Site icon Lebanese Forces Official Website

حلّ رضائي… أو الحجز على أملاك الدولة ومصرف لبنان

أما وقد قرر لبنان “تعليق سداد استحقاق 9 آذار من الأوروبوند”، فإن رئيس الحكومة حسان دياب الذي أعلن هذا القرار “التاريخي” لم يأت على ذكر السيناريوات المتوقعة بعده على خلفية “ان احتياطاتنا من العملات الصعبة قد بلغت مستوى حرجا وخطيرا”. فهل يكون قرار تعليق سداد الاستحقاق بمثابة اعلان الافلاس المؤجَّل للدولة؟

عند إعلانه تعليق السداد، ركز دياب في كلمته على ان “لبنان يعاني 3 أزمات هي: أزمة العملة، وأزمة المصارف، وأزمة الديون السيادية”، إلا أنه لم يفصح عن البرنامج الذي تعمل عليه الحكومة للخروج من الازمة، مكتفيا بعرض رؤوس أقلام لملامحه ومنها “السعي الى إعادة هيكلة ديون الدولة، عبر خوض مفاوضات منصفة، وحسنة النية مع الدائنين كافة، تلتزم المعايير العالمية المثلى، وإعادة التوازن الى المالية العامة، وإعداد خطة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتقويم الخيارات المطروحة في شأن مصير الودائع، والعمل على حماية الودائع في القطاع المصرفي، خصوصا صغار المودعين، الذين يشكلون أكثر من %90 من إجمالي الحسابات المصرفية، والتقدم قريبا بمشروع قانون خاص بتنظيم العلاقات بين المصارف وعملائها، لتصبح أكثر عدلا وإنصافا”. فهل تقنع هذه العناوين الدائنين بصدقية الدولة وجديتها في معالجة الازمة بما يعبد طريق الثقة والوصول الى تسويات واتفاقات تراعي ظروف الدولة المنهارة وحقوق المستثمرين والدائنين على السواء؟

وفيما نقلت “رويترز” عن مصدر في جمعية المصارف أن الجمعية قررت تعيين شركة هوليهان لوكي مستشارا ماليا مع سعي الدولة لإعادة هيكلة الدين الحكومي، أكدت في المقابل أنها (اي الجمعية) على استعداد للتحدث مع الدائنين الأجانب بشأن إعادة هيكلة محتملة للدين، في حين يتوقع بدء مفاوضات إعادة هيكلة الدين بشكل رسمي بين لبنان وحملة السندات في غضون نحو أسبوعين، وهي لن تستغرق أكثر من 9 أشهر إذا “خلصت النيات”، وفق وزير الاقتصاد راوول نعمة. فما هي السيناريوات المتوقعة بعد قرار الحكومة؟

عندما تبلّغ الدولة أصحاب الديون أنها تنوي جدولة الدين أو هيكلته، فإن أمامها حلين: حل رضائي أو حل نزاعي. لكن الخبير الاقتصادي ايلي يشوعي يستبعد الوصول الى الحل الرضائي انطلاقا من أن “الاجراءات الإصلاحية التي اعلنت عنها الحكومة بكلمات عدة لن تطمئن اي مستثمر أو الدائن”، ليبقى الحل النزاعي الذي يقسمه يشوعي الى شقين: النزاع القضائي والنزاع التحكيمي. في النزاع القضائي فإنه وفق شروط “الاوروبوند” لا يمكن أن يتم التحكيم الا بمحاكم تقع في النطاق الجغرافي لمدينة نيويورك، وتطاول تلك المحاكم الموجودات الخارجية للدول المدينة فقط. وبما أن تلك الموجودات ليست كبيرة، فإن الدائنين، برأي يشوعي، “لن يلجأوا الى تلك المحاكم بقدر ما سيلجأون الى التحكيم الدولي عبر المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID) التابع للبنك الدولي. وقرارات هذا المركز ملزمة للفريقين، خصوصا اذا كان المدينون والدائنون هم من دول موقعة على اتفاق دولي يتعلق بالاستثمارات الثنائية، وهو ما ينطبق على الدولة اللبنانية والدائنين. وهذا يعني أنه في حال جاء القرار الصادر عن ICSID لمصلحة الدائنين، سيلزم الدولة تنفيذه، واذا لم تلتزمه فإنها ستُعزل دوليا وتجاريا، وتاليا لن يكون في امكاننا الاستيراد. الفارق بين حكم المحكمة وقرار التحكيم كبير، لأن الاول سيطاول الموجودات الخارجية فيما سيطاول الثاني الموجودات الداخلية بما يعني وضع اليد على أملاك الدولة ومقتنيات وأملاك كل المؤسسات التي لها صفة عامة مثل مصرف لبنان الذي يملك الذهب و”الميدل ايست” و”أنترا”.

وفي حين شكك يشوعي في أن تكون الدولة توصلت الى تفاهم مع الدائنين، توجه الى الحكومة الحالية والحكومات السابقة بالقول إن “اللبنانيين غير مفلسين بل لديهم موجودات وأموال في المصارف وشاركوا في نمو اقتصادهم ودفعوا الضرائب وكانوا جديين في العمل والبناء، ولكن الحكومات المتعاقبة لم تقدم لهم غير العتمة والعطش وتعطيل الاستثمار وأرهقتهم بالفوائد وهجَّرت أولادهم وأغرقت البلاد بالديون وصولا الى الافلاس. وكما الدائنون، فإن اللبنانيين لهم الحق ايضا بمقاضاتهم ورفع دعاوى على مسؤوليهم لاسترداد الأموال المنهوبة”.

في حال سيناريو اللجوء الى التحكيم الدولي، يدعو الخبير في اقتصاد النفط والغاز وتنمية الموارد الدكتور فادي جواد الشعب اللبناني الى “مطالبة الدائنين بكشف التقويم الأولي للعميل (الدولة اللبنانية) الذي على اساسه تم منح الدين وعلى اي أساس تم هذا التقويم العالي المخاطر، وكم كان وزن ومعيار ديون بغيضة Odious Debit قد أُخذ في الاعتبار، اضافة الى حجمه من التقويم العام… وتاليا على اساسها ستتحمل الشركات العالمية الدائنة دخولها في ديون أنظمة وليست ديون شعوب”. وبرأي جواد فإن الامر هو “معيار اخلاقي ومالي وتقني وفني سننطلق منه عبر مكاتب محاماة دولية وبالتعاون مع الخبراء الدوليين لتكون قضية ديون لبنان نقطة تحول عالمية في حماية الثروات الوطنية لدول العالم”.

أما الخبير الاقتصادي والسياسي الدكتور أيمن عمر، فيشير الى سيناريوات عدة قد تحصل نتيجة قرار الحكومة التوقف عن دفع سندات “الأوروبوند”:

– استكمال المفاوضات مع الدائنين قد يصل إلى نتيجة إيجابية منها إعادة جدولة الدين.

– رفع الصناديق الدائنة الأجنبية دعوى أمام محكمة خارجية، وهذا له آثار خطيرة جدا.

– خفض التصنيف الائتماني للبنان إلى آخر مستوى، أي إعلان لبنان دولة متعثرة او مفلسة، وهذا الأمر له انعكاسات خطيرة أيضا، وفق ما يقول، وكان الاجدى ان “يترافق قرار عدم السداد مع خطة عملانية ترتبط بهيكلة الدين برمته”. من هنا يتوقع عمر أن تشهد الايام المقبلة “معركة قاسية جدا مع المصارف، وقد تكون الليرة أولى الضحايا وودائع الناس ثانيتها عبر إجراءات مضادة تقوم بها المصارف”.

خياران لا ثالث لهما؟

أما وقد اختارت الدولة “تعليق سداد استحقاق 9 آذار من الأوروبوند”، فإنها تصبح أمام خيار من اثنين وفق ما يقول المحامي والمحكم الدولي ورئيس الهيئة الإدارية للمركز اللبناني للدراسات محمد عالم. الخيار الأول يتعلق بإمكان ان تنجح الدولة في التفاوض مع %57 او اكثر من حاملي السندات على إعادة هيكلة لاحقة لهذه السندات تكون ملزمة لسائر الدائنين، والثاني ان تفشل في التفاوض، وعندها قد تضطر الى مواجهة الاجراءات القانونية التي قد يقيمها دائنوها بوجهها.

ولكن ما هي الإجراءات القانونية التي يجب على الدولة توقّعها من حاملي السندات غير اللبنانيين في حال عدم سداد سندات “الأوروبوند”؟ يشير علم الى أن “هذه السندات كانت قد نصت على أن الإصدار خاضع لقوانين ولاية نيويورك في الولايات المتحدة الأميركية، كما نصت على الاختصاص غير الحصري لمحاكم ولاية نيويورك أو أي محكمة اتحادية أخرى يكون مركزها ضاحية مانهاتن في هذه المدينة، للنظر في أي نزاع ينشأ بين الدولة وحاملي السندات”.

ويتبين من عدد من الحالات المماثلة أن لجوء الدائنين إلى محاكم دول غير تلك التابعة للدولة المصدّرة للسندات كان غير ذي فعالية ولم يؤد إلى النتيجة المرجوة والتي هي عادة التنفيذ على ممتلكات الدولة المتخلفة، خصوصا تلك الممتلكات الموجودة خارج الدولة المعنية، وفق عالم الذي يوضح “أن الدولة اللبنانية تملك عدداً محدوداً من الأصول والأموال خارج اراضيها حيث لا يمكن استبعاد أن تقوم بالتذرع بالحصانة السيادية من أجل عرقلة تنفيذ القرارات القضائية المؤيدة للدائنين من حاملي السندات”.

وقد جاءت الفقرة الأولى من المادة 860 من قانون أصول المحاكمات المدنية لتمنع الحجز على اموال الدولة وسائر الأشخاص المعنويين ذوي الصفة العامة، مما يعني عملياً أن أي قرار يستحصل عليه حاملو السندات أمام محاكم نيويورك أو أي محاكم أخرى لا يمكن تنفيذه في لبنان. وقد نصت السندات على ذلك بوضوح إذ ورد فيها: “يجب على المستثمرين التنبه إلى أنه من الأرجح أن التنازل عن الحصانة هو اجراء غير فعال في ما يتعلق بالأصول والممتلكات التي تقع ضمن حدود الجمهورية اللبنانية”. من هنا، يشير عالم الى أنه “نظراً الى عدم فعالية الإجراءات القضائية أمام المحاكم الوطنية، ظهر التحكيم الاستثماري كخيار محبّذ للمستثمرين وحاملي السندات السيادية وذلك عقب الركود الاقتصادي الذي ضرب الارجنتين بين عامي 1998 و2002. ولكي يتم اللجوء إلى التحكيم الاستثماري ضد أي دولة متعثرة، يجب أن تكون الدولة المدعى عليها قد تخلفت عن سداد ديونها العامة، إضافةً إلى انها فشلت في التقيد بالتزاماتها الدولية لجهة حماية الاستثمارات الأجنبية على أراضيها”.

ما هو مركز ICSID؟

يعدّ المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID) الهيئة القضائية المثلى لإقامة دعاوى التحكيم ذات الطابع الاستثماري، وذلك كونه مؤسسة تحكيم دولية تابعة لمجموعة البنك الدولي، وقد تأسست عام 1966 بموجب ما يعرف باتفاق واشنطن للعام 1965. وتظهر أحدث البيانات ان 153 دولة متعاقدة (بما فيها لبنان) قد وافقت على تنفيذ قرارات التحكيم الصادرة وفقاً لاتفاق ICSID والتقيد بها.

Exit mobile version