#adsense

تلك الصيفيّة الرهبانية…

حجم الخط

كتب إدمون رزق في “المسيرة” – العدد 1704

 

تعود معرفتي بالأَباتي شربل القسيس، الى أواسط حزيران سنة 1948، يوم استضافني رئيس دير سيدة مشموشة الأب نعمة اللـه عون، لقضاء فصل الصيف مع الإخوة الدارسين في الرهبانية اللبنانية.

تلك «الصيفيّة» كانت من أحلى أيام العمر، قضيتُها مع أروع الأشخاص الذين أغنوا حياتي بالقدوة الحسنة والعلم الوفير. وكم يطيبُ لي أن أتذكّرهم، واحداً واحداً، واستعيدَ الحياة في ذلك الدير، حيث أمضيتُ ثلاث سنوات، تلميذاً داخليًا مع شقيقي الأكبر انطوان، وكنا نمكث تسعة اشهر، ولا نلقى الأهل إلاّ في عطلَتَي الميلاد – رأس السنة والفصح…

كان شربل القسيس، إبن قرطبا، بين الإخوة الدارسين، ومنهم باسيل الهاشم (الأباتي)، من رشميا، بطرس القزي (الأباتي) وإبن عمه مخايل من الجيّه، والأخوين بطرس وبولس كرباج من البقاع الغربي، وكان أصغرهما بولس يهتمّ بتربية الأرانب، في حين كان «الأب يونان»، الشيخ الطاعن في السن، يهتمّ برعاية الماشية، والأخ العملاني مارون المشمشي، المسؤول عن «الكرار» أي مستودع المُؤَن… وثمّة، أيضاً، الأخَوان اغناطيوس (الشاعر إدوار المعروف بــ روّاد) ورينه طربيه، ومارون مرعي (الشاعر أمين) من رشميا، وجورج أبو صابر (المطران)، وبولس نعمان (الأباتي)، واسطفان صقر (إتيان) وبولس مسعد… وكانت ظلال الآباء وارفة في مشموشه، وأياديهم على التربية والعلم ناصعة البياض، يكفي أن أذكر منهم: نعمة الله حبيقة، من الميدان (الشاعر المجهول) صاحب الفضل الأول في تعليمي اللغة العربية وآدابها، وأنا مدين له بحفظ المعلقات السبع والشعر الجاهلي، في العاشرة من عمري، واغناطيوس خشان (الخطيب والشاعر) من عبرين، ولويس سمّون، من جون، المرسَل الى الأرجنتين، وموسى عازار (الأباتي) من عينطورا- المتن، وعبد الأحد شاهين من جبيل، ويعقوب رعد من لبعا، وطانيوس راشد أبي يونس (الأباتي الأديب) ونسيبه لويس، من حمّانا، والأب بولس أبو جودة مؤسس المعهد اللبناني- بيت شباب، واثناسيوس الجلخ (الأباتي) من بحرصاف، ويوسف الخوري (الموسيقار) ويوسف الأشقر (المرنّم)…

من نِعَمِ الله عليّ أنني تتلمذتُ للرهبان اللبنانيين، وأَنني إبن هذه الرهبانية المعطاء، أهّلتني للإنتقال الى مدرسة «الحكمة» في بيروت، مع شقيقَيَّ، الأكبر والأصغر، أنطوان وإلهام، حيث نعمنا بأساتذة تاريخيين، حسبي أن أذكر منهم: حسيب عبد الساتر، عبده الشمالي، بطرس البستاني، جورج قزي، إميل داغر، سليم باسيلا، فضلاً عن المونسنيور اغناطيوس مارون، رائد التعليم الحر في لبنان، والخوارنة جورج آصاف من عرمون وجورج دويهي من إهدن، وجوزف خوري الذي درسنا عليه أدب الإغريق، وثلاثي الرياضيات والعلوم: باخوس الأب والإبن، إبرهيم وجان، وغبريال دروبي، دون أن أنسى ألمعيّ التاريخ المعاصر ڤاهي داڤيديان.

… وما هي إلاّ طرفة عين، وإذا نحن في مواجهة القَدَر، ومشاريع الفرز والضم تهدّد الإستقلال، فيتصدّى اللبنانيون (1958) للحفاظ على شعار، أطلقه كبير من روّاد الوحدة الوطنية، الرئيس صائب سلام: «لبنان واحد لا لبنانان»…

بعد «ثورة 1958»، كانت «حرب 1975»… الأهلية والعدوانية، المذهبية والعنصرية، أخطر مرحلة في تاريخنا الحديث، نشبت جراء إنقسامات داخلية وتدخلات خارجية، هجّرت الناس، قسمت العيال، فرزت السكان، بين غربةٍ واغتراب، إستحكمت عداوات واستفحلت خصومات، فشلت «هيئة الحوار الوطني» التي شاركتُ فيها الى جانب الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميّل والعميد ريمون إدّه، مع الرؤساء رشيد كرامه وصائب سلام وعبدالله اليافي وصبري حماده وكمال جنبلاط وممثلين عن حزب البعث بفرعيه السوري والعراقي، عاصم قانصو، عبد المجيد الرافعي ونقولا الفرزلي، وأدّت الى دخول القوات السورية بغطاء عربي ـ دولي مما قد نعود ذات يوم الى تفصيله… بعد التمرد والمحاولات الإنقلابية في الجيش، وقصف القصر الجمهوري وما تلاه من تحولات سياسية، واضطرابات أمنية، وحروب عبثية، ومحاولة إقالة رئيس الجمهورية والتسوية التي توصلنا اليها بتقديم موعد انتخاب الرئيس المقبل… كان التوجه الى إنشاء «جبهة لبنانية» تجمع القوى الرافضة للأمر الواقع والمتشبثة بالميثاق الوطني، «شرعة الكيان غير المكتوبة» بحسب تعبير الأمير اللواء فؤاد شهاب. وهكذا عُقد إجتماع تمهيدي، حضره، الى الرئيسَين فرنجيه وشمعون، الشيخ بيار الجميل، وثلاثة من أرباب الفكر والثقافة: جواد بولس، شارل مالك وفؤاد افرام البستاني، بعض النواب: نصري المعلوف، إدوار حنين وأنا… شارك في ذلك الإجتماع التاريخي، الأباتي شربل القسيس، رئيس عام الرهبانية اللبنانية (البلدية) الذي أصبح ركناً مؤسّساً وأساسياً في الجبهة اللبنانية.

هنا أذكر، للتاريخ، أنني رأيتُ، يومذاك، وجوب أن تضمّ «الجبهة» قادة من سائر الطوائف، خصوصاً الإسلامية، لتكون «لبنانية» بكل معنى الكلمة، لكن إرتؤي تأجيل الموضوع تلافياً للإحراج، في ظل فورة العصبيات، وشعارات «العزل» والقطيعة، فلا يتسبّب وجودهم تكرار ما حصل مع الرئيس سامي الصلح في 1958…

كما أذكر أنني، في تلك الجلسة التأسيسية أيضاً، أطلقت عبارتي الشهيرة: «لبنان أصغر من أن يُقَسَّم وأكبر من أن يُبتلع»، وقد ورد توثيقها في كتاب مذكرات الأباتي بولس نعمان، المرجع التاريخي. ويسعدني أن تكون هذه العبارة قد أصبحت شعاراً تبنّاه كثيرون، وما برح يتردّد في أَحاديث مسؤولين مؤتمنين على الوحدة الوطنية.

إن قَدَر الموارنة خدمة لبنان، التضحية في سبيل القِيَم التوحيدية والوحدوية التي تُسوِّغُ وجوده في هذه البقعة من العالم. المارونيّة طائفة نسّاك ورهبان، ذاتُ رسالة مشرقيّة، جوهرُها الشهادة لإيمان مسكونيّ عابرٍ لكل أشكال التصنيف والتمييز، وكلّ ادعاء لأرجحية أو مطالبة بأفضلية، هو مروق على الإيمان وجحود…

… ويا أبتِ شربل، وكلّ آباء الرهبنة، معلميَّ وأساتذتي، رفاقي، فَعَلَة كرم الرب، المنذورين للبنان، حسبُكم أَن تسيروا في خُطى شربل مخلوف ومعلّمه نعمة الله الحرديني، تستوحوا عنّايا وكفيفان، أن تدرسوا وتعاصروا المستقبل، تتعلّموا وتعلّموا، أَن تُحيوا إرثَ قنوبين، مشموشه، ميفوق، غزير… تمجّدوا الروح القدس في الكسليك، وعلى أي قمّةٍ رفعتم منارة، فما وضعتم مصباحاً تحت مكيال. يقيناً: أن إِشراك الآخر بالنعمة هو إثراء للذات، فال‘نسان لا يملك إلاّ ما يعطيه، يزداد ويتضاعف، بمقدار جودِه… ويا ليته كان لنا غير هذا العمر، وهذا القلم، لنشهد بعد، وأكثر، للبنان !

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل