اعتبر نائب رئيس مجلس الوزراء السابق غسان حاصباني أن القرارات الكبيرة المنتظرة من الحكومة لم تصدر بعد، وقد يكون هناك خشية من ردة فعل الناس والسياسيين المعارضين للحكومة وكذلك السياسيين الذين يقفون وراء تشكيل هذه الحكومة.
واردف في مقابلة عبر اذاعة “الشرق”: “بالتالي وقع رئيس الحكومة والحكومة في حلقة مفرغة. هناك حالة ضياع كاملة ونتمنى للحكومة الصحوة والجرأة كي تعالج اولاً الوضع المالي والازمة الصحية اللذين تعيشهما البلاد وتنطلق بالعمل التنفيذي”.
الحكومة امتداد لتفكير سابق وقديم
قال حاصباني: “طالبنا بحكومة اختصاصيين مستقلين فأتوا بحكومة فيها أصحاب اختصاص ومثقفين. الناس كانت تريد حكومة جاهزة بمشروع وخطط، فتبدأ العمل منذ اليوم. حتى الآن نرى دراسات ولجان وخبراء واستشاريين ويبدو أن هذه الحكومة لديها أسئلة أكثر بكثير من الاجوبة فيما يجب على الحكومة أن تكون مصنعا لا مختبرا. ففي المختبر قد نأخذ سنوات لوضع معادلات اما في المصنع فتكون المعادلة جاهزة ويبدأ التصنيع من اليوم الاول. لقد قدمت بياناً وزارياً مؤلفاً من افكار عدة غير مترابطة، فإكتشفنا بأن الحكومة امتداد لتفكير سابق وقديم وهي مستمرة بالنهج المتبع منذ سنوات عدة لإلغاء السلطات والهيئات الرقابية المستقلة”.
كما اشار الى انهم يسعون اليوم كي يكون دور الوزير السياسي هو الاساس في كل القرارات العملية والتشغيلية، مشدداً على ان اساس الاصلاح ان تقوم هيئات مستقلة في العمل، ومشيراً الى ان بلدان عدة عمدت الى الغاء الوزارات في ظل هذه الهيئات التي تشرف على المنافسة بين القطاع الخاص.
تابع: “العكس هو الصحيح لدينا، اذا ورد في البيان الوزاري جملة تدق ناقوس الخطر وهي تدعو الى تعديل قانون الكهرباء وتشكيل الهيئة الناظمة، وتبين ان غالبية هذه التعديلات تصب في الغاء صلاحيات الهيئة الناظمة فتصبح هيئة شبه استشارية. وبالتالي يعود القرار بالكامل للوزير مجدداً. وهذا الامر تم في قطاع الاتصالات حيث نسفت الهيئة الناظمة فيما ما زال موظفوها يتقاضون الرواتب”.
كذلك اعتبر ان هذا التوجه خطير جداً لأنه معاكس تماماً لتوجه الاصلاح، مضيفاً: “الاصلاح لا يعني ديكتاتوريات تتحكم في الادارة ونضع كل الامور في يد القطاع العام. هذا النهج يطلق يدي الوزير ويُخلق ممالك أو والي يعود إلى الملك الذي سيقول له ماذا يجب أن يفعل”.
لا نزال في حالة إنكار مميتة لواقعنا
طمأن حاصباني الجميع والرئيس حسان دياب أنه بغض النظر إذا كان هناك جولات إلى الخليج أو غيره أو لا، فهذا لا يعني أن اللقاءات ستصدر عنها قرارات إيجابية إذا كان التصرف في المكان الخطأ.
اضاف: “الدول كانت واضحة معنا بأن علينا ان نحسن وضعنا ونقوم بالاصلاحات اللازمة كي تقف الى جانبنا. المجتمع الدولي واضح وهو يرجح أن نصل إلى مرحلة ذات طابع إنساني واجتماعي صعب جداً ورغم ذلك هذا النوع من المساعدات لن يأتي إذا لم تقم الحكومة بالإصلاحات الجذرية المطلوبة”.
كما اشار الى اننا ما زلنا في حالة إنكار مميتة لواقعنا والبحبوحة العالمية غائبة والظروف الإقليمية تعاكسنا، واردف: “واضح بأن الدول لن تتدخل بأي شيء لمساعدة لبنان الذي يعاني من الهدر والفساد وسوء الادارة إلا إذا قمنا بالإصلاحات”.
العوامل الاربعة التي اوصلت الى الوضع القائم
عرض حاصباني للعوامل التي اوصلتنا الى ما نحن عليه من حيث ارتفاع الدين وانعدام النمو منذ العام 2010 حيث كان الدين العام لا يزال محدودا ولا يتخطى 50 مليار دولار والناتج المحلي فوق 60 مليارا دولار، وقال:
“العامل الاول هو انتهاك سيادة الدولة ووجود سلاح خارج قرارها وخطاب سياسي متشنج. هذا ادى الى انقطاع السياح العرب عن القدوم إلى لبنان في السنوات العشر الماضية ويقدر تراجع السياح العرب واستثماراتهم بخسارة 12 مليار دولار، تراجع ودائع المغتربين وبعض المودعين الاجانب بنحو10 مليار دولار وانخفاض الثقة الاستثمارية العامة افقدنا بحدود 14 مليار دولار لمدة 10 سنوات.
العامل الثاني هو تعطيل التشريع في مجلس النواب وتعطيل عمل الحكومة واستمرار البلد لأكثر من سنتين من دون رئيس جمهورية. هذا كلفنا ديونا متراكمة بحدود الـ 11 مليار دولار الى جانب الانخفاض بالنمو المحلي بنحو مليارين وهذا فقط في مرحلة التعطيل.
العامل الثالث، هو سوء الإدارة والهدر. كلفته تقريبا 33 ملياراً منها 27 ملياراً جراء دعم الكهرباء وسوء الجباية، والتهرب الجمركي وفلتان الحدود البرية تقديره 15 مليار دولار على 10 سنوات.
العامل الرابع، كلفة النزوح السوري التي قدرت بـ17 مليار دولار وكبدتنا أعباء على البنى التحتية وغيرها”.
واشار حاصباني الى انه إذا جمعنا كل هذه الخسائر والديون والفرص الضائعة فهي تشكل أكثر من 99 مليار دولار. كما اكد ان خلال السنوات العشر الماضية كانت “القوات اللبنانية” كفريق سياسي تعود تدريجيا الى الحكم حيث رفعت الصوت ودقت ناقوس الخطر، وها هم الناس تحركوا اليوم.
لنتنبه من أن يكون نفط وغاز لبنان نقمة لا نعمة
في ملف التنقيب عن النفط والغاز، اشار حاصباني الى اننا في الخطوة الاولى في مسار النفط والغاز وذكّر بما قاله في العام 2012 من ان علينا ان نتنبه ألا يكون نفط وغاز لبنان نقمة لا نعمة، مضيفاً: “حين يتم الحديث بشكل كبير عن مخزون الطاقة في بلد معين، ان لم يكن البلد يتصرف بمسؤولية يصبح يتصرف بتهور على امل استخراجها. بالطبع نأمل خيرا ولكن بحسب دراسات الكميات المتوقعة لن تقدم مردودا ماليا كبيرا للدولة اللبنانية. استخراج النفط او الغاز يساعد اكان عبر المداخيل المالية منه او عبر خلق فرص عمل، هذا الامر يساعد الدولة ولكن لا يسد الديون”.
رداً على سؤال، اجاب: “أي إنجاز بسيط يعلن يسارعون إلى تبنيه منفردين من قبل مجموعة واحدة، اما الفشل فيرمونه على الغير. يجب العمل كمجموعة واحدة وفريق عمل يتشارك الانجازات ويتحمل الفشل مجتمعاً. انجاز بحجم التنقيب عن النفط تطلب مجالس وزراء ونقاشات عدة”.
اضاف: “نحن كفريق سياسي في مجلس الوزراء دعمنا هذا الملف وسهلناه وأعطينا ملاحظاتنا بكل ايجابية ومر الامر في الحكومة. للاسف لم يقولوا ان احدا لم يعرقل او ان الجميع سهل الامر، لكن عندما رأينا شوائب في مشاريع أخرى وكنا في المرصاد اتُهمنا بالعرقلة”.
15 سنة تنقيب نفط وغاز وبيعه لتعويض خسائر 10 سنوات كهرباء
ردا على سؤال عن كلام رئيس الجمهورية عن دخول لبنان نادي النفط وان هذا الحلم النفطي تحقق بفضل جهود تكتل التغيير والاصلاح والوزير جبران باسيل ومن تعاقب من بعده في وزارة الطاقة لتحقيق هذا الحلم، اجاب: “إذا كان فضل انجاز الغاز سيحمله هذا الفريق منفردا فليتحمل اذا كل ما حصل في لبنان من ديون. ففي السنوات العشر الماضي، حيث تسلم هذا الفريق السياسي وزارة الطاقة تكبد لبنان 30 مليار دولار خسائر. نحن ندفع ثمن ذلك اليوم من خلال ما يعانيه المواطنون في المصارف”.
اضاف: “الآن نرى مراحل يوضع فيها رئيس الجمهورية في موقع رئيس حزب رغم أنه كان من المفترض أن يكون لجميع اللبنانيين وليس لفريق سياسي واحد. بما أن الرئيس نسب كل المسؤولية لوزارة الطاقة ولمن تولاها في ملف الغاز، وفق ما هو متوقع من ارباح من كمية الغاز المتوقعة نقول إننا بحاجة لـ 15 سنة تنقيب نفط وغاز وبيع لتعويض خسائر 10 سنوات كهرباء. لذلك الفريق السياسي الذي يخبرنا اننا بفضله اكتشفنا النفط ليتحمل الخسائر ايضاً”.
الثورة لم تنطفئ ومسارها لا يزال طويلا
اشار حاصباني الى انه حين انطلقت الثورة كانت اشبه بشجرة تنمو في الربيع، فعمد بعضهم الى تشحيل اغصانها. اردف: “عامل السيادة ممنوع تناوله والتهديد اصبح عبر بعض الذين يدفع بهم الى الساحات. كما وضعت محرمات في الكلام وترك المجال للحديث عن الفساد والهدر وهو عامل مهم بما وصلنا اليه ولكن هناك عامل سياسي رئيسي وهو تسبب بتعطيل المؤسسات وبتعزيز الفساد. لقد حاولوا خلق مرشد للثورة والقيام بتنفيسها ولكن حين تكون هناك ارادة شعبية حقيقية فلا تنطفئ الثورة”.
تابع: “مع الثورة المحاسبة باتت واضحة أكثر، دور الشعب بات أمراً واقعاً في تغيير المصير، ولكن المسار لا يزال طويلا وشاقا لتأكيد الاصلاحات المطلوبة والوصول إلى ما يريده الناس. الأساسات الكبرى لم تتغير لكن الثورة غيرت طريقة التعاطي والمقاربة بعض الشيء. نحن مع الثورة في الدعوة الى انتخابات مبكرة وفق القانون الحالي لأن اي شخص يدعو لمناقشة القانون يعني انه يدفع الى تأجيل اجراء الانتخابات لربح الوقت. طموح الثورة ما اصبحت عليه “القوات” منذ 4 سنوات اي تعارض وتصوب وتدخل في النظام السياسي عبر الانتخابات لتصحيح الامور من داخل المؤسسات”.
لخلق مؤسسة سيادية قابضة
في موضوع صندوق النقد الدولي، قال حاصباني: “الحكومة أكدت ألا خطة لديها وهي لا تزال تعمل على ذلك ولكن عدم سداد الديون من دون خطة يفتح علينا باباً عريضاً من المشاكل المالية المستقبلية الكبيرة جداً وستفقد الثقة من قبل داعمي او مديني لبنان كلياً واي دعم هو مرتبط بخطة للحكومة مرتبطة بالاصلاحات وبكيفية عملها”.
كما شدد على انه سيكون للقرار الذي ستأخذه الحكومة بشأن تسديد استحقاق 9 آذار المقبل تأثيراً مباشراً على المواطن وامواله في المصرف وعلى امنه الغذائي، لذلك يجب ألا تمسّ الحلول بالمواطن وودائعه.
تابع: “نحن أعطينا فرصة لهذه الحكومة ولكن الوقت يداهمنا وأنا أطلقت أفكارا للحل وأتمنى أن تنال جزءا من النقاشات. لقد هدرت الدولة الاموال بمؤسسات وادارات وربما بطريقة مشرّعة. ومن الحلول التي اقترحها خلق مؤسسة سيادية قابضة توضع فيها كل أصول الدولة من اتصالات، إدارة مرافئ، سكك حديد وأمور أخرى مثل بعض المؤسسات العامة وهكذا يفتح مجال للناس لملكية مباشرة لهم عبر حصولهم على اسهم فيها عوض المس بمدخراتها في المصارف. تكون هيئة ادارية لهذه المؤسسات باعلى معايير الشفافية الدولية ويكون هناك هيئة إدارية بمعايير دولية شفافة وبمساعدة واشراف من الصناديق الدولية الداعمة للبنان من دون ادارتها”.
كذلك دعا حاصباني الى إعادة هيكلة القطاع المصرفي وألا يدفع المواطن الثمن جراء تكبدها بعض الخسائر.
ولفت الى ان الثقة بلبنان فقدت كليا وجميع المانحين يتحدثون عن صندوق النقد الدولي لانه يدقق بالخطط وجدواها كي يعطيهم تقريرا كاملا عن مدى امكانية الدولة اللبنانية تطبيق الخطط المطروحة، مضيفاً: “الحكومة لا تثق حتى بنفسها وهذا يدل عن خوف من اتخاذ القرارات لذلك المجتمع الدولي يطلب اتخاذ القرارات فوراً ليساعدنا العالم”.
خطوات الحكومة بموضوع كورونا متأخرة
اشار حاصاني الى انه في حالات كفيروس كورونا كلما ما تأخرت ردود الفعل والاجراءات للتصدي له، كلما تفاقمت المشكلة أكثر، مضيفاً: “المرض لا يظهر فوراً. لقد غردت منذ بضعة ايام مطالبا بتوقيف الرحلات المباشرة مع الدول التي ينتشر فيها الكورونا بشكل كبير وقد ذكرت ايطاليا وايران كي لا يتحجج البعض بخلفيات سياسية. خطوات الحكومة بموضوع كورونا متأخرة. آمل أن نعالج الامر بشكل سريع لأن الوقت لا يسمح بالمماطلة”.
تابع: “اليوم اضطررنا لاقفال المدارس. ماذا ان انتشر الفيروس بشكل كبير واصبح لبنان من الدول التي يطلب العالم بحظر السفر اليها، يعني ان كان لدينا متنفس صغير للناس للعمل خارج لبنان وادخال الامول يتوقف الامر ايضا. نصبح في عزلة مالية وصحية لذا المطلوب العمل سريعا من دون تردد وآمل الا نكون قد تأخرنا”.