


كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1703
عملية خطف طائرة TWA:
الذل لأميركا (2)
بعد إغتيال قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني، تولى الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله مهمة رسم خارطة طريق الرد على الإعتداء الذي تبنته ونفذته الإدارة الأميركية، وأعلن أن الهدف سيكون طرد الجيش الأميركي من المنطقة كلها، العراق وسوريا ودول الخليج حيث تنشر واشنطن قواعدها العسكرية. ليس لبنان، ولم يكن أساسًا، بعيدًا عن هذه الاستراتيجية التي أعلنها نصرالله. ولكن الفارق اليوم بينه وبين دول المنطقة أن لا وجود لقواعد أميركية فيه، وإن كان هناك عسكريون أميركيون يشاركون في عمليات تدريب الجيش اللبناني. فهل سيكون هؤلاء هدفاً للعمليات؟
منذ العام 1982 تولى «حزب الله» في لبنان مهمة الإشتباك المفتوح مع الولايات المتحدة الأميركية قبل أن يحمل علناً هذا الإسم وبعده، وكان الهدف طرد أميركا من لبنان بكل ما تمثله من وجود سياسي وعسكري، وصولاً الى القضاء على «أتباعها» و»عملائها». وقد عمل «حزب الله» لتحقيق هذا الهدف بكل الوسائل التي كانت متاحة له. من عمليات الخطف الى عمليات القتل والتفجير. أبرز العمليات التي اتُهم بأنه نفذها وكانت ضربات موجعة للأميركيين، نفذها إنتحاريون بواسطة شاحنات مفخخة.
في 18 نيسان 1983، تم تفجير مقر السفارة الأميركية في عين المريسة، وقد أدى ذلك الى مقتل نحو 63 شخصًا من بينهم 49 موظفاً في السفارة ومن ضمنهم عدد من قيادات المخابرات الأميركية المركزية CIA. وقبل هذا التفجير، حافظت واشنطن على بقاء مقر سفارتها في بيروت الغربية في خلال الحرب، على رغم إغتيال سفيرها فرنسيس ميلوي في 16 حزيران 1976. ربما اعتقدت الإدارة الأميركية أن السفارة هناك كانت أصبحت في أمان بعد الإجتياح الإسرائيلي، ولكن هذا الإعتقاد سقط سقوطاً مدويًا مع هذه العملية التي أبرزت بداية الدور الكبير الذي سيلعبه «حزب الله» في لبنان والمنطقة. كانت الولايات المتحدة الأميركية قد شاركت من ضمن القوات المتعددة الجنسيات التي أُرسلت الى لبنان بعد الإجتياح الإسرائيلي، وذلك بهدف مساعدة الحكومة اللبنانية على إستعادة سيادتها.
قوات المارينز كانت أيضًا هدفاً لـ»حزب الله». في 23 تشرين الأول 1983، بعد ستة أشهر على تفجير السفارة، إقتحمت شاحنة مفخخة مقر هذه القوات قرب مطار بيروت ودمرته، وقد أدت العملية الى مقتل 241 جنديًا أميركيًا. بعد ثلاثة أيام وصل الى موقع الإنفجار نائب الرئيس الأميركي جورج بوش ليعلن أن بلاده لن تخضع لتهديدات الإرهابيين. ولكن هذه العملية أدت الى إنسحاب القوات الأميركية من لبنان.
عندما اتخذت واشنطن قرار نقل سفارتها الى بلدة عوكر في منطقة المتن الشمالي في بيروت الشرقية في تموز 1984، ربما كانت اعتقدت أن هذا الموقع سيكون بأمان. ولكن هذا الإعتقاد لم يكن إلا مجرد وهم. فبعد شهر تقريبًا، في 20 أيلول 1984، وقبل أن تُستكمل إجراءات الحماية الشاملة حول المقر الجديد، تم إستهدافه بشاحنة مفخخة يقودها إنتحاري لم يتمكن من الوصول الى داخل المبنى بعد التنبّه له وإطلاق النار عليه. وقد أدى ذلك الى مقتل 23 شخصًا من بينهم 11 أميركيًا.
هذه العمليات كانت تتم تحت أسماء مستعارة منها «حركة الجهاد الإسلامي» أو «منظمة المستضعفين في الأرض». ولكن ما كان يحصل بطريقة سرية يبقى معها المنفذ مجهولاً ولا يتم الكشف مطلقاً عن هويته، ومن دون أن تتبنّى أي جهة معلومة، تبدّل مع عملية خطف طائرة الـTWA الأميركية الى مطار بيروت في 14 حزيران 1985. كانت تلك العملية تحوّلاً كبيرًا في مسار عمليات «حزب الله» وفي مسلسل الإشتباك الشامل مع الولايات المتحدة الأميركية. كان «حزب الله» يريد ربما أن يعلن عن نفسه بهذه الطريقة الإستعراضية التي تمت بها عملية الخطف. كان مطار بيروت مستباحًا وقد حصلت فيه أكثر من عملية خطف للطائرات.
قبل يومين من هذه العملية، كانت عناصر تابعة لحركة «أمل» خطفت طائرة تابعة لشركة عالية الأردنية للمطالبة بكشف مصير الإمام موسى الصدر المخطوف في ليبيا منذ آخر آب 1978. وكانت حركة «أمل» برئاسة نبيه بري تسيطر عمليًا على بيروت الغربية والضاحية الجنوبية، بنيما كان الحزب لا يزال قوة صاعدة يزاحمها على النفوذ. عملية خطف طائرة الـTWA جاءت لتعلن أن «حزب الله» بات الأقوى على الأرض وفي الجو، خصوصًا أن العملية تم التخطيط لها بدقة ولم تتناول مسألة الإمام الصدر بل المعتقلين في السجون الإسرائيلية من لبنانيين وفلسطينيين وبعض السجون الأوروبية والغربية. والعملية كانت نقلة نوعية لأنها كانت علنية إستمرت 16 يومًا، وتم في خلالها إلتقاط صور للخاطفين مع طاقم الطائرة، وقد أراد «حزب الله» من خلالها إذلال أميركا كما أعلن منذ البداية.
بدأت هذه العملية في مطار أثينا وانتهت في مطار بيروت، وتم إطلاق الرهائن الأميركيين بعد نقلهم الى دمشق، وقد إلتزمت إسرائيل إطلاق سراح عدد كبير من المعتقلين في سجونها. وفي حين كانت واشنطن عاجزة عن القيام بأي عملية إنقاذ، إضطرت أن تطلب من إسرائيل التجاوب، ومكّنت سوريا من لعب دور الوسيط، بينما اكتفت عمليًا بفرض الحظر على حركة الطيران الى مطار بيروت.
كيف حصلت تلك العملية؟ كيف بدأت؟ وكيف انتهت على أرض المطار؟
في لبنان كان الوضع مأسويا. في اليوم التالي لبدء عملية الخطف، وبعد إقلاع الطائرة مرة ثانية من بيروت الى الجزائر، بدت السلطات اللبنانية عاجزة تمامًا عن القيام بأي عمل. وبنتيجة هذا الوضع أدلى مصدر عسكري لبناني بالبيان التالي: «قرر الجيش اللبناني سحب عناصره من مطار بيروت الدولي نظرًا الى أن عناصر الأحزاب الفاعلة في منطقة المطار تمنعهم من ممارسة واجباتهم، ولعدم تجاوب الأطراف السياسيين والمحليين في تأمين سلامة الملاحة الجوية. ويهم القيادة أن تعلن أنها جاهزة لتنفيذ خطة أمنية كاملة تحفظ أمن الملاحة الجوية وسلامتها. ولكن لا يمكن أن تكون غطاء لأعمال الإرهاب والخطف التي تسيء الى سمعة الوطن وشعبه».
بعد إذاعة هذا البيان بوقت قصير، كان مصدر عسكري آخر ينفي سحب الجيش من المطار. لكن الدولة لم تنسَ القيام ببعض واجباتها. مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي خالد حمود كلّف الطبيب الشرعي أحمد حاراتي الكشف على جثة الجندي الأميركي، فوجده مصابًا بطلق ناري واحد دخل في صدغه الأيمن وخرج من خلف الأذن اليسرى، ونُقلت الجثة لاحقاً الى مستشفى أوتيل ديو ليتمكن المسؤولون الأميركيون في السفارة من الحضور والتعرّف عليها.
في الولايات المتحدة لم يكن الوضع أفضل، فعلى رغم كل ما تتمتع به من قوة، كانت عاجزة أيضًا حيال هذه القضية وعدد جديد من الرهائن يُضاف الى لائحة رهائنها المحتجزين في لبنان. هذه المرة عدد المنضمين الى اللائحة يفوق بكثير عدد الذين أُدرجت أسماؤهم عليها على دفعات في أوقات سابقة. كانت الولايات المتحدة الأميركية محتجزة كلها في الطائرة. تحرك القرار الأميركي على مستويين: الأول عرض قوة لتهديد الخاطفين ومنعهم من قتل المزيد من الأميركيين، ولهذه الغاية أرسلت قوة من «المارينز» باتجاه المياه الإقليمية اللبنانية. وأعلنت حال الإستنفار في بعض قوات التدخل السريع المدرّبة على إطلاق الرهائن. الثاني الإتصال بالحكومة الإسرائيلية لمعرفة مدى تجاوبها مع مطلب الخاطفين بإطلاق المعتقلين لديها في سجن «عتليت». وعلى الخط نفسه، كان لا بد من الإتصال بسوريا لتلعب دور الوسيط مع الخاطفين. إسرائيل تتعهد لأميركا إطلاق سراح المعتقلين. أميركا تتعهد لسوريا. سوريا تتعهد للخاطفين وتضمن إنهاء العملية.
في اليوم الثالث 16/6/1985 عادت الطائرة المخطوفة من الجزائر الى بيروت وهبطت على المدرج الغربي. الساعة 14,50، وعلى مهل، تحركت وتوقفت في نهاية المدرج لجهة الشويفات. تلا قائد الخاطفين بيانا جدد فيه مطالبه، وتدخل رئيس حركة «أمل»، وزير العدل والموارد المائية والكهربائية، المحامي نبيه بري وسيطاً مع الخاطفين، وطلب عدم إيذاء الرهائن. وانتقل الى برج المراقبة الشيخ حسن المصري وبسام طليس وأحمد بعلبكي من حركة «أمل»، بينما تدفق عدد كبير من المسلحين الى باحات المطار ومدارجه، ومن دون أي رادع تحركوا بحرية من الطائرة وإليها.
الساعة 15,00 طلب الخاطفون طعامًا وماء. وبعد خمس دقائق طلبوا حضور بسام طليس الى الطائرة لوحده. الساعة 15,10 وصل المسؤول العسكري المركزي العام في حركة «أمل» عقل حميه الى برج المراقبة، ومن شدة إزدحام المكان بالمسؤولين والصحافيين والمرافقين، حصل خلاف بين المسلحين كاد يؤدي الى إشتباك، مما دفع الشيخ حسن المصري الى طلب إخلاء البرج منهم، ولما رفض أحدهم تقدم منه وصفعه.
الساعة 15,15 وصل بسام طليس الى الطائرة بواسطة سيارة جيب صفراء تابعة للمطار. لدى وصوله نزل أربعة مسلحين من الطائرة فتشوه ثم صعدوا معه إليها.
الساعة 15,20 ظهرت سيارة بيجو وحاولت للمرة الثانية على التوالي التقدم باتجاه المطار. رآها الخاطفون. إتصلوا بالبرج وهددوا بإطلاق النار عليها فانسحبت. ثم جددوا طلبهم بتزويد الطائرة بالطعام والماء. وعند الساعة 15,30 غادر بسام طليس الطائرة وعاد الى برج المراقبة. في هذا الوقت عقد الوزير بري إجتماعًا سياسيًا أمنيًا في منزله في محلة بربور في بيروت الغربية، حضره مسؤولون أمنيون رسميون وحزبيون، وتركز البحث على مطالب الخاطفين وسبل إنهاء العملية. وتبنّى المجتمعون المطالب الخاصة المتعلقة بإطلاق المعتقلين في سجن «عتليت» في إسرائيل وفي إسبانيا، فيما بدا أنه محاولة لدعم هذه المطالب، وحصر العملية من ضمنها لأن فيها تحقيقاً لرغبات الأطراف المجتمعة.
الساعة 18,30، وبناء على طلب الخاطفين، توجه بسام طليس مرة ثالثة الى الطائرة. بعد نحو عشر دقائق نزل ومعه رسالة وقعها الرهائن الأميركيون الإثنان والثلاثون موجّهة الى الرئيس الأميركي رونالد ريغان، وتطالبه بالمساعدة لإطلاق المعتقلين.
(يتبع)
إقرأ أيضاً: عملية خطف طائرة TWA: الذل لأميركا – 1
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]