#adsense

وخرج الى الحرب مدافعاً…

حجم الخط

كتب المحامي نسيم نبيل القسيس في “المسيرة” – – العدد 1704

هكذا عرفتك، كالخمرة العتيقة في أقبية الخير، هكذا هي الحياة الرهبانية المسيحية وخاصة المارونية.

عبر التاريخ، وفي خضم العواصف التي مرّت على الوطن، كانت صلوات الرهبان تصعد مسبّحة الله في وجه الغضب الآتي من الخارج. ومن يتذكر حياة الرهبان والرهبانية عندنا، مفروض عليه أن يمرّ بذكرى تلك الحياة التي، لفرط بساطتها وطيبتها، نسي الله ظله فيها. فمالَ الرهبان نحو القداسة والتصوّف والفقر والعفة، وكانوا إبّان الشدائد من المدافعين الأُوَل عن معتقداتهم وأوطانهم وأبنائهم.

من هنا، إنطلق شربل القسيس، عفوًا قدس الأباتي المثلث الرحمات شربل القسيس. فأطلق عليه مؤخرًا لقب قائد الجيش الأسود. لعب دورًا مهمًا في حياة الوطن والأمة، في حياة الشعب اللبناني عامة، والمسيحي خاصة، في حياتنا نحن أهله وأقرباؤه وحياة الكثيرين منا.

حضن رهبانه وحضننا. عمل من أجلهم خاصة، ومن أجل الإنسان وفي سبيل الإنسان عامة. جنّد كل ما عنده من طاقات وجعل من نفسه رجل طوارئ بين الزعماء وأشباه الزعماء. إلتزم المسيح وبالقضية، فكان مثالاً للتعايش والتفاعل والتحاور. ففي كل مرة شعر أن أبناءه في خطر راح يجنّد كل ما عنده من قوى لمعركة البقاء. خرج من ديره وتعاطى بشؤون الطائفة، وبالشؤون الطائفية. تعامل مع الله ومع عباد الله. جعل من نفسه رجل دين ودنيا.

رسم الصليب على وجهه باليد اليُمنى، وهزّ البندقية باليُسرى ـ هكذا على الأقل ما قيل عنه. كما أضافوا إنه المسيح المسلّح وإنه السياسي الراهب الذي كسر طوق القداسة وطوق قداسة الرهبنة، فوضع صليبه في جيبه وخرج الى الحرب مدافعًا عن مسيحه ووطنه.

أما أنا فأضيف،

ذهب الى أقاصي الأرض، حاور الرؤساء والزعماء، حاملاً معه همّ شعبه. جعل من كلمة «أباتي» موضع نقاش وجدال سواء بين اللبنانيين بعضهم مع البعض أو بين اللبنانيين وغير اللبنانيين.

قبله كان اللبنانيون يعرفون القليل عن الراهب والرهبنة اللبنانية المارونية، والقليل القليل عن «الأباتية»، بعدها أصبحت الرهبانية اللبنانية المارونية على كل شفة ولسان.

خرج عن صمته، وعمّم تعاليم المسيح حتى بين الأفارقة. فتح أديرته في وجه اللبنانيين وغيرهم، دون تفرقة، لا سيما دير الناعمة ودير بيت شباب الذي تحوّل في عهده الى مؤسسة متكاملة تهتم بالمعاق.

أسس مع زعماء الوطن ما سُمّي آنذاك بالجبهة اللبنانية، فكان أول من بدأ العمل فيها وآخر من سقط لأجلها.

قوته كانت الى حد كبير في كثرة عطائه وكبر قلبه، ومنيّته كانت الى حد كبير نتيجة ضعف هذا القلب لما تحمّل عبر السنين من ويلات ومصاعب.

غادرنا الجنرال،

فبكت عليه السماء ساعة موته، إنطلقت روحه هائمة في الأعالي معانقة النجوم قائلة للسماء «ها أنا آتٍ فافتحي أبوابكِ لأجلس عن يمين الله».

غادرنا رئيس ملتقى الرهبانيات اللبنانية بشقيها الماروني والكاثوليكي. غادرنا العقل المفكر. غادرنا أبانا الروحي ومرشدنا مرجع الإخلاص والتفاني.

هكذا عرفتك، وهذا ما تعلّمته منك. هكذا عرفوك آملاً أن يتعلّموا منك.

لن ننساك ولن ننسى تعاليمك. لن ينساك الوطن وسيظل فضلك عليه مذكورًا الى الأبد.

رحمك الله وأسكنك جنين رحابه.

إبن شقيقك

دير سيدة النجاة ـ حبوب

قداس وجناز الأسبوع

الأحد 25 شباط 2001

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل