




كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1704
الأباتي المفكّر والمقاوم والإنسان
ذهب الى حيث لم يجرؤ الآخرون
يصف بعض من زامنوا الأباتي شربل القسيس ومن عرفوه عن قرب بأنه كالكنز المغمور، قيمته عالية لكن لم يرَ الجميع لمعانه. ويشددون على أهمية الدور الذي أداه في تلك الحقبة العصيبة من تاريخ لبنان سياسيًا وميدانيًا وإنسانيًا، كما على غيرها من الصعد. فالأباتي المتواضع كان قائد ثورة حقيقياً يتمنّى كثيرون لو أتيحت له فرص أكبر للعطاء وتحقيق المزيد. وكان محرّكًا أساسيًا في العديد من المحطات والمواقع من خلف الستارة وبعيدًا عن الأضواء، حيث كان تواضعه دائمًا يحول دون حلوله في المقدّمة، حتى في ما صنع هو من منجزات. ويقول عارفوه إن أهمية الأباتي القسيس أنه عاش كهنوته راهبًا بالغ البساطة والتواضع، وعاش وطنيته شديد الصلابة عالي المقاومة والعنفوان، كما حمل قضية الإنسان كل إنسان بفكره النيّر وقلبه الكبير. ولأنه عمل في الأرض اكتشف قيمتها في الإنتماء كما في الإنماء، وزرع فيها خيرا مثلما زرع محبة وتمسّك بها موطئا ومبعث التزام.
قد لا يجد الباحث في المكتبات الكثير عن الرئيس العام الأسبق للرهبنة المارونية الأباتي شربل القسيس، لكن في خزائن الأديار الكثير من المدونات المعتّقة التي أرّخت لرجل مرحلة ولمرحلة مفصلية من تاريخ لبنان. ثمّة العديد من الشخصيات والرهبان الذين عايشوه دوّنوا ما كان لافتا في تلك المحطات وما ميّز ذاك الراهب المقاوم عن أمثاله. وهناك من لا يزال يحفظ بعض الحكايات ذات المغزى ويقصّها للدلالة على ميّزات القسيس وفرادته. من بين هؤلاء على سبيل المثال الأب جان وهبة الذي رافقه وعاونه ودوّن في دفاتره العديد من القصص والمحطات.
تعرّف الأب جان وهبة إلى الأباتي القسيس، وكان وهبة لا يزال مبتدئا والقسيس راهبا في بداية مسيرته الرهبانية الحافلة بالعطاءات. عايشه لردح غير قصير من الزمن وكتب في مدوّناته أحداثا وانطباعات وأقوالا تعبّر عن شخصية رجل عاصر أبرز الشخصيات المحلية والدولية وأدق المحطات المفصلية في تاريخ لبنان، وكان من بين أبرز المؤثرين فيها.وقد قرأ لـ «المسيرة» بعضا منها مقسّمة بحسب المواضيع والميّزات.
المتفوّق منذ ابتدائه
يقول الراهب الماروني الأب جان وهبة: «في العام 1955 دخلت أنا الإبتداء وكان الأخ شربل القسيس آخر سنة كهنوت. وقد تقدم لفحص اللاهوت بنهاية هذه المرحلة، وبعد صدور النتائج بعثت اللجنة إلى الكسليك تنويها بثقافته وتفوّفقه. وعند سؤال المطران يوسف الخوري عمّن يجب أن يرسَل بين الناجحين للتخصص، انفعل وقال ما هذا السؤال؟ وتابع بصوت مرتفع مَن غير الأخ القسيس المتفوّق؟ وهكذا كان، واختير من بين العديد من إخوته الرهبان تقديراً لكفاءاته التي ميّزت مسيرته على مدى حياته الرهبانية».
ويضيف: «نظرا لتفوقه ولمثابرته وإنجازاته في مسيرته الرهبانية، إنتُخب بداية مدبرًا أول أي نائبًا عامًّا مع الأب بطرس قزي، وكان مرجعًا للأب الرئيس في العديد من القضايا. وفي العام 1974 تم انتخابه رئيسًا عامًا للرهبانية المارونية لست سنوات، ومن ثم رئيسا للمؤتمر الدائم للرهبانيات الكاثوليكية. وهنا لا متسع من الوقت لتعداد الكم الكبير من الإنجازات والمحطات التي لمع فيها قدس الأباتي القسيس. أبرز تلك المحطات مشاركته في الجبهة اللبنانية وترك بصماته الخيّرة في العديد من الأحداث كما مشاركته في العديد من المؤتمرات الخارجية ومقابلته شخصيات في عواصم القرار دفاعا عن لبنان. وهنا كان دائما يتبادر سؤال إلى أذهان البعض: هل الأب القسيس سياسي أم راهب؟ في الواقع كان سياسيًا نعم، وراهبًا تقيّا ملتزمًا بكهنوته، ورجلاً وطنيًا عمل لكل لبنان».
العلامة والمثقّف
يضيف الأب وهبة «كان الأباتي القسيس نهمًا في القراءة وفي مختلف المجالات والمواضيع، وكان بحكم موقعه وعلاقاته يرده العديد من الهدايا، ولطالما ردد بعد تلقي كل منها، أن أفضل هديّة يتمنى تلقيها هي كتاب. ولذلك معظم تلك الهدايا كانت كتباً لم يُهمل أيًّا منها من دون قراءة وتحليل ومراكمة المزيد من المعلومات المنصهرة في فكر نيّر. ومن ميزاته على هذا الصعيد، أنه كان إذا قرأ قليلا عن موضوع يحدثك فيه فتجد أنه يعرف الكثير، لما له من خلفية واسعة وتحليل صحيح. وعلى إثر إحدى المناسبات التي اضطرّ الأباتي القسيس إلى التحدّث فيها ارتجالا، وأبدع، قال فيه الدكتور شارل مالك وكان صديقا له: لو اضطررت إلى التحدث مرّة أو إعطاء رأي بأمر ما، فما تكلمت أو أجبت قبل أن أكون قد بحثت وجمعت ما يلزم من المراجع والوثائق والمعطيات. أما الأباتي القسيس فتدهشني جهوزية فكره واتساع علمه ما يخوّله التحدث بأي موضوع إرتجالا ومن دون تحضير، ويكون مبدعا ورأيه صحيحا، يشدك لسماع كل كلمة والتوقف عند كل تعبير». وبحسب رأي كثر عرفوه جسّد القسيس بحق مقولة «هو عالم كماروني».
المتواضع والإنسان
ويتابع الأب وهبة: «في العام 1958 تم نقلي إلى دير ميفوق وكان الأب القسيس مديرًا للمدرسة في الدير، سلّمَنا المدرسة أنا وعدد من الإخوة الرهبان ولم يفرض علينا أي تنظيم، بل قال أنا أثق بكم تصرفوا بما ترونه مناسبا. وإن كان يراقب بحكم تحمله المسؤولية لتصويب أي أمر، إلا أنه لم يكن يمارس تدخلاً مباشرًا يحد من مبادرة المكلفين، بل كنا نحن نلجأ إليه كلما احتجنا إلى مشورة أو واجهتنا معضلة، وكان دائما يجد الحل المناسب والجواب الشافي. وبالفعل أثبت هذا السلوك نجاحه وحققت المدرسة في تلك الحقبة تميّزا ونتائج جيدة».
ويضيف: «أُرسِل الأباتي القسيس مديرا إلى مدرسة للرهبانية في السنغال في أفريقيا، ونظرا لحاجة المدرسة إلى الكثير من التطوير والترميم، كان يعمل فيها ليس كمدير فحسب، بل كعامل في الترميم والتنظيف والتجميل. وغالبا ما كان يضطر إلى استقبال من يزوره في المدرسة من مسؤولين ورجال دين ومعلمين وأهل، بثياب العمل الملطخة من غير أن يرى داعيًا لتبديلها. وقد حقق في المدرسة هناك نقلة نوعية فعلاً، سواء في المستوى الأكاديمي أو في التحديث والتوسعة، حتى أنها باتت من المدارس المميّزة في ذلك الوقت. ونظرا لتميّزه وثقافته ربطته علاقة متينة مع المفكر والفيلسوف السنغالي وعضو الأكاديمية الفرنسية ليوبولد سنغور الذي انتخب في ما بعد كأول رئيس لجمهورية السنغال. وسنغور هو أديب عالمي وشاعر مشهور يعتبره الكثيرون أحد أهم المفكرين الأفارقه في القرن العشرين. وبعد عودة الأب القسيس من السنغال قصد الرئيس سنغور لبنان وزاره وكان يستعين به في العديد من أعمال الترجمة».
المُبادر والجريء
ويلفت الأب وهبة إلى أهمية ما كان يتمتع به الأباتي القسيس من فكر مؤسساتي ومن روح حرّة وجرأة. ويقول «هو شارك في المؤتمرات وكان دائما الصوت المسموع لأنه كان حرًّا. وكان صوت الناس وحامل القضية بكل أمانة. لم يغب الفقراء عن باله يوما فكان دائم التوجيه بأن نتقاسم نحن الرهبان الرغيف وإياهم. ويقول نحن نستطيع تأمين ما يكفينا ولكن هناك فقراء لا يستطيعون، فكونوا دائمًا سندًا لهم وتقاسموا معهم الرغيف. وكان يتسم ببعد النظر والرؤية السديدة، فشجع على بناء المدارس والجامعات وتصنيع المواد الغذائية المستندة على الإنتاج الزراعي، بحيث تؤمّن فرص عمل وترسيخ الناس في أراضيهم من جهة وتأمين مدخول لائق لهم وللإقتصاد الوطني من جهة ثانية. من هنا كان حثّه على الإستثمار في الأرض، والإهتمام بعدم التفريط بملكية الأراضي سواء أراضي الرهبانية أو أراضي الأفراد، معتبرا أن «الأرض هوية ومن يفقد أرضه يفقد هويته».
الراهب والمقاوم
ويستطرد الأب وهبة واصفا الأباتي القسيس بأنه «ذهب إلى حيث لم يجرؤ الآخرون. فهو ما عرف الخوفُ طريقا إلى قلبه. ومرّة اضطر لزيارة الرئيس الياس سركيس في بعبدا، وكانت الأعمال العسكرية متواصلة والمناطق المفروض عبورها للوصول إلى القصر الجمهوري تتعرض للقصف. لكنه لم يهب ولم يتردد في القيام بالمهمّة علما أن سائقه نصحه بعدم المخاطرة ثم لم يخفِ السائق خوفه فطلب إعفاءه من المهمة. لكن الأباتي أصر عليه متكلا على الله… وفعلا كانت مخاطرة كبيرة لكن الظرف كان يتطلب ذلك، وقد وصل إلى بعبدا وقابل الرئيس وعاد بخير راضيًا عن أنه لم يتوانَ عن القيام بمسؤولياته».
ويشدد على أن القسيس «كان متواضعًا وكريمًا. ومن عرفه من بعد كان يعتقد بأنه بعيد عن الحياة الرهبانية نظرًا لقيامه ببعض التصرفات التي يمكن أن تفهم على غير جوهرها. لكن من عرفه جيّدا عرف مدى التزامه برهبانيته وتمسكه بتواضعه وبذل ذاته في سبيل أحبائه كما ورد في كلام السيد المسيح».
ومن الأمثلة ما يقصه صديق زاره مرّة في دير سيدة المعونات في جبيل وكان رئيسًا للدير وعند السؤال عنه قالت العاملة في الدير إنه يرتاح قليلاً ولا يمكن لقاؤه الآن. فرد الزائر أعود ثانية لا أريد إزعاجه. لكن الأب الرئيس كان في قبو البقر يقوم ببعض الأعمال ما جعل العاملة تخفي حقيقة مكانه خجلاً وخوفاً على مكانته. لكنه ضحك ونادى الزائر لانتظاره قليلاً لموافاته. وعندما خرج قال للزائر ممازحًا أعذرها ربما خشيت أن نلوّث أرض الدير. وقابل ضيفه في ظل شجرة جالسَين على حجارة في الباحة الخارجية.
… وقال آخرون
وفي عداد ما قيل وما حفظ عن الأباتي القسيس أنه «كالرمح لا يخفى في العديلة» وهذا مثل لبناني شعبي للدلالة على أن المتفوّق لا يمكن تجهيله. فالأباتي القسيس كان مرجعية لعدد من رؤساء الجمهورية والقادة والسياسيين يقصدونه هم حيث يقيم ويستشيرونه أو يطلبون لقاءه فيلبي الدعوة ويسدي النصيحة. وهو كان على علاقة وطيدة مع الرئيس الياس سركيس وكذلك الرئيس الياس الهراوي.
كان الأباتي المميّز والمشارك في صناعة حقبة مفصلية من تاريخ لبنان، عميقا في فكره الرهباني وهذا ما نلمسه جليًا من كتابات كثيرة له ولكنها خاصة غير معدة للنشر بحسب أحد الآباء الذين عايشوه. وتظهر هذه الكتابات والتأملات عمق فكره ونظرته في بعدها اللاهوتي والفلسفي للحياة الرهبانية. ويقول أحد أبرز عارفيه إن غير الظاهر وغير المعروف من حياة الأباتي المميز ربما هو أهم بكثير مما يعرف عنه. وعسى ألا يضيع هذا الكنز بل يكون منارة للكثير من القادة والأجيال الآتية.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]