
يترقب الجميع وصول وفد صندوق النقد الدولي إلى لبنان، وذلك لتقديم المشورة في عملية سداد سندات اليوروبوند والدين العام. وتجدر الاشارة إلى أن هذه العملية قد سيطرت على الوسط السياسي اللبناني حتى بات الهم الأول والشغل الشاغل الملف الاقتصادي. وذلك كله على وقع تشييع شهيد جديد للثورة في طرابلس، توفاه الله متأثراً بجروحه، بعد إصابته في التظاهرات منذ أكثر من شهرين. فهل ستصمد حكومة دياب أمام الضغطين الاجتماعي والاقتصادي؟
في الموضوع الاقتصادي، تشير الاحصاءات إلى أن توجه الحكومة هو نحو إعادة هيكلة الدين وليس نحو سداد سندات اليوروبوند في استحقاق التاسع من آذار المقبل. مع الاشارة إلى التكتم التام على جدول أعمال جلسة الحكومة المرتقبة، ما يثير الريبة أكثر حول أي قرار ممكن اتخاذه. وفي حال اتخذت الحكومة قرار إعادة الجدولة فهي ستتجه حتماً إلى مفاوضات مع الدائنين قد تكون معقدة، بينما الجدولة ستتخذ أشكالا مختلفة لم يتم الافصاح عن أي منها إلى حينه.
قبل كل شيء تبقى المشكلة الأساسية في الثقة التي فقدتها الدولة اللبنانية. والأكثر في الثقة التي أفقدها إياها من كان السبب طوال سنين في وضعها بمواجهة أمام المجتمع الدولي الذي تلجأ إليه اليوم حكومة دياب بعد تأكدها من أن الوعود التي تقدم لها من قبل حلفاء وأولياء السلطة هي كالسمك في البحر. ولا مناص من اللجوء إلى المجتمع الدولي لا سيما أن لبنان صار قبلة أنظار الدول بسبب الدور الاستراتيجي الذي يلعبه في أزمات الشرق الأدنى، ناهيك عن الثروات النفطية الموعودة في بحره.
إذاً، قبل اللجوء إلى أي جهة لطلب المساعدة على الحكومة في لبنان أن تعمل لاستعادة ثقة المجتمع الدولي بها من خلال وضع خطط إصلاحية جدية قابلة للتنفيذ وليس للاستعراضات الاعلامية فحسب، والمباشرة فوراً بتنفيذها. ولعل أول هذه الاصلاحات يجب أن تكون في ملف الكهرباء على قاعدة تلزيم بناء معامل جديدة من خلال مناقصات تجريها دائرة المناقصات حصرًا، مع الاشتراط على من سيربح المناقصة بتأمين الطاقة البديلة طوال فترة تعهده لبناء المعامل. وذلك للتخلص من عبء البواخر وصفقاتها.
فملف الكهرباء وحده كفيل باستعادة الثقة الدولية لما يوفره من إيرادات للخزينة اللبنانية، فضلا عن تأمينه حاجات القطاعات الصناعية والزراعية كافة التي باتت شبه مهترئة، فيعيد إليها الحياة لتساهم في تحويل لبنان من الريعية الاقتصادية إلى الانتاجية الاقتصادية. وتتطلب استعادة الثقة إعادة إنتاج جديدة للطبقة السياسية الحاكمة من خلال انتخابات نيابية مبكرة، على القانون عينه، تجاوباً مع متطلبات المجتمع الدولي، إذ باتت مكشوفة عنده أسماء الفاسدين كلهم، فضلا عن تأمين التجاوب لمطالب الناس التي ثارت في 17 تشرين، بدل الانقضاض على الثوار وتسطير الاستنابات والأحكام القضائية بحقهم.
بذلك تكون الحكومة قد استجابت للضغط الاجتماعي الذي بات يهدد وجودية الدولة، لا سيما أن نسب البطالة بحسب إحصاءات بعض الشركات قد لامست 50 % من المجتمع اللبناني. هذا من دون إغفال الاقفالات في القطاعات كافة، كذلك النقص الحاد في المستلزمات الحياتية اليومية، لا سيما الطبية منها، بعد استفحال أزمة الودائع في المصارف، فضلا عن أزمة سعر صرف الدولار التي باتت بلا حسيب أو رقيب.
المطلوب واحد ومعروف لدى الجميع. الثقة ثم الثقة. والسبيل معروف وواضح أيضاً كما أشرنا آنفاً. إلا إذا كان هنالك فريق لبناني يتعمد افتعال هذه الأزمة كلها، وهي تحت سيطرته، ولا يزال باعتقاده أنه يملك ترف الوقت المحرم؛ وذلك للعمل على تغيير الكيانية اللبنانية التي لم تعد تتواءم مع ديمومة وجوده. ومن له أذنان للسماع فليسمع!