#adsense

شربل القسيس… قدس الأباتي

حجم الخط

 

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1704

ثمة أسماء لا تسقط من الذاكرة. حتى لو غابت تبقى في غيابها أكثر حضورًا. تغيب ولكن صورتها لا تغيب. وكلما ابتعدت في التاريخ كلما ترسّخت وتجذرت أكثر في الواقع. والأباتي شربل القسيس واحد من هؤلاء الذين حفروا تاريخهم بأعمال من نضال وأحرف من مقاومة ومواقف من صلابة صخور لبنان.

ثمة جذور تنبت من السماء بعدما كانت تحفر عميقاً في الأرض. كأن الرجل يصير رابطاً بين السماء وبين الأرض، وكأن لا تعود هناك فواصل بين ما هو فوق وبين ما كان تحت. لا يعود الثوب الرهباني هو الرابط بل تتحوّل حياته كلها إلى مسار واحد رسم أمامه طريقاً ومشاها غير عابئ بالصعوبات. لا بل يتحوّل تحديه لهذه الصعوبات إلى نقطة القوة لديه.

هكذا كان شربل القسيس. هذا الإسم يكفي ليعطي صورة عن ذاك الرجل الذي اختصر باسمه كل الصفات الأخرى التي أُلصقت به. لكأنه صار مع الرهبانية اللبنانية المارونية واحدًا. كما ارتبط إسم الأباتي اغناطيوس التنوري بالرهبنة في الحرب العالمية الأولى وفي مواجهة المجاعة عندما رهن أملاك الرهبنة لدى الحكومة الفرنسية لمساعدة الجياع، هكذا ارتبط إسم الأباتي القسيس بها في بداية الحروب في لبنان كما ارتبط بها بعده إسم الأباتي بولس نعمان.

عندما أصبح الأباتي القسيس نائبًا عامًا على الرهبانية في العام 1968 في ظل رئاسة الأباتي بطرس قزي، كان ذلك بمثابة تمهيد لوصوله هو لاحقاً إلى سدة الأباتية. فهو كان قد سيم كاهناً في 29 أيار 1955 في جامعة الروح القدس في الكسليك، ولكنه في العام 1959 أرسل إلى داكار عاصمة السنغال ليبقى هناك حتى العام 1965 عندما انتقل إلى بلجيكا لمتابعة دراسة العلوم السياسية والإجتماعية قبل أن يعود إلى لبنان في العام 1967. بعد عام واحد دخل إلى مركز القرار في الرهبنة على رغم أنه كان لأكثر من عشرة أعوام بعيدًا عن لبنان.

لم تكن رفقة الأباتي قزي مجرد نزهة رهبانية ذلك أنه كان على الرهبنة أن تدخل في مواجهة لم تحسب لها حسابًا من قبل بعد أن داهمت الأخطار لبنان. ذلك الدخول إنما كان تعبيرًا عن محاولة لملء فراغ سياسي تحوّل لاحقاً إلى ما يشبه المهمة العسكرية. فمنذ ذلك التاريخ وبعد توقيع إتفاق القاهرة الذي أعطى المنظمات الفلسطينية حق العمل المسلح إنطلاقاً من لبنان، ومع الإمعان في انتهاك السيادة اللبنانية وفي ظل الإنقسام الداخلي، كان لا بد من أن تكون الرهبانية اللبنانية المارونية في صف الدولة والكيان والأحزاب المدافعة عنهما. هذا الوعي لخطورة المرحلة تُرجم في «الكسليك» بخلق لجنة بحوث الكسليك التي اعتنت بوضع الأفكار والمقترحات والدراسات من أجل الحفاظ على السيادة اللبنانية واقتراح الحلول الممكنة لذلك.

في ظل إنحدار لبنان نحو الحرب والأجواء المهيئة لها إنتُخب القسيس رئيسًا عامًا للرهبانية اللبنانية المارونية في العام 1974 وهو بعد في السابعة والأربعين من عمره، الأمر الذي اعتُبر أنه ميزة له لم تُعط لكثيرين غيره خصوصًا بين «أقطاب» أكبر منه كانوا في الرهبنة. هذا «الشباب» أعطاه قدرة أكبر على الحركة والحضور خصوصًا إذا ما تم الأخذ في الإعتبار القدرات القيادية التي كان يتمتع بها، وقد اعتُبرت ولايته مكمّلة لما كان بدأه إلى جانب الأباتي قزي الذي بقي حاضرًا في تفاصيل مهمة الرهبنة إلى جانب خلفه. ومع بدء الأحداث مع بداية العام 1975 كان من الطبيعي أن تنضم الأديار والرهبنة إلى حملة تنظيم الدفاع عن الدولة. في ظل هذه الأجواء الحربية وُلدت الجبهة اللبنانية في مكتب الأباتي قزي في الكسليك في نهاية العام 1975 وتجددت في دير سيدة البير، وكانت تعقد بعض إجتماعاتها في مقر الرئاسة العامة في دير مار أنطونيوس في السوديكو قبل أن تستقر بعد العام 1982 في دير مار جرجس في عوكر.

طيلة ستة أعوام بقي الأباتي القسيس والرهبنة في صلب الأحداث. ولم يتوانَ عن الدخول في طرح الأفكار التي كانت تعتبر وقتها من المحرّمات أو من الأسباب الموجبة لقتال المسيحيين في لبنان، وهو كان يعتبر أنها من الأسباب الموجبة للقتال دفاعًا عن النفس والكيان ولبنان. ومن هذه الخلفية كان يتم طرح التعددية الثقافية والفكرية والفدرالية من ضمن التأكيد على نظام الوحدة. وهذا الحضور الرهباني بقيادة الأباتي القسيس ساعد في تثبيته بعض الضعف الذي عانت منه بكركي في مرحلة ولاية البطريرك أنطونيوس بطرس خريش التي بدأت في 2 شباط 1975 بعد وفاة البطريرك مار بولس بطرس المعوشي.

تمكن القسيس بفعل قوة حضوره وحضور الرهبانية من أن يكون واحدًا من كبار رجالات الجبهة اللبنانية إلى جانب كميل شمعون وبيار الجميل وشارل مالك وفؤاد افرام البستاني والشيخ بشير الجميل وسليمان فرنجية، وكانت له مساهمات في حل بعض الخلافات التي كانت تنشأ بين أحزاب الجبهة وشخصياتها. ولكن بحكم الديمقراطية التي سادت تاريخ الرهبانية، كان لا بد من أن يسلّم الأمانة إلى من يختاره الرهبان الذين سبق لهم أن اختاروه هو قبل ستة أعوام. هكذا صار الأب بولس نعمان خلف الأباتي القسيس وهو كان إلى جانبه في الرهبنة ومن الذين دعموا انتخابه قبل ستة أعوام. تابع نعمان «النذور» الرهبانية في الجبهة اللبنانية وفي الزمن الصعب الذي استمر بمخاطر أكبر، ولكن بعد العام 1985 وبعد تدخل فاتيكاني تم تحديد دور الرهبانية لجهة إخراجها من الأدوار السياسية وإعادتها إلى الأدوار الرهبانية الوطنية. ترافق هذا التغيير مع تغيير أكبر في البطريركية المارونية بعد انتخاب المطران نصرالله صفير بطريركاً في نيسان 1986 بحيث أعاد الدور الريادي لبكركي.

كان على الأباتي شربل القسيس أن يعود إلى حياته الرهبانية العادية راهبًا عاملاً في الدير أو رئيسًا. ولكنه على رغم ابتعاده عن الأضواء والمواقع بقي إسمه حاضرًا. لا يمكن أن تذكر الرهبانية أو الجبهة اللبنانية إلا معه ولا يمكن ذكر إسمه إلا معهما. صحيح أن المرحلة الصعبة التي تبوأ فيها الأدوار الصعبة كانت سببًا في بلورة مواقفه، ولكن شخصيته القوية هي التي ساهمت في صناعة المرحلة أيضًا. ولذلك سيبقى ذكره مؤبدًا وسيبقى إسمه محفورًا في ذاكرة أجيال كلما تعمّقت في دراسة التاريخ الحديث، كلما توقفت عند صورته بلباسه الكهنوتي الأسود أو بمسبحته والصليب المتدلي على صدره علامة على الشهادة للحقيقة والإستشهاد من أجل لبنان في زمن مضى وفي زمن حاضر وزمن قد يأتي. كأن شربل القسيس صار أيضًا علامة من تلك العلامات.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل