اللبنانية بالسعر الرسمي 1500 ليرة، فيما الدولار محلّق لدى الصيارفة الى ما فوق 2500 ليرة؟ بحسب ما ورد عبر صحيفة “الجمهورية”.
واذا كان الحراك الشعبي قد انطلق في 17 تشرين الاول الماضي، لتحقيق جملة من العناوين الاصلاحية في السياسة والاقتصاد، فإنّ التحرّكات التي توالت منذ ذلك الحين، قد تشكّل نقطة في بحر ما قد يحصل جرّاء جريمة السطو على أموال اللبنانيين، خصوصاً مع استعداد “وفق الدعوات الموزعة”، الثوار للعودة الى الارض، الثلاثاء المقبل، وقطع الطرقات.