اشهد يا تاريخ على لبنان 2020

 

قد يصعب علينا كتابة التاريخ لحظة حدوثه، فالصورة حينها تكون غير واضحة بعد، والتجارب أثبتت أن نتائج الأحداث الكبيرة لا تتضح معالمها الا بعد فترة طويلة من وقوعها. أكتب هذا المقال لتوثيق ما يجري من حولي في الشوارع والساحات والمجالس بعيدا عن التحليل العميق السابق لأوانه، ولكي يبقى هذا المقال شاهداً أميناً يخبر قراءه بعد سنوات عدة، عن حقيقة المشهد في لبنان خلال ثورة 17 تشرين.

ما لا شك فيه أن لبنان اليوم يتحرك وبسرعة كبيرة: أحداث متواصلة، مستجدات يومية وتغيرات محورية، إذ من الصعب جدا أن يمر يوم منذ السابع عشر من تشرين من دون مفاجأة (محزنة أكثر منها سارة). لبنان اليوم أشبه بمراهق على مدخل سن الرشد، ضائع بين هويات مختلفة وشخصيات متعددة، لم يتخلص نهائياً من حركات الصبية بعد، لكنه أدرك أن وقت النضج قد حان. ريح التغيير هبت ويبدو أن ما من أحد يستطيع ان يبني في وجهها جدران.

وقبل الخوض في التفاصيل يهمني أن أرسم مشهد اليوم التاسع من آذار 2020، في السنة الثالثة من عهد الرئيس ميشال عون، إذ وصل سعر صرف الدولار الواحد إلى 2700 ليرة لبنانية لدى الصرافين منذ أيام قليلة، وأكثر من 30 حالة كورونا، معلنة رسمياً، ولبنان يتخلف عن تسديد ديونه لأول مرة في تاريخه، وضرائب جديدة تلوح في الأفق.

وبالعودة إلى أحداث لبنان، 145 يوماً على انطلاق انتفاضة لبنان، انتفاضة مطلبية معيشية بحتة، #لبنان_ينتفض هو شعار المرحلة والتعبير الأكثر تداولا عبر مواقع التواصل. الانتفاضة مرت لغاية هذه اللحظة بمراحل عدة، خفت وهجها حينا وسطع أحيانا عدة، تظاهرات في كل المناطق لأول مرة في تاريخ لبنان. أعداد المشاركين تخطت المليونين توزعت بين مقهور، وجائع، وحالم، وثائر. الفئة العمرية ليست المعيار المهم هنا، فكل الأعمار تلاقت. ولا الفئة المناطقية، ولا الطبقة الاجتماعية، لأن ممارسات السلطة، مشكورة، وحدت اللبنانيين خلف طبقة اجتماعية فقيرة جامعة، فالفقير أصلا أصبح فقيراً متمرساً، والمتوسط الحال سابقا لم يعد بمقداره الوصول إلى مدخراته في المصارف.

انتفاضة ردمت جدران الفصل بين المناطق والمذاهب، أسقطت الحكومة، فازت بانتخابات نقابة المحامين، منعت عقد عدة جلسات للبرلمان، فرضت الشفافية في التعيينات القضائية وغيرها من المكاسب. هل يكفي ما فعلته؟ لا. هل ستُحقق المزيد من المطالب، كفوزها في انتخابات نقابة المهندسين، أو كإجراء انتخابات نيابية مبكرة؟ ربما، لنثور ونرى.

كل هذه التطورات قابلتها السلطة بفوقية وقحة، تعاملت خلالها مع الشعب معاملة السجّان لسجين مجرم. تمنعه بوحشية من التظاهر في الطرقات ولا تحميه من “شبيحة” أحزاب في الساحات. تلاحق الثوار وتستدعي الناشطين إلى التحقيق غير آبهة بالتحقيق مع من نهب بلداً كان في يومٍ يقرض دول العالم وأصبح اليوم يطرق أبوابهم متسولاً وما من أحد يفتح، بعدما أكل جراد السلطة أخضر لبنان ويباسه.

هذه الممارسات أدت إلى انهيار الاقتصاد، وارتفاع نسبة البطالة إلى مستويات قياسية. المخاوف من السقوط المدوي تتزايد وسط عزلة عربية ودولية كاملة. أما الانتفاضة، فتتحضر لجولة جديدة غاضبة أكثر، وربما فعالة أكثر.

هذا هو حال اللبنانيين اليوم، فالغد طبعا مختلف، والأحداث تتسارع كمن يعيش عقدا كاملا في سنة واحدة. هذا هو حال بلدي الصغير لبنان، بلدي الذي يصمد على الرغم من كل العواصف. يحاول على الرغم من كل الظلم ويحلم على الرغم من كل الإحباط. هل ننجح هذه المرة؟ هل نفعلها مجدداً؟ هل ينال الشعب ما يستحقه؟ أسئلة كثيرة تبقى بلا جواب ويبقى الوقت، كما عهدناه، هو الكفيل بالإجابة، آملين أن من يقرأ هذه السطور بعد فترة وينظر من حوله، يدرك أن انتفاضة اللبنانيين قلبت المعادلات وقضت على كل ممارسات الظلم والفساد إلى غير رجعة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل