#adsense

تدعيم الجهاز المصرفي أولاً… حفاظاً على حقوق المواطنين

حجم الخط

 

كيف ندعّم قطاعا تعوّدنا ان يكون دعامة اقتصادنا ككل؟ سؤال مقلق ما نوقّعنا يوما أن نطرحه على أنفسنا بعد أن تغنينا بالقطاع المصرفي كعمود فقري للاقتصاد اللبناني ولميزة دور لبنان الاقتصادي في المنطقة ككل. لطالما شكّل الجهاز المصرف اللبنانية (المصرف المركزي والمصارف التجارية) معقلا ليس فقط لتحفيز النشاط الاقتصادي للقطاع الخاص كوننا في “اقتصاد استدانة” يفتقر للسوق المالي المتطوّر بل أيضا للقطاع العام الذي أثقل المصارف بحاجاته التمويلية، وهنا جوهر الأزمة وصلب الموضوع بغض النظر عن بقية روافده وتشعّباته.

كما هنا بالذات تختلف الأزمة اللبنانية عن سائر الأزمات التي شهدتها بلدان أخرى أخطأت فيها المصارف في مخاطر إستثماراتها فلجأت للدولة لإنقاذها إذ عندنا تمادت الدولة في اعتمادها على تمويل المصارف ومساهمة المصرف المركزي المفترض نظريا أن يتمتّع باستقلالية يضمنها قانون النقد والتسليف (المادة 13 منه) فتهاوت السياسة المالية بعجوزات وديون المالية العامة على السياسة النقدية للمصرف المركزي الذي استنجد بدوره بالمصارف التجارية فتشابكت جميعها حتى لم يعد من السهل السؤال “من سينقذ من؟” ولم يعد ينفع التذكير “من أغرق من؟” على الرغم من أهمية تحديد المسؤوليات، كون الأولوية اليوم هي لتدعيم البناء للحفاظ على السقف الجامع المؤتمن على حقوق وتعب العمر للكثيرين من صغار كما كبار المودعين الذين لولا متدخراتهم لا استثمار ولا نشاط ولا اقتصاد.. من هنا تبدو أولوية تدعيم الجهاز المصرفي أولا بما يحفظ حقوق المواطنين تتطلّب البحث في التحديات الحالية للجهاز المصرفي اللبناني؟ الخطوات الضرورية على المدى المنظور؟ والرؤيا المستقبلية لدور القطاع في الاقتصاد اللبناني على نطاق أبعد؟

***************************

في الخصوصية الاقتصادية اللبنانية وأبرز التحديات

بداية لا بد من الإضاءة على تحديات أساسية تشكّل قيودا للسياسة النقدية والمصرفية ومن ثم المالية والاقتصادية عامة في لبنان وهي باختصار: الدين العام/الناتج المحلي، الدوارة، ربط سعر الصرف والميزان الخارجي في ظل نظام اقتصادي حر للرساميل والتبادل التجاري.

فيتبيّن بداية تنامي نسبة الدين العام الى الناتج المحلي التي ما لبثت أن انخفضت من حدود 180% عام الى 130% عام 2011 حتى عاود خطه التصاعدي الذي تخطى فيه حدود ال 150% في نهاية العام  2018 وأكمل صعودا مع تدهور الأوضاع عام 2019 بالتزامن مع تدهور معدل النمو من 8.25% الى أقل من 1% للفترة عينها..فيما كان الدين العام يكبر بحكم كرة الثلج التي التي تنمو بسرعة تفوق أضعاف نمو الناتج المحلي مع تراكم العجز المالي السنوي وصعوبة التحكّم بمكونات الانفاق الذي معظمه جاري وتستحوذ بشكل أساسي خدمة الدين العام (أي الفائدة على الدين)على أكثر من 40% وتلامس كذلك رواتب وأجور القطاع العام ال40% من مجموع الانفاق وتبقى حصة عجز الكهرباء بحوالي 11% فلا يبقى ما يذكر للاستثمار العام…

كذلك ترتفع الدولرة التي نتجت عن خيار حر من القطاع الخاص اللبناني بعد منذ تجربة التضخم وانهيار سعر الصرف في الثمانينات والتي طاولت مؤخرا دولة جزء من الدين العام (حوالي ثلث الدين)، فضلا عن اعتماد ربط سعر صرف الليرة بالدولار الأميركي ولو بشكل “عرفي” كون النصوص لا تدل عن تثبيت رسمي لسعر الصرف.. وذلك في ظل نظام إقتصادي حر يلتزم بحرية حركة الرساميل ويتأثّر طبعا بنتائج ميزان المدفوعات الذي يشمل الميزان التجاري من جهة (المعروف بعجزه التاريخي بين الصادرات المحدودة والواردات الطاغية التي تلبي أكثر من 80% من حاجاتنا الاستهلاكية) وميزان الرسالميل (المعتمد عليه للتعويض من خلال استقطاب الرساميل الخارجية لا سيما من المغتربين اللبنانيية والمستثمرين العرب والسواح المتعددين).

من هنا تتظهّر لنا خصوصية الاقتصاد اللبنانية والقيود التي تكبّل حركته والتي تجعل منه نموذجا خاصا غير قابل للمقارنات مع سواه، قبل البحث بالمعضلات التي ترهق نموّه أو تعقّد ديونه أو تتعب جهازه المصرفي موضع البحث تحديدا.

أما هيكية الدين العام الذي لم يكم موجودا إبان أزمة الثمانيانات وبدأ بعدها مع إصدار سندات خزينة بالليرة اللبنانية فقد تطوّرت هيكليته وعرف دولرة بحدود ثلثه وتحديدا أصبحت اليوم ديون لبنان بالعملات الأجنبية مع إصدارات اليوروبوند بحوالي  30 مليار دولار، تحمل منها المصارف اللبنانية حوالي 15 مليار دولار (قبل بيع جزب من سنداتها المستحقة في 9 آذار 2020) مقابل 5.7 مليار دولار يحملها المصرف المركزي (كان يحمل فق 3.5 مليار دولار ولكن حصته من الدين بالعملات الأجنبية زادت بعد أن اشترى السندات التي استحقت في تشرين الثاني 2019).

ومن الخصوصية اللبنانية أيضا أن الدين الخارجي ليس فعلا “خارجيا” لأن تعريف الدين الخارجي العلم الاقتصادي هو الدين المحمول من المستثمرين غير المقيمين في حين أن معظم سندات الدين اللبنانية بالعملات الأجنبية محمولة من المقيمين كما أشرنا وتحديدا من اجهاز المصرفي اللبناني، وما تبقى منها موزّع بين مؤسسات مالية محلية وأجنبية كما يظهر في الجدول التالي:

ينتظر حاملي سندات اليورو إمكانية إعادة التفاوض بشأن شروط سداد سندات اليورو المستحقة في مارس 2020 بقيمة 1.2 مليار دولار والتي لا تزال المصارف البنانية تحمل جزءا منها ولو انها تخلّصت من جزء آخر بعد كثرة الحديث عن احتمال الدفع فقط للمستثمرين غير المقيمين والتفاوض مع المقيمين أي بصورة أساسية المصارف لاستبدال سنداتهم بأخرى ذات آجال أطول، علما أن القطاع المصرفي يحمل ما يعادل 15 مليار دولار أمريكي من اليوروبوند

تؤكد الأدبيات المتعلقة بالديون العامة في البلدان الناشئة على مخاطر الديون الخارجية التي تحددها سندات اليوروبوند التي يحتفظ بها غير المقيمين، فيشرح رينهارت وروجوف وسافاستانو [2003] الاهتمام الذي تم الإعراب عنه بالديون الخارجية للدول الناشئة بالنظر الى صعوبة تأمين تمويل عجزها من خلال السوق المحلية فتلجأ إلى الإصدار سندات اليوروبوند للحصول على تمويل الأسواق الدولية. فضلا عن السعي إلى التخفيف من خدمة الدين العام كون معدّل الفائدة على السندات الصادرة بالدولار الأمريكي عادة ما يكون أقل من سعر الفائدة على سندات الخزانة بالعملة الوطنية التي تعاني من معدلات مخاطرة أعلى (مخاطرة العملة زيادة عن مخاطرة البلاد). لذلك من الضروري للغاية التمييز بين تداعيات الدين الداخلي والديون الخارجية بشكل عام وعلى الجهاز المصرفي حين يكون منغمسا في تمويل الدولة بشكل خاص.

علما أن الدول الناشئة التي تلجأ لزايدة حصة دينها بالعملات الأجنبية لتخفيض كلفة الفوائد عليه ولتأمين مكتتبين من الأسواق الخارجية، مثل لبنان لا يسهل عليها استقطاب الدولار خاصة إذا كانت بلدان تعتمد الاستيراد وويضعف فيها التصدير.. فيكون عليها باستمرار تحدي تأمين تدفق العملات الأجنبية حتى تتمكن من سداد ديونها الخارجية بالاعتماد على السياحة وعلى جذب الرساميل والاستثمارات الأجنبية أقله من المغتربين من أبنائها. لذا غالبًا ما تقوم وكالات تصنيف دولية بمراقبة مخاطر التخلف عن السداد، فتقييم التصنيف السيادي للبلدان والعقود باليوروبوند تنص دائمًا على تدابير الوقاية والعقوبة ضد هذا الخطر… وبطبيعة الحال كلما ازدادت مخاطر تأمين التسديد كلما تدهور تصنيفعل نت المؤرسسات التي تحمل سندات بالعملات الأجنبية، أي في الحالة اللبنانية يتراجع معها تصنيف المصارف كونها ااحامل الأساسي لهذه السندات.

الانكشاف السيادي للمصارف اللبنانية:

أبعد من سندات اليوروبوند التي تحملها المصارف اللبنانية بحوالي 15 مليار دولار أميركي واليوروبوند التي يحملها المصرف المركزي بقيمة 5.7 مليار دولار أميركي، من الضروري الإشارة الى أن الجهاز المصرفي اللبناني لديه مصادر قلق من الانكشاف السايدي أبعد من ذلك. فبالإضافة إلى اليويوبوند التي يحملها القطاع المصرفي، تظهر أرقام وكالة بلومبرغ أن المصارف اللبنانية اشترات شهادات إيداع بالدولار الأميركي من المصرف المركزي حتى بات عليه إلتزامات بقيمة 52.5 مليار دولار هلى شكل ودائع بالعملات الأجنبية وشهادات إيداع بالدولار الأميركي يعود معظمها الى المصارف اللبنانية أي أنها توظيفات من مجموع مدخرات المودعين اللبنانيين بالعملات الأجنبية[1]. كذلك من المفيد الاشارة الى أن معدل الاحتياطي الالزامي على الودائع بالعملات الأجنبية لدى المصارف هو 15% ، ما يعني أن مقابل مجموع الودائع بالعملات الأجنبية لدى المصارف وهو حوالي 120 مليار دولار ثمة 18 مليار دولار (15% من 120 مليار دولار) على شكل إحتياطي إلزامي بالعملات الأجبنبية، تضاف الى الأعباء بالعملات الأجنبية التي يفترض أن تكون لدى المصرف المركزي إمكانية تغطيتها.

في حين تظهر ميزانية المصرف المركزي في شباط 2020 ان إجمالي إحتياطاته بالعملات الأجنبية، غير الذهب واليوروبوند، لا يتخطى حدود ال 30 مليار دولار أميركي (هذا اجمالي لاجتياطي وليس الاحتياطي الصافي بالعملات الأجنبية)، مما يثير قلق القطاع المصرفي والمودعين على حد سواء ويستدعي قراءة المخاطر السيادية للمصارف ليس فقط بمعدل إنكشافها على اليوروبوند المعرّض لخطر الاقتطاع في سياق إعادة الهيكلة إنما أيضا دراسة إنكشاف المصارف على مجموع اليوروبوند+ شهادات الايداع بالعملات الأجنبية التي تملكها إزاء المصرف المركزي قراءة هذا المجموع نسبة الى رساميلها الخاصة، للتأكد من إمكانية إمتصاصها أي خسائر ناتجة عن هذه الانكشاف دون الحاجة للجوء الى كبار المودعين بالعملات الأجنبية للمساهمة بجزء من ودائعهم على شكل أسهم لدعم صمود المصارف واستمرارية عملها.

ووفقًا لـوكالة التصنيف العالمية Fitch[2] بلغ إجمالي شهادات الإيداع للمصرف المركزي 20.9 مليار دولار ، ليكون لدى مصرف لبنان المركزي أعباء تقدر بنحو 52.5 مليار دولار في صورة ودائع بالعملة الأجنبية وشهادات إيداع. ورغم أن القليل من شهادات الايداع يستحق هذا العام أو العام المقبل ، فإن أكثر من 8 مليارات دولار تستحق في 2022 و 2023 وفق الجدول التالي:

ويتبيّن أن انكشاف المصارف الزائد على الدين السيادي لاسيما بالعملات الأجنبية (بين يوروبوند وشهادت إيداع بالعملات الأجنبية)  من شأنه أن يهدّد مجمل رساميل بعضها مما يفسّر الحاح المصرف المركزي على محاولة إستباق انفجار خطر الفجوة والاصرار على زيادة الرساميل الخاصة للمصارف التي لا تتخطى ال 20 مليار دولار أميركي بنسبة 20% مطلع العام و20% في حزيران 2020 بحيث تلامس الزيادة ال 4 مليارات دولار إذا تحقّقت واستجاب المساهمون بجلب أموال جديدة، إنما هذه الخطوة لم تبدو سهلة التطبيق في العديد من المصارف كما أنها قد لا تكون خطوة كافية حتى عند تنفيذها.

القروض المتعثّرة للمصارف وجمود النشاط الاقتصادي:

الى جانب الانغماس بالانكشاف على الدين السيادي للدولة وشهادات الايداع بالعملات الأجنبية، تواجه المصارف اللبنانية  مخاطر إنعكاسات جمود النشاط الاقتصادي وتوقّف الطلب على التسليفات كما توقف تدفّق الرساميل من الخارج وزيادة الودائع في الداخل، بل من التوجّه المعاكس على تقليصها من قبل أصحابها الى الحد الأدنى الممكن إن من خلال السحوبات المستمرة بالدولار الميركي كما بالليرة اللبنانية أو من توجّه كثيرين الى ما يٌعرف بأدوات الحماية من المخاطر عبر شراء الذهب أو الاستثمار العقاري..علما أن لهذا الأخير إيجابيات كثيرة لاسيما في تسييل عقارات كانت مجمّدة بفعل الأزمة فيما أصحابها مديونيين للمصارف ويهمّهم إطفاء أكبر جزء من دينهم ولو بشيكات مصرفية بغض النظر عن إمكانية سحبها نقدا.

من هنا تفتح الأزمة الاقتصادية باب مخاطر القروض المتعثّرة لدى المصارف والتي لا تقلّ أهمية عن مخاطر الانكشاف السيادي، مع الاشارة الى أن التسليفات المصرفية بالعملات الأجنبية للقطاع الخاص اللبنانية تتراوح بحدود ال 32 مليار دولار، وتسعى تعاميم المصرف المركزي على احتوائها من خلال العمل على وضع سقوف على الفوائدالدائنة وتخفيض الفوائد المدينة بشكل مباشر وتوجيه المصارف لاعادة هيكلة الديون المتعثّرة عبر إطالة الأجال وإعادة النظر بالشروط الى جانب طبعا الالتزام بالتعاميم الجديدة الصادرة عن المصرف المركزي والتي تنص على تخفيض معدلات الفوائد…

كما أن الإجراءات الحالية من ضبط حركة الرساميل بسبب الأزمة في غياب نص قانوني جامع وضوابط موحّدة جمّد كليا اقدام غير المقيمين وحتى المغتربين عن إرسال التحاويل لا بل أدى الى قلق المقيمين على ودائعهم إن كان بالعملات الأجنبية أو حتى بالليرة اللبنانية مما يدفعهم يوميا الى نشاط مصرفي باتجاه واحد هو سحب الأموال وتخزين الأوراق النقدية إن كان بالدولار أو حتى بالعملة الوطنية مما ينسف النظام المصرفي ككل ويدفع باتجاه الاقتصاد النقدي “cash economy”  فيضرب إمكانية استعادة المصارف دورها في التسليف أيا كانت شروطها لافتقاد ثقة العملاء بإيداعها مدخراتهم.

ويبدو واضحا أثر الأزمة غن لناحية الودائع أو التسليفات بالليرة اللبنانية كما بالدولار الأميركي في مصارف لبنان، كذلك يبدو ملحا مراقبة معدلات مخاطرها السيادية من خلال رصد نسبة توظيفاتها بسندات الحزينة لا سيما منها اليوروبوند وشهادات الايداع لدى المصرف المركزي لا سيما منها بالدولار الأميركي من مجموع رساميلها الخاصة للتأكد من إمكانية أن يتحمّل المساهمين أي خطر إعادة هيكلية أو اقتصاع ديون الدولة دون الحاجة للجوء الى كبار المودعين للمساهمة معهم…

وتظهر الميزانيّات المجمّعة تراجعا كبيرا في إجمالي موجودات المصارف اللبنانيّة من 249.48 مليار دولار في نهاية كانون الأول 2018 الى 216.78 مليار دولار في نهاية كانون الأول 2019 وبذلك تكون موجودات المصارف اللبنانيّة قد انخفضت بنسبة 13.11 % خلال فترة سنة واحدة فقط. كما انخفضت القروض للمقيمين بنسبة 15.2%، والقروض لغير المقيمين بنسبة 21.7%. كذلك خفّضت المصارف محفظتها من سندات الخزينة بالليرة بنسبة 15.8%، وسندات اليوروبوندز بنسبة 13.9. %

وقد أظهرت إحصاءات المصرف المركزي تراجعا لودائع الزبائن (قطاع خاص وقطاع عام) بنسبة 8.29% أو 22309 مليار ليرة لبنانية خلال العام 2019 الى 246865 مليار ليرة لبنانية (163.76 مليار دولار أميركي) وتقلّصت ودائع الزبائن بالليرة اللبنانية بنسبة 22.53% لتصبح 64.799 مليار ليرة (أو ما يعادا 42.98 مليار دولار) فيما انخفضت الودائع بالعملات الأجنبية بنسبة 1.87% لتصبح 182066 مليار ليرة لبنانية (او ما يعادل 120.77 مليار دولار أميركي).

وارتفعت نسبة الدولرة في ودائع القطاع الخاص من 70.62% في نهاية  عام 2018  الى 76.02% في نهاية عام 2019.

فيما ارتفعت حسابات رأس المال المجمّعة للمصارف التجارية من 20.15 مليار دولار في نهاية العام 2018 الى 20.72 مليار دولار في نهاية العام 2019 وسط مطالبة المصرف المركزي المصارف العاملة في لبنان بزيادة رأسمال الخاص بنسة 20% مطلع العام 2020 و20% في منتصف العام، بما يصب في محاولة تعزيز إمكانية صمودها إزاء أي إعادة هيكلة للدين السيادي والاستمرار بتلبية طلب السيولة من الزبائن، الأمر الذي تمكّنت العديد من المصارف من تلبيته فيما مصارف أخرى لا تزال تسعى لاستكمال  عملية إعادة الرسلمة.

أزمة السيولة بالدولار وتراكم عجز ميزان المدفوعات وازدواجية سعر الصرف

تعتمد المصارف اللبنانيّة على حساباتها لدى المصارف المراسلة في الخارج (القطاع المالي غير المقيم) لشراء الدولارات الورقيّة وشحنها إلى لبنان، لتأمين السحوبات النقديّة لزبائنها. كما تعتمد المصارف على هذه الحسابات لسداد ديونها في الخارج، وإجراء الحوالات لعملائها، خصوصاً بعد تشدد مصرف لبنان في استعمال الاحتياطي المتوفّر لديه من العملة الصعبة.

وتبيّن الميزانيّات المجمّعة للمصارف اللبنانيّة أن المصارف اللبنانيّة خسرت خلال عام 2019 ما نسبته 43.56 في المئة من قيمة حساباتها لدى القطاع المالي غير المقيم (أي المصارف المراسلة)، لتستقر قيمة هذه الحسابات عند مستوى الـ 6.77 مليار دولار. مع العلم أن هذه الأرقام تعكس أثر السحوبات النقديّة الكثيفة والمستمرّة منذ 17 تشرين الأوّل ولغاية نهاية كانون الأوّل (فترة شهرين ونصف)، وهو ما لا يُظهر أثر إستمرار هذه الظاهرة خلال شهر كانون الثاني والنصف الأوّل من شهر شباط.

وبذلك، يصبح من الواضح أن استمرار المصارف في توفير السحوبات النقديّة لعملائها بالدولار سيكون مسألة متعذّرة خلال الفترة المقبلة، إلا إذا سمح مصرف لبنان باستعمال الاحتياطي الذي يملكه من العملة الصعبة لهذه الغاية والذي يمثّل كما سبق وذكرنا جزءا من ودائع المصارف بالعملات الأجنبية لديه عبر شرائها لشهادات الايداع بالعملات الأجنبية….

على خط مواز، وحتى قبل اتخاذ الإجراء المكبّلة لحركة الرساميل كان لبنان يعاني في السنوات الأخيرة، وتحديدا منذ العام 2011 من انقلاب وضع ميزان المدفوعات وتحوّله الى سلبي بشكل مستمر مع تراجع ميزان الرساميل وعدم إمكانيته التعويض عن العجز الهائل في الميزان التجاري الذي تخطى سنويا ال 17 مليار دولار أميركي.

وقد سجّل ميزان المدفوعات عجزاً في نهاية 2019 بقيمة 4351 مليون دولار ليصبح العجز التراكمي منذ 2011 إلى اليوم ما قيمته 14515.9 مليون دولار (باستثناء عام  2016 الذي  لم يسجّل عجزا بسبب هندسات مصرف لبنان المالية التي استقطبت من خلالها المصارف اللبنانية المشاركة رساميل من الخارج بالعملات الاجنبية لشراء اليوروبوند…).

هذا التراجع في استقطاب العملات الاجنبية وعجوزات ميزان المدفوعات كان يضغط بشكل متزايد على سوق القطع الذي يعتمد منذ عام 1997 على ربط سعر صرف الليرة اللبنانية بالدولار الأميركي على أساس 1507.5 ليرة للدولار.

إلا أن انفجار الأزمة ومحدودية الاحتياطي بالعملات الأجنبية وأولويات استخدامه بين تلبية استحقاقات داهمة بالدولار الأميركي قبل بت إعادة هيكلة الدين العام وتمويل استيراد مواد أساسية من قمح ودواء ولوازم طبية ومشتقات نفطية، في ظل تزايد الطلب على الدولار في السوق، جمّد إمكانية الصرف في القطاع المصرف الذي ابقى على السعر الرسمي 1507.5 دون امكانية التحويل في المصارف ولا التحويل الى الخارج حتى تضاعف الطلب على الدولار لدى الصرافين وأفلت السوق من امكانية ضبطه فظهر سعرا موازيا للدولار أعلى من السعر الرسمي، فتهاوى معه الهدف الأساسي للمصرف المركزي المتمثّل بحماية القدرة الشرائية والاستقرار النقدي من تقلبات سعر الصرف وموجات التضخم، لاسيما التضخّم المستورد الناتج عن ارتفاع أسعار المنتجات المستوردة والتي تشكّل حوالي 80% من مجموع الاستهلاك المحلي.

الخط الأول الأدنى يمثّل الميزان التجاري الخارجي، الخط الثاني الميزان الجاري، الخط الثالث  ميزان المدفوعات، الخط الرابع الصادرات والخط الخامس أي الأعلى يمثّل الواردات.

تراجع أرباح القطاع المصرفي:

كذلك شهدت المصارف العاملة في لبنان تراجعا في أرباحها من 2.234 مليار دولار أميركي في نهاية عام 2018 الى 522 مليون دولار أميركي في نهاية عام 2019 , ذلك بشكل عام دون الدخول بالفوارق من جهة بين المصارف ذات الحصة الأساسية الصامدة في الحد الأدنى من الأرباح وتلك التي باتت تعاني الخسائر، ومن جهة أخرى بين المصارف المحصورة في السوق اللبناني وتتلقى تداعيات أزمته والمصارف الأخرى التي تتنفّس من نشاطها خارج الحدود اللبنانية والتي لم تدرج بعد نتائجها الربحية في حساب مجموع الأرباح الداخلية للمصارف العاملة في لبنان.

في الإجراءات الضرورية الملحّة:

سياسة تخفيض الفوائد الدائنة والمدينة:

إذ بعد أن أرهق ارتفاع معدلات الفوائد القطاع المصرفي والاقتصاد الوطني وخزينة الدولة على حد سواء، كان لا بد من تدخل المصرف المركزي لوضع سقوف لمعدلات الفوائد إن على الودائع أو على القروض.

فقد صدر عن مصرف لبنان تعميم جديد ينص على خفض الفوائد المصرفية والتقيّد بالحد الأدنى لمعدّل الفائدة الدائنة على الودائع التي تتلقاها أو تقوم بتجديدها بعد تاريخ 2020/2/13 . في ما خص العملات الأجنبية (دولار أميركي أو غيره من العملات الأجنبية): 2 % على الودائع لشهر واحد،  3 % على الودائع لستة أشهر، 4 % على الودائع لسنة وما فوق.

وفي ما خص الليرة اللبنانية 5.5 % على الودائع لشهر واحد،  6.5 % على الودائع لستة أشهر،  و7.5 % على الودائع لسنة وما فوق. ويكون على المصارف العاملة في لبنان أن تعكس تخفيض معدل الفوائد الدائنة الناتج عن تطبيق أحكام هذه المادة في احتساب معدلات الفوائد المرجعية لسوق بيروت (BRR)”.ويعمل بأحكام هذا القرار لمدة 6 أشهر من تاريخ صدوره.

على خط مواز، لبّت جمعية مصارف لبنان طلب المصرف المركزي عبر إصدار تعميم لتخفيض أسعار الفائدة المرجعية (BRR) على القروض. لتصبح الفائدة على التسليفات بالدولار 6.75% بدلاً من 8,50%، وعلى التسليفات بالليرة اللبنانية 9% للتسليفات بدلاً من 11,50%.

فضلا عن التعميم الوسيط رقم 545 للمصرف المركزي القاضي بتخفيض معدلات الفوائد لمختلف القروض السكنية وغير السكنية الممنوحة من المؤسسة العامة للاسكان او المدعومة من المصرف المركزي ان للسكن او للقطاعات الانتاجية.

هذه الإجراءات بموازاة التخفيض الكبير للفوائد على الودائع تسمح للمصارف بالاستفادة من الفارق الناتج عن الانخفاض في انخفاض الأسعار بين الفائدة الائتمانية والفائدة المدينة. الفوارق بين معدلات الإقراض والائتمان التي تشكل ربحًا للمصارف من شأنها أن تساعد المصارف أيضًا في عمليات إعادة الرسملة التي يطلبها مصرف لبنان في هدف مزدوج يتمثل في السماح باستباق الحالات الطارئة الناتجة عن إعادة هيكلة الدين بالدولار الأمريكي والقدرة على تعزيز وضع المصارف الكبرى وذات المخاطر الأقل نسبة الى رساميلها الخاصة للتمكّن من الاستحواذ على المصارف الصغرى أو ذات المخاطر المرتفعة نسبة الى رساميلها الخاصة…

هذه الخطوات من شأنها إعادة هيكلة القطاع المصرف باتجاه تقليص عدد المصارف لا بل التأسيس لقيام مجموعات مصرفية قادرة على الحصول على ثقة العملاء، خاصة بعد أن أدت الأزمة والمشاكل التي رافقتها بين الزبائن والمصارف الى تراجع حاد في هذه الثقة يصعب استعادتها من نفس التركيبة المصرفية الحالية.

وتظهر أرقام المصرف المركزي أن لبنان شهد مسارا  تصاعديا لارتفاع الفوائد ، تسارع بعد فترة وجيزة من استقالة رئيس الوزراء المؤقتة في تشرين الثاني 2017 والفراغ الحكومي الذي دام تسعة أشهر ، مما دفع المصارف إلى إطلاق برامج ادخار طويلة الأجل مع مزايا جذابة من أجل الاستمرار في جذب الودائع والاستفادة من الهندسة المالية التي أطلقتها المصرف المركزي.

بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الفائدة عالميا ، ازدياد هامش المخاطرة ان كان مخاطرة البلد في ظل عدم الاستقرار السياسي منذ العام 2011 وأكثر منذ العام 2017، فضلا عن الحاجة التمويلية للدولة مع تنامي العجز المالي والدين العام سنويا والحاجة لاقناع مكتتبين جدد بسنداتها أو استبدال سنداتهم بسندات أطول آجال وأعلى فوائد، كذلك ضوروة الابقاء على معدل فائدة حقيقي ايجابي أي معدل فائدة اسمي أعلى من معدل التضخّم…

أما بشأن زيادة قيمة ضمان الودائع فهذه الخطوة ضرورية ليس فقط عبر رفع السقف من 5 ملايين الى 75 ملايين ليرة لبنانية على أهميّتها، إنما بالتعامل مع صندوق متخصّص يتمتع بمصداقية دولية، خاصة بعد تبيان انغماس مؤسسة ضمان الودائع أيضا بتمويل الدولة بالاكتتاب بسندات الخزينة بما يجعلها شريكة في اشتباك التمويل بين الدولة والجهاز المصرفي الذي يفترض أن تمثّل ضمانة لتعثّر أي مصرف فيه. من هنا، تبدأ إعادة الثقة من خلال إقناع المودعين والعملاء الاقتصاديين باستقلالية المصرف المركزي من جهة ، خصوصية عمل القطاع المصرفي تلبية لاحتياجيات تمويل الاقتصاد ككل وليس لتمويل الدولة على حساب القطاعات الاقتصادية المنتجة من جهة ثانية، فضلا عن التعامل مع مؤسسة ضمان ودائع مستقلة عن مخاطر الجهاز المصرفي لتشكّل بر أمان في حال تعثّر أحد مؤسساته من جهة ثالثة.

إعادة الرسملة:

يجمع الخبراء الاقتصاديون والماليون على ضرورة إعادة هيكلة القطاع المصرفي وإعادة رسملته، مع التشديد على ضرورة الضخّ المباشر للأموال في رؤوس أموالها من المساهمين. علما أن هوية المساهمين وإمكاناتهم وإرادتهم لها تأثيرات الأساسية في إمكانية تحقيق هذه الخطوة، فضلا عن إمكانية مستثمرين جدد في المرحلة التالية، مما يجعل إعادة هيكلة القطاع أمرا ملحّا قبل التوجّه الى مستثمرين جدد أو حتى لاستمزاج كبار المودعين بالمساهمة في زيادة الرساميل ليكون معروفا أي مصارف أو بالأحرى مجموعات مصرفية ستكون محتلة المشهد الجديد للقطاع.

إذا كانت أبرز التحديات المستقبلية أمام المصارف اللبنانية  تكمن في اكتساب الثقة لاسترجاع الأموال المخزّنة في المنازل من جهة وإعادة استقطاب الرساميل من الخارج، فمن المعروف أنه يصعب استعادتها من الكثير من المصارف الموجودة حاليا بعد اهتزاز العلاقة بين طرفي العقد من مصارف ومودعين، والمسألة باتت تتطلّب مشهد جديد قادر أن يوحي بالفرق ويحقّقه فعلا.

ولكن حتى لو لم تكن عمليات الدمج ولاستحواذ كافية في القطاع المصرفي، فالأساس يبقى بالتقييم العلمي الحقيقي لواقع أصول المصارف لتحديد المصارف ذات المخاطر الكبرى وغير القابلة على الاستمرار، نظرا لارتفاع معدلات المخاطر والتعثّر فيها، وهنا من الضروري أن يتولّى المصرف المركزي التدخّل في تحديد مسارها جتى تصفيتها مع المحافظة على حقوق المودعين.

كذلك لتحديد المصارف الضروري والممكن بقاءها ضمن مجموعات مصرفية متمكّنة وذات رسملة جيدة ولو استعانت بمساهمة من كبار ودعيها لتعزيز رسلملتها  ومكانتها في السوق ووضع الآلية المناسبة لإيفاء الدولة الالتزامات تجاههها بعد وضع أطر إعادة هيكلة الدين طلما من المرجّح أن تكون لا تزال تحمل سندات خزينة وشهادات إيداع لدى المصرف المركزي. وذلك يكون من خلال برامج إشراك المصارف في المرافق الحيوية للدولة لاستعادة كامل الأموال المستثمرة من قبلها لدى الدولة وهي أموال المودعين وحقوق لا يمكن التغاضي عنها فيكون بذلك تحقق الإصلاح بإتجاهين: الاتجاه الأول هو عبر ضع برنامج واضح لأعادة حقوق المودعين والمصارف التي استندت عليها الدولة لتأمين حاجاتها التمويلية فأغرقتها معها والاتجاه الثانية هو إنقاذ المرافق العامة عبر إشراك القطاع الخاص بكل فعاليته وإنتاجيتها في ملكيتها وإدارتها بما يحسّن نوعية خدماتها ومردوديتها.

هذه الطرح هو طبعا مناقض تماما لأي بحث في تأميم المصارف الذي لا تتوفّر أي عناصر مشجّعة له بعد الفشل الواضح للقطاع العام في إدارة كافة المؤسسات والمرافق العامة التي يتوّلاها إن لناحية تردي نوعية الخدمات أو لنواحي التوظي العشوائي فيها الذي رفع كلفة رواتب القطاع العام الى 40% من الموازنة في حين لا تتعدى هذه النسبة 10 الى 15 % كأقصى حد في مختلف بلدان العالم أو لناحية مردود هذه المرافق وتقدّمها وضبط الهدر فيها وتطوير عملها. صحيح أن فعالية وإنتاجية القطاع الخاص مثبتة علميا إلا أن تجربة القطاع العام اللبناني تحديدا فاقت أي ملاحظات تعطى عادة للادارات العامة. فإذا كانت صلب إشكالية القطاع المصرفي تكمن في ضرورة إستعادة ثقة الناس، من المحسوم أن فاقد الثقة لا يمكن أن يعطيها إياها وبالتالي من المستحيل البحث في إغراق المصارف أكثر بضعف الثقة بالقطاع العام بل من الضرورية إشراك القطاع العاص لتستعيد من خلالة الدولة ثقة الناس بإنتاجية مؤسساتها.

وضع إسترايجية إصلاحية قريبة ومتوسطة وبعيدة الأمد لتعزيز دور المصارف المستقبلي 

في ضوء توقف الأموال من الخارج الآن وعجز الحكومة عن تمويل العجز في الميزانية أصبحت المصارف اللبنانية إزاء أصعب أزمة مالية تشهدها البلاد على الإطلاق.

وإذ لا تزال المصارف تستكمل مساعيها لزيادة رأسمالها حتى شهر حزيران 2020 بما يعادل نحو أربعة مليارات دولار، من خلال ضخ أموال وفق متطلبات مصرف لبنان، تمكّنت بعض المصارف على تدبير جزء من هذا المبلغ من المساهمين الحاليين.

إن إضفاء الطابع الرسمي على ضوابط رأس المال بموجب قانون محدد لفترة محددة في انتظار تنفيذ إصلاحات عاجلة لتحقيق الاستقرار في ذعر المودعين من المرجح أن يحافظ على سلامة النظام المصرفي وقدرته على استعادة ثقة السوق المحلية وكذلك على الصعيد الدولي.

لكن يبقى من الضروري رسم خطة إنقاذ حكومية هدفها انتشال البلاد من الأزمة تنعكس إيجابا على القطاعات الاقتثادية كافة ومنها بشكل أساسي القطاع المصرفي العمود الفقري للاقتصاد اللبناني كما سبق وشرحنا نظرا لكوننا في “إقتصاد إستدانة يعني أن المسثمرين يعتمدون بشكل رئيسي على التمويل المصرفي، كما أنه المموّل الأساسي أيضا للدولة اللبنانية.

وعلى الرغم من إيجابيات إنتشار مصارف لبنانية في الخارج ومساعدة ذلك في تحقيقها بعض الأرباح للتعويض عن جمود السوق اللبناني إلا أن العديد منها يمكن أن يتّجه لبيع أقلّه جزء من أصولها في الخارج لتعزيز وضعه أكثر في لبنان والتمّن من الاستحواذ على مصارف أخرى قد لا تتمكّن من الصمود بعد الأزمة طويلا.

إشراك القطاع الخاص الدائن للدولة بممتلكاتها ومرافقها وتحسين إدارة موجوداتها:

لدى الدولة اللبنانية العديد من الأصول التي يمكنها استخدامها كشراكة بين القطاعين العام والخاص لاحتواء مطالبات السداد من دائنيها ، ولا سيما النظام المصرفي اللبناني من أجل سداد ديونها من جهة وتحسين الإدارة المؤسسات والخدمات المعنية (كازينو لبنان ، قطاع الاتصالات الهاتفية ، الميناء ، المطار والشرق الأوسط ، قطاع الكهرباء والمياه …)

ووفق “معهد التمويل الدولي”، لبنان بين البلدان العشرين الأولى في العالم الأكثر استحواذا على الذهب، كونه يملك نحو 286.6 طن من الذهب بقيمة 16 مليار دولار أميركي، وقد بدأ لبنان تجميع الذهب بعد سنوات قليلة من نيله الاستقلال عام 1943، واستمر حتى عام 1971، ومع اندلاع الحرب عام 1975 أرسل لبنان إلى الولايات المتحدة الأميركية جزءاً من احتياطي الذهب لحمايته، مثلما فعلت الكثير من البلدان الأخرى.

من هنا، قد يكون مفيدا وضع خطة لإدارة لموجودات لبنان الخارجية من الذهب وحسن الاستفادة منها ضمن استراتيجية واضحة وشفافة، بعيدا عن طروحات بيع الذهب كخطوة طارئة ودون أفق مستقبلة في ظل انعدام الثقة ازاء خيارات القطاع العام لأن بذلك نسف لآخر مداميك إستعادة الثقة لا بل من شأن هكذا خطوة غير مدروسة أن تفاقم الأزمة بزيادة التوقعات السلبية. كما أن الناس تعلم  أن البيع عملية أحادية لايمكن تكرارها، تجرّد البلاد من آخر رصيد يمكن تبديده بإنفاق غير مدروس شبيه بمجمل الانفاق العام السابق إذا لم توجد هيئة شفافة لإدارة ترسم أفق إعادة تكوين مخزون الذهب تدريجيا مع تحسّن الأوضاع.

ويعتقد المصرفيون كما الاقتصاديون أن تأخير الحكومة في اتخاذ القرار الحاسم في الاصلاح واعادة هيكلة الدين العام ورسم خارطة الطريق لمستقبل النظام المصرفي تحديدا يؤدي إلى مزيد من اللبس في التداول في السوق. إذا كان من المحتمل أن الاقتراح بمبادلة طوعية للسندات قصيرة الأجل التي تحتفظ بها البنوك لاستبدالها بسندات طويلة الأجل ، فإن هذا سيفتح الباب إلى عمليات المقايضة في الخارج وربما إعادة هيكلة عامة تستند إلى إعادة جدولة الالتزامات المستحقة في انتظار اقتراح الشراكة بين القطاعين العام والخاص مما يسمح بالخروج الفعال من الأزمة كما هو موضح بالفعل في توصيات بنك عودة ، أحد أكبر المصارف اللبنانية والأكثر مشاركة في تمويل الدولة من خلال الاكتتاب فبسندات الخزينة بالليرة اللبنانية وكذلك باليوروبوند وبشراء شهادات الإيداع من المصرف المركزي بالليرة اللبنانية وبالدولار الأميركي.

فالخصخصة الموعودة منذ الورقة الاصلاحية التي تقدّم بها لبنان عام 2002 لمؤتمر باريس 2، باتت اليوم خشبة إنقاذ حتمية مطلوبة لإستعادة حقوق الناس في المصارف عبر إشراك الأخيرة ببعض المؤسسات العامة والمؤسسات المملوكة من الدولة ، مثل الاتصالات أو طيران الشرق الأوسط (MEA) أو Casino du Liban ، والتي ستجلب أكثر من 10 مليارات دولار. بما من شأنه تخفيض رصيد الدين العام وخدمة الدين في نهاية المطاف إزاء المصارف وبالتالي أموال المودعين فيها.

أما بالنسبة لخيار إعادة الهيكلة وإعادة الجدولة خارج إستراتيجية للخروج من الأزمة و “ضمان” السداد من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص أو أي تدبير آخر مطمئن للمصارف ومودعيها فمن شأنه خلق وضع حرج يلحق الضرر بسمعة لبنان ومؤسساته في الأسواق الدولية. بالإضافة إلى التداعيات السلبية على التقييم المسبق للأصول الوطنية في الخارج والمعاملات المالية الدولية وكذلك على علاقة النظام المصرفي بالمصارف المقابلة.

في مواجهة استحقاقات سندات اليورو التي تتبع بعضها البعض منذ 9 مارس 2020 ، تشعر المصارف اللبنانية بالحاجة إلى جمع الدولارات في أقرب وقت ممكن لمواجهة طلبات السحب المستمر لسندات المودعين وكذلك تطبيق الزيادة رأس المال الموصى به بنسبة 20 ٪ الموصى به من قبل تعميم BDL قبل حزيران 2020. بانتظار خكة متكاملة لإعادة هيكلة الدين العام ووضع مختلف الدائنين المقيمين وغير المقيمين على مسافة متساوية والسماح لبدء المفاوضات معهم، تميل المصارف أكثر وأكثر للتخلي عن جزء من محافظهم “سندات اليورو”…

وإذ يبدو الوضع الاقتصادي والمالي في لبنان معقدا للغاية مع وجود العديد من العناصر المتشابكة بين وضع المالية العامة والمصرف المركزي والقطاع المصرفي، قد تكون المصارف اللبنانية أمام لحظة تاريخية مفصلية تحمل آفاق مستقبلية إيجابية بقدر ما تحمل اليوم تحديات إستراتيجية إستثنائية.

للمرة الأولى يطرح ملف إعادة هيكلة القطاع المصرفي ككل بهذا الحزم والقناعة لدى جميع الأطراف المعنية باتجاه البناء الصلب لقطاع متين بمؤسسات شفافية وفعالة بعيدة عن كثافة الأسماء والمنافسة غير الجديرة وأوهام الفوائد المضخمّة وألرقام غير الواقعية وتوجيه الادخار نحو تمويل قطاع عام عاجز في ظل اختناق قطاع خاص ديناميكي لكنه عاجز عن الاستدانة من مصدر تمويله الوحيد، المصارف، لصعوبة تحقيق مشاريع ات مردود أعلى من نسبة فوائده للتمكّن من التعامل معه.

لطالما كان القطاع المصرفي مدر الثقة الأساسي بالإقتصاد اللبناني في ظل أشد الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية الاجتماعية وحتى خلال ظروف الحرب وإعادة الاعمار وفترات انعدام الاستقرار والاستحقاقات الكبرى التي شهدها لبنان منذ العام 2005، وربما هنا هول الوضع غير المألوف الذي تمثّل باهتزاز الثقة بالقطاع المصرفي نفسه مما أضاع البوصلة بكل ما حوله! إلا أن هذه التجربة على شدّتها أكّدت على مكان البوصلة وعلى عدم إضاعة قيمتها بحصرها بمهام تمويل الدولة على حساب الاقتصاد وتسنيد سقف الهيكل بدل تمتين أركان بنيانه، بل ضوّت هذه الأزمة على ضرورة تصويب دوره القطاع المصرفي وحتمية نهوضه بالشكل السليم والآمن والواعد على أسس واضحة وضمن إستراتيجية إصلاحية شاملة ووعي أوضح لمكامن المخاطر ولأجهزة الأمان.

المراجع:

ABL, [2020], « Key Indicators ASSOCIATION OF BANKS IN LEBANON Issue: December 2019/January 2020

ALDIC [2019], Indicateurs Economiques, No 3, http://www.aldic.net/wp-content/uploads/2019/03/ALDIC-Indicateurs-e%CC%81conomiques.pdf

Anonyme, « Bank Audi favorable à la légalisation du contrôle des capitaux », https://www.lorientlejour.com/article/1205597/bank-audi-favorable-a-la-legalisation-du-controle-des-capitaux.html

Azar M. [2000], « Les responsables sont divisés sur la renégociation des conditions de paiement au Liban », Annahar, https://en.annahar.com/article/1119937-understanding-lebanons-eurobonds

Audi, Lebanon Economic Report, 4th Quarter 2019, https://www.bankaudigroup.com/GroupWebsite/openAudiFile1.aspx?id=4430

BDL Interim Balance Sheet, [2020], https://www.bdl.gov.lb/tabs/index/6/287/BDL-Balance-Sheet.html

BDL النشرة الشهارية لمصرف لبنان، تشرين الثاني 2019 file:///C:/Users/Siham/Downloads/MBA306NOV2019%20(1).pdf

Diab N A et Daher K. [2020], Perspectives juridiques de la crise de la dette souveraine libanaise, Publié le 31 janvier 2020, https://www.lecommercedulevant.com/article/29597-perspectives-juridiques-de-la-crise-de-la-dette-souveraine-libanaiseFitch, Lebanon: Balance Sheet Analysis Points to Restructuring of Debt and Financial Sector, https://www.fitchratings.com/site/re/10111021,18 Feb 2020

Jacquet, P., et Severino, J-M. [2004], « Prêter, donner : comment aider ? », Revue d’économie financière, juin 2004.

Ministry of Finance [2020], Debet and debt markets, DEBT AND DEBT MARKETS No 50, Quarter 3 2019, http://www.finance.gov.lb/en-us/Finance/PublicDebt/DebtReports/Documents/Debt%20and%20Debt%20Markets%20QIII%202019.pdf

Khoury Gh, Colmant B et Corhay A, [2008], « La dette publique libanaise : Anticipation de défaut de l’Etat libanais sur la dette souveraine en devises étrangères », HEC- Ecole de gestion de l’Université de Liège, Federale Overheidsdienst FINANCIEN – BELGIE ■ D O C U M E N T A T I E B L A D ■ 68ste jaargang, nr. 3, 3th quarter 2008

Khraiche Dana, “Lebanon Eyes Voluntary Swap of March Eurobond Into New Debt, January 12, 2020, https://www.bloomberg.com/news/articles/2020-01-12/lebanon-proposes-voluntary-restructuring-of-march-eurobond

Neaime, S. [2020], « Sustainability of budget deficits and public debt in Lebanon: a stationarity and co-integrationanalysis », Review of Middle East Economics and Finance (2004), pp. 43-61.

Oosterlinck, K. et Szafarz, A., [2005], « Obligations souveraines : situation du marché, évaluation du risque pays et gestion des défauts », De Boeck & Larcier, Anne Knops, Bruxelles.

Reinhart, C., Rogoff, K. et Savastano, M. [2003], « Debt intolerance », IMF, Brookings papers on economic activity.

Wallace Paul [2020], “Lebanon Faces a $50 Billion Hole Even Beyond Its Eurobonds”, Bloomberg, February 26 2020, https://www.bloombergquint.com/politics/lebanon-faces-a-50-billion-hole-even-beyond-all-its-eurobonds

[1] Wallace Paul [2020], “Lebanon Faces a $50 Billion Hole Even Beyond Its Eurobonds”, Bloomberg, February 26 2020, https://www.bloombergquint.com/politics/lebanon-faces-a-50-billion-hole-even-beyond-all-its-eurobonds

[2] Fitch, Lebanon: Balance Sheet Analysis Points to Restructuring of Debt and Financial Sector, https://www.fitchratings.com/site/re/10111021,18 Feb 2020

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل