الحل بإعادة الهيكلة أم بإعادة الجدولة… وما الفرق؟

مع زحمة الاجتماعات الحكومية بالوفود الدولية المالية، من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، “المدججة” بخبراء لبنانيين في قضايا المال والنقد، وكثرة الكلام المتداول عن إمكان توجه الحكومة إلى طلب إعادة هيكلة الدين العام أو إعادة جدولته، خصوصاً بالأقرب منه مع استحقاقات اليوروبوند للعام 2020، يلتبس الأمر على كثير من المواطنين عن الفارق ما بين الهيكلة والجدولة، وانعكاسات هذه الخيارات على الوضع المالي والنقدي، وما إذا كانت أنجع الحلول للمعالجة.

كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس الدكتور نسيب غبريل، يوضح، لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “إعادة الجدولة تطيل أمد الاستحقاقات وتُخفض الفوائد، أي يتم إصدار سندات جديدة بدل القديمة بفوائد مخفضة جداً مع إطالة آجال التسديد”.

أما بالنسبة إلى إعادة الهيكلة، فيشير إلى أنها تعني “في جزء منها إلغاء قسم من الدين، وكذلك تخفيض الفوائد وإطالة المهل، وتغيير مكونات الدين العام لناحية العمولات التي تكون السندات محرَّرة بها. ففي لبنان الدين العام بالليرة اللبنانية والدولار الأميركي، وهنا يتم إجراء تغييرات في المعادلة القائمة، فيصار إلى تخفيض الدين بالدولار وزيادته بالليرة مثلاً”.

ويلفت غبريل إلى أن “الهدف المباشر من عمليات إعادة الهيكلة أو إعادة الجدولة، خفض خدمة الدين في أي موازنة وليس فقط في لبنان، والهدف الأوسع هو خفض حجم الدين العام”. لكنه يشدد على أنه “يجب أن ننظر إلى الصورة بكاملها حين نتحدث عن العجز في الموازنة والدين العام، أي النظر إليهما نسبةً إلى الناتج المحلي. بمعنى أنه يجب خفض العجز ككل نسبة إلى الناتج المحلي، لا فقط حجم العجز في الموازنة وحجم الدين العام، بل نسبتهما إلى الناتج المحلي”.

ويوضح أنه “في حال قمنا بعمليات إعادة هيكلة وإعادة جدولة ولم نتخذ إجراءات بالتوازي لدعم الاقتصاد وتحفيز النمو الاقتصادي، لن تساعد كثيراً، لأن المؤشر الأساسي هو نسبة العجز والفائض الأولي في الموازنة نسبةً إلى الناتج المحلي، ونسبة الدين العام إلى الناتج المحلي”.

ومثالاً على ذلك، يقول غبريل: “نسبة الدين العام حالياً إلى الناتج المحلي في لبنان نحو 150% من الناتج، وفي العام 2006 كانت النسبة 183%، فلماذا هبطت نسبة الدين العام إلى 130% من الناتج المحلي في السنوات التي تلت؟ لأن النمو الاقتصادي كان أسرع بكثير من نمو الدين العام، حيث كانت نسبة النمو 9.1% سنوياً بين 2008 و2010”.

ويؤكد غبريل أنه “لا يكفي أن نركّز فقط على الفوائد وحجم خدمة الدين العام وتكوينه، بل يجب التركيز على النمو الاقتصادي وتوسيع حجم الاقتصاد، والمسؤولون لا يقولون شيئاً في هذا الموضوع”. ويشير إلى أن “أرقام الحركة الاقتصادية الصادرة عن دائرة الإحصاء المركزي الرسمية، تفيد أنه في العام 2018 كان الانكماش الاقتصادي 2%، وفي الأشهر الستة الأولى من العام 2019 بلغ 4% وتقديراتنا الخاصة تشير إلى أنه وصل إلى 5% مع نهاية العام، وبحسب السيناريوهات الإصلاحية المطروحة سيكون الانكماش الاقتصادي ما بين 5% و9% في العام 2020”.

ويشدد على أنه “لا يمكنهم فقط التطلع إلى إعادة الهيكلة أو إعادة الجدولة ويحلموا بخفض خدمة الدين العام، بل يجب أن تترافق أي خطوة مع خطة شاملة متكاملة لرفع نسبة النمو في الاقتصاد اللبناني، على أن تتضمن هذه الخطة إعادة هيكلة للقطاع العام. فمن ينظر فقط إلى الدين العام لا يؤدي خدمة للبنان ولحل الأزمة التي نعيشها وكيفية الخروج منها، لأن السبب الأساسي هو نسبة القطاع العام في النفقات العامة وليس فقط خدمة الدين”.

ويوضح أن “أعلى نسبة للنفقات العامة هي كتلة الرتب والأجور ومخصصات نهاية الخدمة ومعاشات التقاعد، ومخصصات أخرى في القطاع العام، حيث الهدر الحقيقي الذي يشكّل ما نسبته 48% من النفقات العامة ويستنزف 58% من إيرادات الدولة. أما خدمة الدين فتحلّ في المرتبة الثانية وتشكّل 31% من النفقات العامة. بالإضافة إلى البند الثالث المتعلق بالنزيف القائم في ملف الكهرباء وتحويلات الخزينة إلى مؤسسة كهرباء لبنان”.

ويشدد على أن المعالجة المطلوبة “إيجاد حل لمشكلة الكهرباء، وإعادة هيكلة للقطاع العام، ومن ضمن ذلك وضع خطة متوسطة الأمد لمعالجة الاختلالات في المالية العامة. أما التركيز فقط على المالية العامة وخدمة الدين العام واليورويوند وإعادة الهيكلة وإعادة الجدولة، فهذه حملات مسيَّسة، شعبوية وسياسية غير جدية، هي قسم من الحل لكن ليست القسم الأكبر منه”.

ويرى غبريل أن “الحل يتمثل بخفض النفقات غير المجدية ووقف الهدر والفساد ابتداء من إعادة هيكلة القطاع العام، التي يرفض من هم في مواقع الحكم التحدث بها، بدءاً من الوظائف الوهمية إلى إعادة إصلاح النظام التقاعدي في القطاع العام، إلى إغلاق عشرات المؤسسات التي لا جدوى لها، إلى وقف النزيف في الكهرباء من خلال لامركزية إنتاج الكهرباء والسماح للقطاع الخاص بإنتاج الطاقة، وتشريع المولدات الموجودة كأمر واقع مع فرض رسوم عليها، عندها يكون أمام الدولة وقت لإنشاء معامل إنتاج الطاقة”.

ويضيف، “لا يمكن النظر فقط إلى موضوع الدين العام وإعادة الهيكلة وإعادة الجدولة كحلّ”، فهذه ليست الصورة الكاملة للمشاكل التي نعاني منها، إنما هي محاولات سياسية في جزء منها لتجنُّب اللجوء إلى معالجة موضوع القطاع العام وإعادة هيكلته وخفض حجمه، إذ إن أكبر مشكلة أساسية هي تحجيم القطاع العام الذي يتوسع على حساب القطاع الخاص، وهو الذي يؤدي إلى الانكماش الاقتصادي في البلد كما تؤكد الأرقام الرسمية، لا موضوع خدمة الدين العام فقط”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل