لبنان بحاجة لـ”جيب صديق”… لا منقذ ولا رحمة

منذ اندلاع ثورة 17 تشرين الأول، قلنا ان من انجازات هذه الانتفاضة انها سرعت في اسقاط الاقنعة عن الطبقة السياسية الحاكمة، وتبيان فسادهم وافسادهم مختلف نواحي الحياة العامة والمؤسساتية في البلاد.

واليوم أصبح الجميع امام الامر الواقع، فتكشفت الوقائع والحقائق وارتبك كل من تحكم لسنوات وسنوات برقاب الناس واموالهم، فانهارت المحرمات، ومن الامثلة: أصبح القضاء أكثر جرأة، بغض النظر عن الاخطاء والهفوات والنواقص التي لا تزال تعتري مسيرته. أصبح السياسيون منكشفون امام الشعب، لا يقوون على مواجهة الغضب والمحاسبة في الشوارع وعلى المنابر الاعلامية وفي المناسبات الرسمية. أصبح الحديث عن عمق وخطورة الازمة بلا قفازات وتنميق في الكلام، بل بالأرقام والكلام والعلمي العلني.

قيل الكثير من الحقائق وفُضح الكثير من المؤامرات ومناورات الفساد والتلاعب بمصير الشعب ولقمة عيشه، إلى درجة ان المصارف ولأول مرة في لبنان انتفضت على السياسيين، ولأول مرة سياسيون هاجموا القضاء، ولأول مرة القضاء خاض ويخوض معركة استقلاليته.

الا ان ثمة حقيقة على درجة كبيرة من الاهمية والخطورة لم تُقل بعد، ويتجنب الكثيرون قولها علنا، ولعل في مجافاتها تقصير كبير او نقص كبير في استكمال حلقة التغيير. حقيقة ان سياسات حزب الله المحلية والاقليمية وتوسع دوره السياسي والعسكري الى ما بعد الحدود اللبنانية، وتحوله علنا الى اداة تنفيذية لسياسات إيران في المنطقة، وتورطه في صراعات وحروب تجاوزت حماية الاماكن المقدسة ومقاومة المخططات الإسرائيلية، لتطاول اليمن والعراق وسواها من دول، وتصل في الآونة الاخيرة الى مقاتلة الاتراك في شمال سوريا.

تلك السياسات الخارجية وهذا التورط في مواجهة العالمين العربي ـ الخليجي والعربي ـ المسلم السني، وصولا الى مواجهة عقوبات عالمية، بدأت من واشنطن مرورا ببرلين ولندن وصولا الى المنظمات المصرفية والمالية العالمية، بموازاة رزمة العقوبات الاميركية الصاعقة على النظام الايراني وما فرضته من عزلة دولية اقتصاديا وماليا على طهران، هي التي فاقمت الازمة اللبنانية، واوصلت الاميركيين الى حد البوح بكل صراحة بألا رحمة بعد اليوم للبنان واللبنانيين طالما الدولة اللبنانية بيد الحزب وطهران.

فبسبب حزب الله وسياساته عزل لبنان عربيا وخليجيا، وبالتالي انقطع عنه الاوكسجين الذي اعتاد اشقاء لبنان الخليجيين مده به عند اوقات الضيق. وبسبب الحزب صرف عدد كبير من اللبنانيين من وظائفهم، خصوصاً في الخليج، وخسرت عائلات لبنانية مصادر عيشها الكريم ورزقها، وتقلصت تحويلات الجاليات اللبنانية المالية الى لبنان.

وبسبب حزب الله تكتلت عواصم القرار العالمي والعربي لمحاصرة لبنان، بعدما أصبح من المتعذر الفصل بين الحزب والدولة وهو الممسك بكافة مفاصلها وسياساتها، في ظل تماهي السلطة والحكم الحاليين مع خياراته وقراراته حتى الاكثر انتهاكا لسيادة لبنان واستقلاله.

وبسبب الحزب توقفت الاستثمارات الاجنبية في لبنان وانهارت الثقة بالقطاع المصرفي والمالي، خصوصاً بعدما قرر الحزب محاربة هذا القطاع والانتقام منه لتجاوبه مع متطلبات القوانين المصرفية الاميركية المتحكمة بالأسواق المصرفية والمالية العالمية، ومن ضمنها تجفيف منابع الحزب المالية والمصرفية والقبض عليها.

ما لم يفهمه الحزب حتى اللحظة وعلى الرغم من كل المعاناة والالام التي يعيشها اللبنانيون، انه جزء من الدولة اللبنانية وجزء من الشعب اللبناني وليس كل الدولة وليس كل الشعب، ولا يمثل لوحده المصلحة الوطنية العليا، وليس وحده من يقرر ما يجب ان تكون عليه سياسات لبنان الخارجية والداخلية، كما ليس هو الوصي على اللبنانيين ولا على الدولة.

نقولها للتاريخ، حزب الله الدويلة ضمن الدولة هو الذي بات مصدر التهديد الاساسي والأخطر لوحدة لبنان، دولة ومؤسسات وشعباً. الحزب هو الذي، وبعدما اجمع اللبنانيون على ان يكون لبنان أولاً، خرج عن ارادتهم مفضلاً السير في دويلته ذات الهوية المستقلة، والسياسة الخارجية المستقلة، والمؤسسات الاجتماعية والتربوية المستقلة ونظامها المالي والاقتصادي المستقل عن لبنان الدولة والمؤسسات والدستور والقوانين.

بسبب الحزب لم يعد للبنان اليوم في العالم نصير الا فرنسا التي تحاول جاهدة انقاذ لبنان من تخبطه الاقتصادي والمالي والنقدي: فباريس لا تزال تصر على فعل اي شيء لا بل المستحيل لإنقاذ النموذج اللبناني الذي لطالما أدهش العالم، وهي تخوض معركة اقناع واشنطن المتصلبة لتغليب التوجه غير المتشدد او تليين مواقف الصقور فيها من لبنان.

وفرنسا قد تكون الوحيدة التي تصر على الابقاء على قنوات التواصل مع كافة القوى اللبنانية، وفي طليعتها حزب الله نفسه، ايمانا منها بان مقاطعة الحزب لن تساعد في استجرار الحلول، خصوصاً وان باريس تعي تماما مدى تأثير الحزب ومن ورائه إيران على الوضع اللبناني برمته بتوازناته واستقراره وامنه، معاكسة مواقف سائر شركائها الاوروبيين والولايات المتحدة الاميركية المتشددة تجاه الحزب. وقد وصلت باريس الى حد استنهاض الفاتيكان في الفترة الأخيرة، انطلاقا من رؤية فرنسية تاريخية منذ القرن الثامن عشر حول دور المسيحيين في لبنان، وضرورة حماية الوجود المسيحي الاخير في الشرق والموطئ الفرنسي الاخير لمصالح فرنسا في المنطقة ولوجودها ثقافيا وسياسيا ومعنويا.

لبنان اليوم في أزمته الوجودية واقع بين مطرقة الحزب وسندان السقوط والافلاس، والحزب على ما يبدو لا يزال يكابر ويعاند برفضه ما يسميه املاءات صندوق النقد الدولي، في وقت بات لبنان، وفي غياب الحلول البديلة الناجعة والواقعية والفورية بإقرار واعتراف حكومة الرئيس دياب، في أمس الحاجة ليس فقط الى الصندوق، بل الى جيب كل صديق او شقيق لإنقاذه من ورطة اوقعه فيها حكامه وسياسيوه، والحزب وسياساته.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل