
اقترب استحقاق 9 آذار ولا تزال الحكومة تدور حول نفسها، وسط تباين بين السلطة والمصارف ما يظهر ان المشهد اللبناني سوداوي تتلبد في سمائه غيوم مالية. فلا منقذ لغاية اليوم، ولبنان يسير في سفينة نوح خالية من أي أمل باستمرار الحياة، ومن دون قبطان يرسو بها إلى بر الأمان، اما المواطن يئن من الوجع الاقتصادي والمعيشي والصحي عبر فيروس “كورونا” الذي أقفل على 13 إصابة حتى الآن، مع اعلان الأمين العام للصليب الأحمر اللبناني عن 42 حالة مشتبه بهم تم نقلهم إلى مستشفى رفيق الحريري، ما يدل على ان هناك حالات بدأت تتكشف.
تعددت الآراء والنتيجة واحدة، لبنان المتعثر يتجه نحو الاعتذار عن الدفع ما يشير إلى انه يسير باتجاه الإفلاس، إذ رأى المستشار الاقتصادي روي بدارو، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “هناك أمراً من اثنين يدفع المسؤولين للتأجيل إلى اللحظة الأخيرة: إما أنهم خائفون من اتخاذ القرارات الصعبة وغير الشعبية للتصحيح المالي والتي كان يجب اتخاذها منذ العام 2018، وحتى ما قبل، كما نصحناهم في اجتماعات بيت الدين، أو لأن لا قرار لديهم. أي أن السبب ليس لأن لا أفكار للحل بل لا قرار”.
ويضيف، “لذلك، من الإجرام عدم تسديد السندات المستحقة المقبلة، فنحن نسدد منذ 6 سنوات من مدخرات الناس ولا يتوقف الأمر على هذه المرة. وإن كنا لا نريد أن نسدد، كان يجب أن نقوم بذلك منذ 6 سنوات إذ كان مؤشر الاحتياطي سلبي منذ تلك الفترة”. ويشير إلى أن “الحكومة لا تملك الوقت للتفاوض حول التسديد، فالتفاوض بحسب المعايير العالمية يتطلب ما بين 4 إلى 6 أشهر، والتفاوض الأسرع الممكن بالنسبة لوضعنا الحالي هو في شأن استحقاق سندات حزيران المقبل وما بعده”.
وفي السياق، قالت مصادر السراي الحكومي لـ”الجمهورية”، انّ لبنان يتجه الى إبلاغ أصحاب السندات تَعذّر دفع المستحقات بغيىة اعادة النظر في هيكلية الديون وجدولتها وفق صيغة جديدة، على الرغم من وجود صيغة مطروحة للبحث تتحدث عن دفع نسبة معينة من السندات وبمقدار محدود جداً لم يتخذ القرار النهائي في شأنها، وهو أمر بات رهناً بالصيغة التي يمكن اعتمادها للإعلان عنه السبت المقبل سواء من السراي او من بعبدا.
بدورها المصارف، أبدت كل استعداد للتعاون مع الحكومة إمّا تقسيطاً او تسليفاً او اعادة جدولة”. وأكدت “أنّ الدولة ستكون بعد اسبوع امام خيارين: امّا الامتناع عن الدفع ما سيُوَلّد ارتدادات كارثية على البلد، وإمّا دفع جزء الى الخارج، أمّا بالنسبة إلينا فقد وضعنا أنفسنا في تصرف الحكومة والقرار في ملعبها”. وأضافت هذه المصادر، “المهم الآن التفاوض مع الخارج ونحن في الداخل “مِتلنا مِتلن” والمصير واحد، وما يهّمنا فقط هو عدم الوصول الى default او الإفلاس، لأنّ أي مصيبة ستحصل ستصيب كل الدولة والمودعين من بينهم”.
ومع التباينات الحاصلة، علمت “الشرق الأوسط” من مصادر وزارية ومصرفية أن الاجتماع الموسّع الذي ترأّسه دياب عصر أول من أمس، لم يتوصّل المشاركون فيه إلى قرار حاسم بشأن مستحقات سندات “يوروبوند” بسبب التباين الذي ظهر بين المشاركين فيه والذي غلب عليه الرأي القائل بعدم الدفع وأن تتولى المصارف تسديد هذه المستحقات، لافتة إلى ان “قرار عدم الدفع يحظى بموافقة التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة أمل التي تمثّلت في الاجتماع بالمعاون السياسي لرئيس البرلمان نبيه بري، والوزير السابق علي حسن خليل الذي أبلغ المجتمعين بتفضيل “الحركة “عدم الدفع وأن تكون الأولوية لحماية أموال المودعين في المصارف.
تزامناً، عاد الـ”الهيركات ” ليلوح في الأفق، وعلى هذا الأساس تكشف مصادر مطلعة عبر “نداء الوطن”، على أجواء السراي الحكومي عن أن من بين هذه الاجراءات اعتماد “الهيركات” للودائع التي تبلغ المليون دولار وما فوق، على أن تتحدد نسبة الاقتطاع في ما بعد. وهذا ما قصده رئيس الحكومة حسان دياب بالإجراءات القاسية. بينما تنقل مصادر غير بعيدة أنّ “الهيركات سيكون بمثابة إجراء لجأت إليه الكثير من الدول، وقد بات أمراً واقعاً” في لبنان. وفي تبرير هذه الخطوة أنّ “التعثر في السداد يخفّض تصنيف لبنان ويعرضه لدعاوى ويتراجع سعر اليوروبوند”.
وتضيف المصادر، “الأمور ليست إيجابية وهناك كارثة في مالية الدولة لذا ارتأى رئيس الحكومة أن يصارح الناس، لأنه يعتبر أنّ البلد داخل على الانهيار حُكماً وقد جرّبت الحكومة عدة خيارات لكنها لم تكن مناسبة، لذا فإن “الهيركات” واحد من الحلول المطروحة”، من دون أن تجزم المصادر اللجوء إليه بعد، لا سيما أنه إجراء يلزمه تشريعات وقوانين وقد يواجه بمعارضة شرسة، لكنه في نهاية المطاف قد يكون الشرّ الذي لا بد منه على قاعدة “إشراك الطبقة الغنية في الحل”.
وفي سياق متصل بالأزمات المكدسة على كاهل لبنان، قالت مصادر حزب القوات اللبنانية لـ”الجمهورية” انّ “المسار العام للأمور غير مطمئن، لكن القوات تصرّ حتى إشعار آخر، على إعطاء الفرصة للحكومة لأنّ الوضع المالي لا يُطاق ولا يحتمل. وبالتالي، اذا كانت هناك فرصة للإنقاذ فلا يجب تفويتها. ومن هذا المنطلق تصرّ على الاضاءة على الايجابيات والسلبيات في الوقت نفسه”، مشددةً على أنّها في حال لم تكن خطة الحكومة على مستوى تطلعات اللبنانيين ولم تتضمن خريطة طريق واضحة المعالم وزمنية، من ضمن ملفات محددة ومن ضمن قرار واضح لإخراج لبنان من أزمته، سيكون لـ”القوات” تصوّر لإخراج لبنان من أزمته ورؤية متكاملة. وبالتالي، هي تعتقد وتقول انّ الفرصة التي تمنحها هي بفعل الازمة القائمة، لكن هذه الفرصة لن تطول وسيكون للقوات الموقف المناسب في الوقت المناسب”.