#adsense

الأباتي القسّيس حاضنُ المقاومة اللبنانيّة

حجم الخط

كتب سجعان قزي في “لمسيرة” – العدد 1704

لازِمتان رافَقتا اسمَ الأباتي شربل القسيس: الرهبانيّةُ اللبنانيّةُ والمقاومةُ اللبنانيّةُ. ما كانت المقاومةُ اللبنانيّةُ سنةَ 1975 لتأخذَ كلَّ أبعادِها الوطنيّةِ من دون رافدِ الروحِ المتجسِّد بالكنيسةِ المارونيّة، مؤسِّسَةِ دولةِ لبنانَ الحديث. فلو لم تُبادر الكنيسةُ المارونيّةُ سنة 1919إلى المطالبةِ بلبنان الكبير المستقِل، لما كان أحدٌ غيرَها حقّقه، ولكان لبنانُ، باستثناءِ الجبلِ بحدودِ المتصرفيّة، جُزءًا من كياناتٍ أخرى. جديرٌ بجميعِ اللبنانيّين ألّا يَنسَوا هذه الحقيقةَ التاريخيّة، فلولا هذه المبادرةُ المارونيّةُ/الفرنسيّة، لكان مواطنو الأطرافِ وبعضِ المدنِ اللبنانيّة رعايا دولٍ أخرى وأنظمةٍ أخرى. ولو لم تَنبرِ الأحزابُ المسيحيّةُ سنةَ 1975 إلى التصدّي لمشروعِ إنشاء دولةٍ فلسطينيّة بديلةٍ على أرض لبنان، لما كان أحدٌ غيرَها واجَه ذاك المشروع، ولكانَ نِصفُ لبنان لا يزال يرزحُ تحت سلطةِ منظّمةِ التحريرِ الفِلسطينيّة.

يقضي العِرفانُ الإعترافَ بهذا الدورِ المارونيِّ العظيم وعدمَ السعيِ إلى قَضمِه والإنقلابِ عليه. وتَفرِض المسؤوليّةُ بالمقابل أن يكونَ موارنةُ اليومَ، جماعةً وقياداتٍ، على مستوى هذا الدورِ والرسالة، فهذه التجربةُ الفريدةُ تستلزمُ قادةً موارنةً من طينةٍ إستثنائيّة. لكنَّ الواقعَ مختلفٌ، فمنذ ثلاثين سنةٍ وعددٌ من القيادات المارونيّةُ يغامرُ بهذا التراث ويوظّفه في الطموحاتِ والمصالح الشخصيّةِ والعائليّةِ والحزبيّة وفي تحالفاتٍ داخليّةٍ وخارجيّةٍ تتناقض مع الثوابتِ المسيحيّة. إن المرحلةَ المصيريّةَ التي نَجتازها تُحتّم على القادةِ الموارنة، خصوصًا أولئك الذّين يُجسّدون روحَ المقاومة وعنفوانَها، والذين يشكلون لنا الفرصة الأخيرة، المحافظة على هذه الينابيع، وعلى المواقفِ الإستقلاليّةِ الصَلْبة، فهي مُنطَلقُ إنتصاراتِ المارونيّة في لبنان والشرق.

إنطلاقًا من هذه الحقيقةِ التاريخيّة، اشتركت الكنيسةُ المارونيّةُ في المقاومةِ اللبنانيّةِ بالتوجيهِ والتضامنِ والصمود. تَمثّل دورُ الكنيسةِ من خلال الرهبانيّات المسيحيّة، ولا سيما الرهبانيّةُ المارونيّةُ التي كان يَرأسُها آنذاك الأباتي شربل القسيس. تَجرأ الأباتي القسيس والتزم كليًّا في المقاومةِ غيرَ عابئٍ بأي تحذير، وأيّده الرهبانُ والأساتذةُ التابعون جامعةَ «الروح القدس»، وبخاصّةٍ الأباتي بولس نعمان.

تحوّلت الرهبانيّةُ اللبنانيّةُ في الكسليك خَليّةً فكريّةً للمقاومةِ المسيحيّةِ/اللبنانيّة. أنشأت لجنةَ الدراساتِ والأبحاثِ برعاية الأباتي قسّيس من أجلِ وضعِ استراتيجيّةٍ بعيدةِ المدى للبنان في ضوءِ التحوّلات التي طرأت. وصار التركيزُ للمرّةِ الأولى على مفهومِ التعدديّةِ الحضاريّةِ وحقِّ تقرير المصير… ووضَعت اللجنةُ مجموعةَ أبحاثٍ حول المجتمعِ اللبنانيِّ والدولةِ تُظهر الخللَ في التركيبةِ اللبنانيّة وتقترحُ الخِيارات البديلة. وفتح الأباتي القسيس أبوابَ الرهبانيّةِ بجامعتِها ومدارسِها وأديرتِها للشعبِ اللبناني المهجَّر، لا سيّما بعد مجازر بلدةِ الدامور.

شارك الأباتي القسيس في تأليف جبهةٍ وطنيّةٍ مقاوِمةٍ بعدما كان الأمرُ محصورًا بحزبَي الكتائب اللبنانيّةِ والوطنيّين الأحرار. تأسسّت أوّلُ جبهةٍ تحت إسم «جبهةِ الحرّية والإنسان» وعقدت إجتماعاتِها في جامعة الكسليك. كانت تضمُّ الرئيس كميل شمعون، الشيخ بيار الجميّل، الأباتي شربل القسيس، النائب إدوار حنين، رئيسَ الرابطةِ المارونية المحامي شاكر أبو سليمان، الدكاترةَ شارل مالك وفؤاد إفرام البستاني وجواد بولس، والشاعر سعيد عقل. ثم أصبح إسمُها «الجبهةَ اللبنانيّة» بعد تنحيةِ سعيد عقل وانضمّ إليها الرئيس سليمان فرنجية (بعد انتهاءِ ولايته) والشيخ بشير الجميّل بعد أن أصبح قائدَ القوّاتِ اللبنانيّةِ، ونقلت الجبهةُ الجديدةُ إجتماعاتها الى دير مار جرجس ـ عوكر التابعِ للرهبانيّة.

نشأت علاقةٌ وطيدةٌ بين الأباتي القسيس والرئيسين سليمان فرنجية وكميل شمعون والشيخ بيار الجميل. وغالبًا ما كان الأباتي القسيس يلعب دورَ الموحِّدِ بينهم لتمتين الصفِّ في الظرف العصيب. وكان للأباتي القسيس عطف خاص تجاه الشيخ بشير الجميل الذي بدأ نجمُه يَسطع، وعليه الرهان.

حَرِص الشيخ بشير على أن يتّكل في مقاومتِه على الرهبانيّةِ اللبنانية فكانت ملاذَه حين يختلف مع الأحزاب. فهذه كانت أحيانًا تميل إلى التكيّفِ مع بعض المعطيات، فيما كان الشيخ بشير يفضّل رفضَ التسويات والإفادةَ من زخمِ المقاومةِ للتغييرِ الحقيقيّ والجذريّ.شكّلت الكسليك مُتنفَّسَه الفكّري ومَرتعَ ضميرِه وواحةً روحيّة كان يحتاج إليها. فالرئيس بشير الجميل كان مؤمنًا ومواظبًا على الصلاة.

وحين كانت تَدلَهمُّ الأحداثُ كان بشير يَسرق الوقتَ ليلًا ويتوجّه إلى الكسليك ليجتمعَ مع الأباتيَّين القسيس ونعمان وأباءَ آخرين ويناقشَ معهم القضايا الوطنيّةَ وأُطرَ الحفاظِ على الوجودِ المسيحيِّ الذي كان مهدّدًا. توطّدت هذه العلاقة بين الطرفين، وأصبح بشير يتنقّل بين حزبِ الكتائب (إنتماءه) والقوّات (مداه) والكسليك، الحاضنةِ الروحيّةِ لمقاومتِه.

كان دورُ الأباتي القسيس، والرهبانيّة إستطرادًا، مفيدًا للجبهةِ اللبنانيّة والمقاومةِ اللبنانيّة، فالبطريرك مار أنطونيوس بطرس خريش الذي تميّز بالتقوى والعِفة ـــ وهما فضيلتان تَصلحان للدخولِ إلى السماءِ لا للبقاءِ على الأرض ـــ لم يكن متحمِّسًا لخِيارِ المواجهةِ العسكريّة مع المنظّمات الفِلسطينية، ويفضّل الحوارَ رغمَ أنَّ الحوارَ أثبت فشلَه طَوال سنواتٍ وسنوات. كما أن الفاتيكان، وإن كان يقدّر دورَ الموارنة، فإنه كان يخشى أن يؤدّيَ موقفُهم في لبنان إلى اضطهادِ المسيحيّين في الدولِ العربية؛ وكأن هذه الدولَ انتظرت موقفَ الموارنةِ قبل أن «تذَمِّمَ» المسيحيّين وتحوِّلَـهم مواطنين درجةً ثانية. فجاء موقفُ الرهبانيّات إلى جانبِ المقاومةِ اللبنانيّةِ ليعطيَ شرعيّةَ الروحِ لقادتِها ومقاوميها في سبيل الوجودِ المسيحيِّ في لبنانَ والشرق.

والحقيقةُ أنَّ الرهبانيّةَ المارونيّةَ برئاسةِ الأباتيّين القسيس ونعمان لعبت دورًا تاريخيًّا بين سنتي 1975 و 1982. حَضنت بشير الجميل وساعدته في مسيرتِه ووفّرت له ظروفًا ساهمت في نجاحه. ولا أخفي سرًّا أن الكسليك كانت مركزَ العديدِ من اجتماعات بشير مع مسؤولين عرب ودوليّين. وأعطت الرهبانيّةُ توجيهاتٍ إلى إرساليّاتِها في أوروبا وأفريقيا وأميركا لتشكّلَ حلقاتِ دعمٍ للمقاومةِ اللبنانيّة في تلك الدول. بكلمةٍ، لم توفّر الرهبانيّةُ المارونيةُ وسيلةً لتثبيتِ المقاومة ونشرِ ثقافتِها واحتضانِ قضيّتِها.

حين نتذكر الأباتي قسّيس تحيا فينا ذكرياتُ المقاومة، ونحن بجاجةٍ إليها اليوم، ويعود الشهداءُ إلى بؤبؤِ العين، لا سيّما الرهبانُ الّذين سقطوا من أجلِ الوجودِ المسيحي الحر والآمن في لبنان والشرق.

 

*شغل في زمن المقاومة بين سنتي 1975 و 1985 أدوارًا عديدة منها: مستشارُ الرئيس بشير الجميل، رئيسُ قسمِ الأخبار في إذاعةِ «صوت لبنان»، مؤسّسُ إذاعة «لبنان الحر» ومديرُها، المعلّقُ السياسيّ، رئيسُ جهازِ الإعلام في الكتائب والقوات، ورئيس تحرير جريدة «العمل».

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل