#adsense

شربل القسيس… صخرة الكسليك – 1

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1704

شربل القسيس… صخرة الكسليك

أشعل سيجارته الأخيرة وهمس… «بعد بكير تا يدوب التلج» (1)

 

الثلثاء 13 شباط 2001. الأباتي شربل القسيس يرقد على سرير في غرفة العناية الفائقة في مستشفى سيدة المعونات. ثلاثة أشهر من مشوار عمره الأخير أمضاها يصارع المرض الذي نخر رئتيه ولم يستسلم.

ثلاثة أشهر والأباتي القسيس يقاوم عمرًا عاشه بأعجوبة من شفيعه شربل الذي حمل إسمه، وعمرًا إلتزم فيه نذوره الرهبانية، فكان الأب الحنون للرهبان والساهر على مصلحة الرهبانية والحريص على تطورها روحيًا وزمنيًا، وتظهير دورها الوطني من خلال إلتزامها القضية اللبنانية في مختلف جوانبها.

ثلاثة أشهر ختمت مشوار 58 عامًا أمضاها شربل القسيس في الرهبنة باحثاً عن الله، مؤمنا بكل كلمة وعمل قام به من أجل وطنه وشعبه لا سيما خلال الحرب اللبنانية. قاوم المحتل بموقف وكلمة، فتح أبواب الأديار مع إخوانه الرهبان للمهجرين هربًا من سلطة وبطش الجحافل التي كانت تفتك بالبشر والحجر.

الأسبوع الأخير أمضاه الأباتي القسيس في العناية الفائقة ولم يستسلم. كان يستمد أوكسيجين الرمق الأخير من مشوار عمره على الأرض من خلال الأجهزة الطبية ويتابع نشاطه الرهباني يقيناً منه بأن مشوار الحياة لا يزال في بداياته.

7 أيام في غرفة العناية الفائقة والراهب المقاوم العنيد المجبول بصلابة إبن الأرض يقرأ في دفتر عمره ويدوّن ذكرياته التي كان يمليها على أقرب المقربين إليه. وفي كل مرة كان يودعهم على أمل اللقاء غداً. كيف لا وهو الذي كان يكرر على مسامع المقربين منه عندما يُطلب منه كتابة مذكراته التي خربشها على الورق «بعد بكير تا يدوب التلج».

هو فعل المقاومة الذي لازمه حتى آخر نفس له على الأرض، ولم يقطعه في أيامه الأخيرة سوى الوجع الذي عاشه بصمت وصوت أجهزة التنفس وصلاة المسبحة مع الإخوة الرهبان، ورغبته في إشعال آخر سيجارة. وكان له ما أراد لكن خلسة. ودخن سيجارة ال»فانتاج» ورحل.

السابعة من ليل 13 شباط سكت القلب الذي قاوم وعمل بما آمن به. أغمض الآباتي القسيس عينيه وكانت كلماته الأخيرة… دقت ساعة ذوبان الثلج.

«في مثل هذا اليوم منذ تسعة عشر عامًا، وقفت وحيدًا أمام دير سيّدة المعونات أبكيه وهو محمول على أكتاف الرهبان وهم ينقلونه إلى مثواه الأخير، ولم أكن أبكيه لأنّه غاب عنّا، بل لأنّه رحل ولم أكن بعد قد شبعت من تعاليمه وخبرته. ما أشدّ إفتقادي إيّاه في زمن الثورة، هو رجل الدين الذي علّمني كيف أكون علمانيًّا، كيف أقبل الآخر وكيف أعيش معه. هو الذي علّمني كيف أنبذ الطائفيّة السلبيّة وكيف أعشق الأرزة وكيف أجعل في حياتي «لبنان أولًا»، وذلك قبل عشرين سنة من إدراك الآخرين أن «لبنان أولًا!». بهذه الكلمات إستذكر المخرج السينمائي ورفيق مشوار عمره يوسف الخوري ذكرى الأباتي شربل القسيس (توفي في 13 شباط 2001)، يقيناً منه أن من عرفه عن قرب أو حتى من خلال سيرته الرهبانية يدرك اليوم مدى أهمية مواقفه الوطنية ويقول: «لست وحدي من يفتقده، فمواقفه الأخيرة تتردد اليوم على كل لسان. هو «ديكتاتور» كما يحلو للبعض وصفه، لكنّ من أجل الديمقراطيّة، وهو في الحقيقة والواقع مقاتل شرس لكن من أجل السلام وثائر في سبيل الحريّة والإنسان. سيشهد لبنان واللبنانيون عاجلًا أم آجلًا على مآثر هذا الراهب الكبير، خصوصاً في هذا الزمن الذي نفتقد فيه العمالقة».

اللقاء الأول الذي جمع بين الأباتي القسيس والمخرج الخوري كان وليدة الصدفة، ويروي: «كنت أحضر لكتاب عن تاريخ لبنان بين العامين 1812 و1926 بعنوان «علامات الأزمنة» وذلك من خلال ثلاثة قديسين هم: شربل ورفقا والحرديني ورئيس عام الرهبانية اللبنانية المارونية الأباتي أغناطيوس بليبل. وخلال هذه الفترة تعرفت الى الأباتي عمانوئيل خوري في جامعة الكسليك التي كان يرأسها الأباتي يوحنا تابت، وكان الأباتي عمانوئيل لا يزال راهبًا ويشغل منصب سكرتير الأباتي شربل القسيس كما كانت تربطهما علاقة صداقة وتلاقٍ روحي.

عندما بدأت بالتحضير للكتاب طلبت من الرهبنة اللبنانية في الكسليك تأمين مكان يساعدني على إنجاز الأبحاث والكتابة. وتولى المسألة الأباتي خوري وعرض علي الإنتقال إلى دير القديسة رفقا في جربتا البترون. ذات يوم كنا نجلس إلى مائدة الفطور فوصل الأباتي شربل القسيس. لا أنكر أنني تفاجأت لأن الصورة التي ارتسمت في مخيلتي عن هذا الراهب كانت مغايرة تمامًا، إذ توقعت أن أرى راهبًا مسناً وقوراً صامتاً… لكن كل هذه المشهدية سقطت على المائدة. فالحوار الذي دار بيننا كسر أجواء الرهبة وسألني عن مشروع الكتاب الذي أعده وأبدى إهتماماً وتعاوناً، عندها شعرت بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقي».

مع الأيام تطورت العلاقة مع الأباتي القسيس وذهبت إلى حد تحفيز المخرج لإعداد فيلم عن القديسة رفقا والتعمّق أكثر في مجال الإعلام الديني حيث كان الخوري معدًا لبرنامج ديني عبر إذاعة لبنان الحر، ويقول: «لقد آمن الأباتي بعملي وبمشروعي حتى أنه هو من بارك إكليلي… كان راهبًا مقاومًا وراديكاليًا في أفكاره السياسية ووطنيته».

حبل الذكريات يطول لا سيما في مرحلة الحرب وتحديداً الحروب الداخلية التي حفرت أثلاماً من الغصة والوجع في قلب الأباتي القسيس بحسب الخوري ويقول: «عشت معه خمسة أشهر تقريبًا في دير مار سركيس وباخوس في قرطبا. كان يعشق رياضة المشي في الطبيعة، فكنا ننزل يوميا إلى الوادي سيرًا على الأقدام، نمشي ودخان سيجارة «الفانتاج» في يد الأباتي يرافقنا. أحاديثنا كانت في مجملها عن الوضع المسيحي والحرب الداخلية التي اندلعت في المناطق المسيحية وكانت سببًا في حزنه».

إلى جانب عشقه للأرض والزراعة وتربية الدواجن والأبقار في المزرعة التي أنشاها كان يحرص الأباتي القسيس على قراءة الكتب وممارسة واجباته الديرية: «كانت رتبة القداس التي يرأسها مميّزة وكنا نترقب العظة التي سيتلوها بعد الإنجيل لأنه كان حريصًا على أن تكون هناك عبرة وزوادة نحملها معنا لنزرعها في بيوتنا ومجتمعاتنا. حتى إيمانه لم يكن تقليديًا على غرار قداسه. وفي هذا الإطار تحضرني تلك اللقاءات التي كانت تجمع الأباتي القسيس بالأب لويس خليفة في دير مار سركيس وباخوس، لقاءات ممتعة على رغم النقاشات الفلسفية التي لم تكن تخلو من الحدية. ذات يوم كنا، الأب خليفة والأباتي القسيس وأنا في صدد الدخول إلى الكنيسة للصلاة. فجأة شاهد الأب خليفة سيدة عجوز تجلس عند حافة مدخلها وهي تتلو أبيات المسبحة. إقترب منها وقال لها: «مش هيك بيصلو المسبحة متل الببغاء…». وقبل أن يكمل الأب خليفة جملته أمسكه الأباتي القسيس بيده وسارا معًا نحو المذبح. عندما انتهى القداس جلسنا على درج الدير ودار نقاش فلسفي حاد إنتقد في خلاله الأباتي القسيس كلام الأب خليفة ومما قاله في تلك الجلسة: «يمكن معك حق إنو صلاة المسبحة ما بتكون متل الببغاء بس إيمان أهلنا بالجبال هوي نتيجة هالمسبحة. بدك تعمّم ثقافتك اللاهوتية المتقدمة، وتعلمن كيف بيصلوا المسبحة،  بتبلش من الجيل الطالع والتلاميذ بالمدارس مش مع الختيارية».

على رفوف مكتبته كان يشقع الأباتي القسيس كل أنواع الكتب، الفلسفة اللاهوت السياسة. كان يقرأ بمعدل كتابين في الأسبوع ويردد على مسمعي: «إذا بدك تكون صحافي ناجح بدك تقرا كتاب «كاتلين كيلينغر». كان يعشق قراءة الكتب التي يمتزج مضمونها بين الحقيقة والرواية «وهذا هو سبب عشقه للكاتب بول لو شولتزر» الذي قرأ كل رواياته وسطّر فصولا من صفحاتها بقلم الرصاص ووضع ملاحظاته على هامش الصفحات كما كان يفعل في كل كتاب يقرأه. وعلى رغم الزوادة الثقافية التي كان يحملها بعد الإنتهاء من قراءة كل كتاب إلا أنه كان مصراً على الإعتراف بأن العبرة التي يأخذها من رجل مسن في جلسة لا تستغرق ال30 دقيقة تساوي 10 أضعاف العِبَر التي يستقيها من كتاب يقع في 400 صفحة».

مذكرات العمر دوّنها الأباتي القسيس على قصاصات ورق وكان يحرص على الدخول في التفاصيل مع ذكر الوقائع والمحطات والتواريخ. من هنا يجزم المقربون منه أنها على أهمية كبيرة، وتستحق جمعها في كتاب أو ربما مجلد لأنها تتضمن محطات وروايات وأمثولات للتاريخ. لكن الأباتي القسيس كان يرفض كتابة مذكراته وضمها في كتاب ويفضل أن تبقى مجرد أخبار وروايات من فصول حياته على قصاصات ورق، وكان يردد أمام كل من يطلب منه تحويل هذه المذكرات إلى كتاب للتاريخ: « بيجي يوم… بعد بكير ليدوب التلج». ولكن، يا للأسف، رحل الأباتي وتشتّتت القصص والمذكرات وتبعثرت وبقينا على خبريات مكتوبة على قصاصات ورقية نجمعها من هنا وهناك».

الراديكالي العنيد

ليس سهلاً أن تكتب عن تاريخ راهب مقاوم حفر في تاريخ الرهبنة اللبنانية المارونية أثلامًا غيّرت في مجرى السياسة العامة لنظام الرهبنة لجهة تعاطيها في الشان السياسي العام. فعهد رئاسة شربل القسيس للرهبانية اللبنانية المارونية، كان مثقلاً بالمسؤوليات الوطنية حيث لعب دوراً بارزاً في حقبة الحرب اللبنانية، ولم يتقاعس عن تقاسم آثار المحنة والحرب مع إخوانه الرهبان في كل أديارهم في مدّ يد العون للمهجرين في كل المناطق، ومساعدة منكوبي الحرب وويلاتها.. لكن الدور السياسي الذي لعبه في تلك الحقبة كان محط جدل وانقسام بين مؤيد ومنتقد الى درجة أن البعض أطلق على الرهبان التسمية الشهيرة «الجيش الأسود». وأُطلق عليه لقب قائد الجيش الأسود.

كان راديكاليًّا في دفاعه عن لبنان والتزامه الوقوف ورهبانه إلى جانب شعبهم في وجه كل محتل وحلفائه من الخارجين عن الكيان اللبناني والصيغة. وفي عهد رئاسته العامة قام تجمّع الرهبانيات اللبنانية بعقد مؤتمره الدائم واتخذ من دير الكسليك مقراً لاجتماعاته، ولم يوفر جهدًا في طرق أبواب الوسط السياسي الذي قصّر في تلك الأيام في الدفاع عن إستقلال لبنان وسيادته بعد أن شهد الحكم الإنشقاق التاريخي. وصار المواطنون ومعهم أركان الحكم والحكومة ينتظرون كل أسبوع البيان «السياسي» لاجتماع أركان المؤتمر الدائم للرهبانيات..

منذ بدأت الحرب سطع نجم الأباتي القسيس. كان حادًا في نقاشاته وراديكاليًا في مواقفه يقول الخوري ويروي: «مرة طلع عند البطريرك أنطونيوس خريش وقللو: «سيدنا اتركنا نحنا نحكي. إذا غلطنا بتشدنا بدينتنا وبتقلنا روحوا اقعدوا بأدياركن وبتغطينا. وإذا اشتغلنا صح بترفع كتافك وبتشوف حالك وبتقول هاو ولادي… أما يا سيدنا إذا، إذا كنت إنت بالواجهة وأخطأت مين بيغطّيك وبيغطّي الطائفة؟…كان عبقري ووطني وكانت الرهبنة خط أحمر بالنسبة إلو. ممنوع حدا يتناولا بكلمة أو موقف أو ينتقدا علنا إذا حصل أي خطأ». ويضيف الخوري: «مرة تم استدعاء الأباتي القسيس إلى روما وقالولو الناس عم تستعمل السلاح وتطلق النار بالأفراح والأتراح فكان جوابو: «هاي أدواتنا الليتورجية»… لكن ثمن موقفه هذا كان باهظاً إذ تم إستبعاده لولاية ثانية».

مع الأباتي شربل القسيس لمع إسم الرهبانية اللبنانية المارونية. لم تكن رئاسته لهذه الرهبنة من العام 1974 حتى العام 1980 مسألة عابرة. قبله كانت شاهدة في كل الأديار التابعة لها على تجذير الحضور المسيحي على مساحة لبنان ومعه، بقيت شاهدة على هذه الرسالة وأضافت عليها مهمة الإضطلاع بمغامرة إنقاذ لبنان، ليصبح الأباتي عضوًا في الجبهة اللبنانية وواحدًا من مؤسسيها وأحد أبرز العاملين على تحديد الأدوار التي تقوم بها.

قبل ذلك وفي خلال الحرب كانت لجنة بحوث الكسليك حاضرة في دراسة الواقع اللبناني وتقديم الدراسات والإقتراحات العملية من أجل تثبيت النظام في لبنان. كانت تلك اللجنة جريئة في مقاربة المواضيع الخلافية ومبادرة الى طرح الأفكار من دون خوف.

وفي أديار الرهبنة بدأت بوادر المقاومة اللبنانية وقد دفع بعضها ثمن الحرب في بداياتها تهجيرًا وقتلاً، لتسجل في سجل تاريخها أسماء رهبان شهداء كثيرين. ولم يكن من قبيل الصدف أن تجعل الرهبنة من دير عوكر مقرًا للجبهة اللبنانية، ومن ديرها في السوديكو مكاناً للقاءات كثيرة، خصوصًا أن أهم مقرراتها في خلواتها الكثيرة صدرت في دير سيدة البير. وطيلة تاريخها حافظت الرهبنة على تداول السلطة الكنسية. كل ستة أعوام رئيس جديد إلا في الحالات الطارئة التي استدعت التغيير سواء بالإستقالة أو بالوفاة.

بعد الأباتي شربل القسيس إنعقد لواء الرهبانية للأباتي بولس نعمان من العام 1980 حتى العام 1986. لم تكن فترة رئاسة نعمان أقل خطورة من فترة رئاسة القسيس. إستطاع نعمان أن يثبت حضور الرهبانية في الحياة السياسية المضطربة وأن يجعل منها رقمًا صعبًا وصاحبة قرار، خصوصًا في مسألة ترشيح قائد «القوات اللبنانية» الشيخ بشير الجميل الى رئاسة الجمهورية، ثم في انتخابه قبل أن تطرح التطورات السياسية بعد إغتيال بشير دور الأباتي نعمان ودور الرهبانية على بساط البحث في الدوائر الفاتيكانية.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل