
.jpg)


كتب المحامي فايز قزي في “المسيرة” – العدد 1704
لقائي مع «المسيرة» جدلية تقاطع لتجارب مختلفة وربما متناقضة. فأنا جئت الى صفحاتها ناقداً لتجاربي السياسية المدنية واليسارية، لا مستسلماً، وهي حضنته في صفحاتها رغبة بتوجيه هذا النقد وتحريره ربما، الى تقاطع أو احتضان، لتفاعل يغري أهل اليمين، بقراءة نقد اليسار تحولاً وانتصاراً لهم. وهذا يحصل غالباً ما يغري أهل اليسار تصدّر واجهات اليمين، وفي مرات قليلة لا يكتمل أو لا يستمر.
ورغم إقراري، بجرأة كُتَّاب «المسيرة» وإقدامهم على صياغة تجربة إعلامية ناجحة ومقدامة، في صياغة الخبر الصادق والمقال الوطني الجريء، فقد بقيت خارج سربها الملتزم. وأعترف اليوم: بأن الإمتناع عن تطور العلاقة، يعود لقناعتي بأن المرء عندما لا يحقق نجاحاً في أكثر من تجربة، لا يحق له أن يستمر. بل أن يعتزل تكرار أو كَيَّ تجارب قديمة تشبهه، ويترك صناعة التجارب لأجيال أخرى وجديدة. وهذا ما قصدته في كتابي الأخير «مواطن سابق لوطن مستحيل»، وقررت وداع القارئ في صفحات تفضح إستحالة التجارب القديمة، المكوية والمقنعة بألوان الديمقراطيات الحزبية والديكتاتوريات الوطنية والقومية والكفاح والجهاد المقاوم، لتعيش في تجارب فاشلة لتحقيق العدالة.
وعندما تأتي اليوم «المسيرة»، لتطلب مساهمتي في هذا العدد المخصص للآباتي شربل القسيس، أشعر بواجب تكرار شكري لهذا الراهب الذي تعاضدت مساهمته مع سماحة السيد موسى الصدر، لاستعادتي من السجن السوري في المصنع وإعادتي الى الحياة. فودَّعني العقيد محمد غانم، رئيس المخابرات السورية في لبنان، مستغرباً كيف تضامنت جهود الآباتي شربل القسيس والجبهة اللبنانية وسماحة الإمام موسى الصدر، في الدفاع عني وإنقاذي، مضيفاً أن مطالعة المحقِّق في السجن، جاءت أيضاً إستثنائية وإيجابية، مطيّباً خاطري بإخباري أن معلوماتهم تؤكد أن الإعتقال أدى الى تضامن شعبي واسع في البيئة الانتخابية الشوفية تحضرت لفقدها خلال ثلاثة أيام طوال في تحقيقات تريدني أن أوقع على وثيقة إدانتي لتسهّل عقوبة الإعدام، لأنني أنتمي الى حزب اليمين… التهمة التي تستحق عقوبة الموت لكل من ينتمي الى حزب البعث العراقي.
لكنني بأعجوبة مزدوجة وبجهد الرجلين سماحة السيد موسى الصدر مع الرئيس حافظ الأسد، والأباتي شربل القسيس مع مسؤول الأمن القومي في سوريا خرجت من السجن السوري لأنتقل في سيارة سماحة الإمام موسى الصدر وبرفقة الشيخ محمد يعقوب، لإيصالي من المصنع الى منزلي في الجيه. ليزورني كمال جنبلاط مطمئناً، وليتابع الى المختارة لقضاء عطلة الأسبوع، دون أن يعلم أنها ستكون عطلته الأخيرة فيستشهد في طريق عودته في 16 آذار 1977 ليتحول الى شهيد الوطن. بعدها اخترتُ الرحيل عن لبنان نهائياً.
فكان عليّ أن أزور الأباتي شربل القسيس، جئته شاكراً لتدخله وتحريري من السجن والموت المحتم، ولأودعه. وعندما علم أن وجهة سفري للعراق، قال: «عندي مطلب واحد، أن تطلب من صدام حسين نسخة عن قانون تقسيم العراق الذي يحفظه في درج مكتبه صيغة بديلة عند الضرورة». فاجأني الطلب. لكنني حملته الى صدام حسين، وكان الجواب، رسالة شفهية أيضاً مفادها: «ليس لدينا قانون لتقسيم العراق… ولكن إذا اضطرتنا ظروف قاهرة إقليمية ودولية، فإننا لن نسمح للأكراد بتأبيد الصراع العنيف معنا وتخريب العراق. بل سوف نوافق على منحهم الحكم الذاتي في إقليمهم».
ورحل عراقُ صدام بنعالٍ همجية. ولم يحقق الأكراد فيه حلم الدولة. ليتبيّن أن صدام كان شماعة عُلِّقت عليها آمال وأهداف فارسية وعثمانية، تريد إستعادة أمجاد إمبراطوريات عَبَرتْ ولا تدري أنها باتت مجرد بيادق تتسلل من نوافذ إمبراطوريات العالم الجديد في ترجيح الحسابات النفطية والمالية والإعلامية بجنرالات جديدة من عمالقة وسائل الإتصال والعولمة الجديدة، التي أحرقت خرائط الماضي والحدود لتجعل كل مواطن إنسان، وكل إنسان مواطن.
ربما هذا المقال الواجب، وفاءً وجدانياً للأباتي شربل القسيس، أخرجني لبرهة من زمن الصمت والإنكفاء، مع حزني على مصير تجارب لبنان المستحيلة فشلاً، والذي نعيشه اليوم. هو بادرة تنبئ ربما عن إستمرار الإلتزام السياسي بعقيدة الجمهورية الديمقراطية في فدراليتها الجغرافية، وهو أيضاً وأخيراً بشارة لاستمرار عقيدة فضح التجارب في كتاب قريب، يكشف كيف حوّل العهد القوي الرئاسة الى حراسة والقصر الى قبر والجمهورية الى ولاية، وبمثابة إعتذار أخير عن تجاربي السابقة، تساهم في انتفاضة تشرين، تخفف عن وجداني أعباء السفر الطويل في تجارب جديدة أو مكوية.
وأخيراً تعلمت أن لا شهادة موسى الصدر ولا جبروت صدام حسين ولا جبهة شربل القسيس، أثمروا إتحادًا ولا فدراليات، فسقط العراق ولبنان معاً في لعنة الموت والإحتلال.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]