في الإقتصاد: من الشعر إلى الإصلاح المالي

في مقالاتي السابقة، أكّدت أن عدم الإستقرار السياسي يسبب حالةً من عدم اليقين في الأسواق تدمّر الإقتصاد. وقد تفاقم عدم اليقين بسبب إنعدام كفاءة ورؤية الحكومات المتتالية التي انشغلت بعقد الصفقات المشبوهة لإشباع جوعها إلى السلطة والثروة على حساب اللبنانيين. وأكّدت أيضاً على الحاجة إلى إستراتيجية إقتصادية شاملة مع تدابير متماسكة تعتمد على مدرسة فكرية معيّنة. كوني أنتمي إلى مدرسة الإقتصاد المؤسسي الجديد، أعتقد أن الكساد الإقتصادي في لبنان سببه في الجوهر تشابك المصالح السياسية والإقتصادية التي دأبت عليها المنظومة الحاكمة منذ ثلاثين عاماً.

بناءً على ما تقدّم، إقترحت تطبيق قواعد إلزامية للسياسات المالية والنقدية من شأنها أن تلغي الشخصنة والإستنسابية لضمان المساواة بين المواطنين بغض النظر عن إنتماءاتهم السياسية أو الدينية. وأعطيت أمثلة علميّة عن هذه القواعد، ومنها “Golden rule of government spending” والـ “Taylor rule” والـ”Equation of exchange”، تطبقها بلدان عدة نجحت في خفض العجز المالي العام، والسيطرة على التضخم والبطالة والمساهمة في نمو مستدام.

عدم الإستقرار السياسي الناجم عن هيمنة حزب الله المسلّح وحلفائه يعقيق مقاربة إقتصادية ترتكز على قواعد علمية، ويشجع على الهدر والفساد مغيباً دور القضاء وسيادة القانون.

لسوء الحظ، في ظل هذه الظروف السياسية، من المستحيل الشروع في تعافي إقتصادي. وبقيت الأوراق والخطط الإصلاحية، بما في ذلك البيان الوزاري الأخير، ذات طبيعة شاملة، تنمّ عن عدم كفاءة واضعي تلك الإستراتيجيات، الأقرب إلى الشعر منه إلى الإصلاح، بسبب إمعانهم بالمزيد من الفساد أو لخوفهم من الفضائح.

في ما يلي أقترح سلسلة من الإصلاحات المالية، والتي من شأنها تسريع الإنتعاش الإقتصادي من خلال إستعادة ثقة اللبنانيين في مؤسساتهم، والأهم من ذلك، ثقة المجتمع الدولي في قدرتنا على تحسين الحكومة.

أنا مقتنعة بأنه لا يوجد أمل في تطبيق هذه الإصلاحات ما لم نقم بإحياء الديموقراطية من خلال إنتخابات نيابية مبكرة. فإن الإستراتيجية الشاملة التي يُعمل عليها الآن، وقد تأخرت كثيراً، كانت لتحمي اللبنانيين من تحمّل مرة ثانية أعباء الفساد والهدر. في الواقع، بصرف النظر عن القرار المتعلق بسداد الديون إو إعادة هيكلتها، فإننا نحن الذين سنعاني من المزيد من الضوابط على رأس المال أو زيادة الضرائب لتمويل تكاليف تدمير مؤسساتنا. في الحقيقة، من أجل إقناع المقرضين بأننا سنكون قادرين على سداد الديون في وقت لاحق، نحتاج إلى إستراتيجية موثوق بها. وحتى إذا قررنا الدفع، نحتاج أيضاً إلى إستراتيجية موثوق بها تساعدنا على الإستمرار.

اعتماد نهج الـGolden rule، والسماح للحكومات بالإقتراض فقط من أجل الإستثمارات بينما يتم تمويل النفقات الجارية من خلال الإيرادات الضريبية، وهذا البند يمكن تطويره وتنفيذه بعد السيطرة على العجز. بالتالي من أجل تقليص فوري للعجز ينبغي النظر في التدابير الآتية:

1- استخدام الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) وخاصة في قطاع الطاقة.

لقد وضّحت هذه النقطة في مقال سابق. نجاح الـPPP مشروط بوجود هيئة تنظيمية مستقلة لإدارة عمليات التلزيم بشفافية ومراقبة تنفيذ العقود.

أعاقت الإعتبارات السياسية تعيين الهيئة الناظمة المفروضة في خطّة الكهرباء لسنوات. وقد أدّى ذلك إلى إبعاد المستثمرين الشرفاء، وفُقدت الآمال جميعها في وقف النزيف المالي الناجم عن قطاع الكهرباء.

تجدر الإشارة إلى أن لبنان قادر على اعتماد الطاقة المتجددة (الشمس والماء والهواء) لتوليد كامل حاجاته من الكهرباء. وفي هذا فوائد إجتماعية عدة مثل نظافة البيئة، والمحافظة على الصحة العامة، وتشجيع السياحة. علاوة على ذلك، يمكننا بيع الفائض من الكهرباء، ومستقبلاً بيع مخزون الغاز والنفط المتوقع إكتشافه قبالة الساحل اللبناني.

2- إعادة هيكلة العمالة في القطاع العام.

معدّل التوظيف في القطاع العام في لبنان هو الأعلى في العالم وذلك لأن النافذين يعتمدون التوظيف إرضاءً لمصالحهم الشخصيّة، غير آبهين بالقوانين المرعية الإجراء، وغير خاضعين لأية محاسبة. سنة 2018 مثلاً، تمّ توظيف 5000 مواطن في القطاع العام من أجل كسب أصواتهم في الإنتخابات النيابية. لإصلاح هكذا وضع، يجب إعتماد معاقبة المخالفين وفسخ عقود العمل غير القانونية.

علاوة على ذلك، فإن نسبة أجور الموظفين في القطاع العام من إجمالي النفقات هي الأعلى (36%). وكانت قد إرتفعت أكثر منذ إقرار الحكومة سلسلة الرتب والرواتب عشوائياً مرة أخرى قبل الإنتخابات.

إن تخفيض الأجور في القطاع العام ليس هو الحل. لا يمكن للحكومة أن تصحح خطأً سابقاً، بل قراراً مقصوداً لتأمين الأصوات في الإنتخابات، عن طريق إرتكاب خطئ آخر مكلف. إن تأثير إنخفاض الدخل خلال الأزمة الإقتصادية هو ضربة قاسية على الضحايا وعلى الإنفاق الكلّي.

تبدأ إعادة هيكلة العمالة بإجراء مسح شامل بهدف زيادة الإنتاجية بدلاً من خفض الأجور. وذلك لنقل الموظفين بهدف تعيين الشخص المناسب في المكان المناسب، وإيقاف التوظيف في القطاعات المشبعة، وتجنيد المهارات المناسبة حيث تدعو الحاجة، ووضع قواعد توظيف واضحة، وتطوير برامج تدريبية من شأنه أن يعزز الإنتاجية. لذلك، يجب القيام بدراسات إستقصائية من قبل ذوي الخبرة في هذا الموضوع. إن تمويل الدراسات من قبل المنظمات غير الحكومية الدولية هو طريق ممكن للمضي قدماً. ولعل أهم فوائد التدقيق في عقود العمل في القطاع العام وتنقل الموظفين، هو الحدّ من الفساد وسوء إستخدام السلطة.

3-تخفيض النفقات الجارية وإيقاف الهدر

نظرة خاطفة على بعض النفقات المفصلة المدرجة في الميزانية تكشف كميّة هائلة من الهدر المنظم: لوازم مكتبية، قرطاسية للمكاتب، لوازم متخصصة، أعياد وتمثيل، علاقات عامة أخرى، المستشارون، مكافآت، تقديمات زواج وولادة ووفاة، مواكب أمن للسياسيين، واللائحة تطول.

4-تقييم الأصول الحكومية وخفض الإيجارات

يمكن بيع ممتلكات عامة غير مجدية واستعمال رأس المال الجديد في مشاريع إنتاجية. كما أن انتقال بعض الإدارات العامة من العاصمة إلى أماكن أخرى يمكنه أن يقلّص من كلفة الإيجارات.

إجراء مسح شامل للأصول العامة قد يكشف عن الأملاك التي يجيز بيعها للاستفادة من الإيرادات واستثمارها.

5-مكافحة التهرب الضريبي والتهريب عبر المعابر الشرعيّة وغير الشرعية.

يمكن مكافحة التهرب الضريبي عن طريق:

-تدابير أمنية لوقف التهريب عبر المعابر الشرعية وغير الشرعية.

– المكننة.

– إعادة هيكلة النظام الضريبي لأن بعض الضرائب بطبيعتها يصعب التهرب من دفعها.

فيما يتعلّق بالنقطة الثالثة، من المهم الإشارة إلى أن اختيار الضريبة الجيدة يستجيب إلى مجموعة معايير:

– العدل: كي تكون الضريبة عادلة يجب أن تحترم القدرة على الدفع مثلاً أن تكون تصاعدية إن كانت على الدخل أو أن تلحظ إعفاءات إن كانت على الاستهلاك مثل الضريبة على القيمة المضافة.

-التأثير: يجب ألا يكون للضريبة تأثير على خيارات الفرد. فإذا كانت الضريبة على الدخل مرتفعة مثلاً، قد يختار المرء ألا يعمل. أما في بعض الحالات فيمكن استخدام الضرائب لدرء الضرر على المجتمع (ضريبة على التلوث).

–           حجم الإيرادات المتوقعة: الضريبة الجيدة هي التي تولّد إيرادات كبيرة. وبالتالي فإن اختيار قاعدة ضريبية واسعة أمر مهمّ.

–           التكاليف الإدارية: الضريبة الجيدة تكون إدارتها سهلة وقليلة الكلفة.

–           السهولة والبساطة: يجب أن يكون احتساب الضريبة سهل الفهم لأن الحسابات المعقدة، الناجمة عن معدلات ضريبية متعددة مثلاً، تسّهل التهرب الضريبي وتشجّعه.

6- التخفيض من كلفة الإنتاج وتطوير ميزاتنا التنافسية.

إن زيادة الضريبة على الوقود تعاقب الشركات وتؤدي إلى ارتفاع التضخم. بدلاً من ذلك يجب العمل على تخفيض تكاليف الإنتاج، مثلاً عن طريق توفير الكهرباء مجاناً للقطاعات المنتجة، وخفض الضرائب على الوقود، وخفض التعريفات الجمركية على المواد الخام المستوردة، وتسهيل المعاملات، وبناء العلاقات التجارية.

إن تخفيض تكاليف الإنتاج من شأنه أن يموّل البحث والتطوير، ويعزز الابتكار، ويطوّر رأس المال البشري والذي يعدّ من أكثر مزايانا التنافسية أهمية.

في الختام، على الرغم من أن هذه التدابير المالية المقترحة، وهي هيكلية بطبيعتها، ضرورية لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية في قدرة اقتصادنا على النهوض، يواجه تنفيذها عائقين رئيسيين: أولاً، لا يبدو أن الحكومة الجديدة مستعدة أو تعرف أو لديها نيّة للشروع في إصلاحات جادة،

ثانياً، سيكون من الصعب جمع البيانات لإجراء تقييم معمّق للحالة الراهنة لمالية الدولة بسبب الافتقار إلى الشفافية ونقص الخبرة، على الرغم من أننا قد وعدنا بحكومة خبراء.

وبالتالي، فإن تصحيح الفساد والهدر يستلزم بداية جديدة عبر انتخابات برلمانية مبكرة.

مصلحة الأساتذة الجامعيين في حزب القوات اللبنانيّة

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل