.jpg)
بعد سبت 7 آذار 2020 لن يكون كما قبله، بالنسبة للنموذج الاقتصادي الذي ميَّز لبنان على مدى عقود من الزمن. رئيس الحكومة حسان دياب لمّح، السبت الماضي، إلى تغييرات ستطاول نموذج الاقتصاد الحر وحرية التبادل المالي والتجاري مع العالم، الذي سمح ببحبوحة اقتصادية ومالية وازدهار ونمو صمد في أعتى مراحل اللبنانية. لكن هذا لا يعني أن التغيير المقبل سيكون جذرياً أو انقلابياً بالضرورة.
ماذا بعد قرار الحكومة تعليق لبنان تسديد سندات يوروبوند التي استحقت أمس الاثنين 9 آذار، من دون الإعلان عن خطة إنقاذية مرافقة كما تطالب الدول المانحة؟ ومن أين ستتدفق مليارات الدولارات بشكل فوري لإنقاذ الوضع، خصوصاً وأننا أمام “تعثر غير منظم” أُعلن من طرف واحد، بانتظار رد حاملي السندات؟
الخبير الاقتصادي والمالي دان قزي يرى، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أنه “لنضع الأطر السياسية جانباً وأن الحكومة من لون واحد كما هو معروف، لكنها تضم أناساً نظيفي الكف. نلاحظ في خطاب رئيس الحكومة الأخير أنه قدّم لأول مرة في لبنان ربما تحليلاً لحقيقة المشكلة، إذ تحدث عن الاقتصاد الريعي، وأن القطاع المصرفي أكبر بكثير من اقتصاد البلد ولم يتم توظيفه في استثمارات منتجة”.
ويضيف، “إذا أخذنا بلداً مثل سويسرا الذي يشبهنا لناحية أن قطاعهم المصرفي أكبر من حجم اقتصادهم، لكنهم لم يقوموا بضخ أموال المودعين في تضخيم القطاع العام والدولة والمؤسسات والموظفين والبذخ. السويسريون يقومون بإيداع وتوظيف ودائع قطاعهم المصرفي في مختلف أنحاء العالم بعد دراسة كل عناصر الـRisk Capital، بينما في لبنان قاموا بوضع أموال المودعين، وقسم كبير منهم من اللبنانيين المغتربين، في لبنان، لتمويل النظام السياسي والقطاع العام ودعم الليرة منذ عقود، الذي لم يكن من دون ثمن بل كان يستهلك أموال المودعين في المصارف”.
ويعتبر قزي أن “الاقتصاد الريعي الكسول امتص كامل السيولة والاستثمارات، فمن أين كانت المصارف تدفع الفوائد العالية؟ كانت تأتي بالأموال من مصدر جديد لتعطي القديم، على طريقة ظاهرة جورج الصايغ الشهيرة في ثمانينيات القرن الماضي”.
ويلفت الخبير الاقتصادي والمالي ذاته، إلى أن “نحو 6000 ألف شخص يملكون 90 مليار دولار ودائع، أي أكثر من نصف الودائع مع هذا العدد القليل، فمن استفاد من كل هذه المنظومة؟ وبعيداً عن القضايا السياسية والحزبية والمذهبية، كان دِينُ الدولار يوحّدهم جميعاً، وما حصل أنهم لشدة ما امتصوا وسرقوا ونهبوا البلد لم يعد هناك شيء ليسرقوه”.
ويحذّر القزي من أنه “قبل الخطة الاقتصادية والتفكير في تكبير حجم الاقتصاد، يجب وقف نزيف الدولار. فإن قمنا اليوم بتكبير حجم الاقتصاد في واقعه الحالي نكون فعلياً نزيد من نسبة الاستيراد، وبالتالي نزوح الدولار من البلد”.
أما عن الحل لأزمة السيولة والشح بالدولار الذي يحلق من دون ضوابط، وآخر مظاهرها انتعاش السوق السوداء للصرف بعد تعميم مصرف لبنان الجمعة الماضي الخاص بالصرافين، فيرى قزي أن “علينا القيام أولا بريجيم مالي لخفض خروج الدولار من لبنان”.
ويوضح أن “هناك طريقتين للتعامل مع هذه القضية: إما أن نشحذ الدولار من الخارج، وهذا حل مرحلي آني. أو باعتماد حل على المدى الطويل”، لافتاً إلى أن “إعطاء المحتاج سمكة هو بمثابة تأمين عشاء واحد له، لكن تعليمه الصيد تأمينٌ لعشائه مدى الحياة. بالتالي، إن اتكلنا على الشحادة مثل مؤتمر سيدر وغيره، ماذا سيحصل؟ سنمشّي الأمور لسنة أو سنتين أو ثلاث، ومن ثم نعود إلى المشكلة ذاتها”.
ويشدد قزي على أن “المطلوب تغيير النموذج بكامله. فنحن في لبنان نعيش على مستوى أكبر بكثير من إنتاجياتنا. في لبنان مثلاً رانج روفر أكثر من الموجود في لندن حيث يُصنَّع. وعملياً نحن وصلنا تقريباً إلى حيث أن الكابيتال كونترول القائم خفَّض من الاستيراد وخروج الدولار من لبنان. وتبقى قضية الدعم على البنزين، فإن تمت معالجتها هذا يعني أن نزيف الدولار سينخفض إلى حدود قصوى، لأن الناس سيعتادون على التأقلم للتوفير ولن تكون نهاية الدنيا. فنحن نرى مثلاً في عائلة واحدة 4 سيارات لأربعة أشخاص يتنقلون للذهاب إلى أعمالهم وقضاء حاجياتهم، علماً أن خط سيرهم قد يكون واحداً وأوقات عملهم متقاربة”.
ويرى أن “ما يُفهم من خطة دياب والحكومة بين السطور: تغيير الاقتصاد الريعي الحالي، وحماية 90% من المودعين، ما يعني أنه لن يدافع بقوة عن الـ10% الباقين. فإعادة هيكلة القطاع المصرفي، ربما تعني أن هؤلاء الـ10% من المودعين سيصبحون مالكي أسهم في المصارف”.
ويوضح أنه “طالما غالبية الدين على لبنان دين داخلي، يعني أن الحل يمكن أن يكون داخلياً بنسبة 90%، وليس من ضرورة للاستدانة من صندوق النقد الدولي حالياً، او في أقصى الحالات يستعان به بشكل ضئيل. علماً أنه كان من الأفضل دفع الديون الخارجية حفاظاً على علاقة سليمة مع المؤسسات الدولية لأننا سنحتاجها في المستقبل، لكن يجب أن نأخذ في الاعتبار الترددات السياسية والشعبية التي جرّت النقاش إلى مكان آخر ووضعت تسديد السندات في مقابل تأمين المواد الغذائية والمحروقات وغيرها، علماً أن هذه المعادلة غير صحيحة”.
ويؤكد قزي أن “95% من الدين العام في لبنان دين داخلي و5% فقط خارجي، بحسب الأرقام. أي أن الحل داخلي، ويمكن أن يكون عبر قانون Haircut يصدر عن مجلس النواب لوقف الاستنسابية وتأمين العدالة في التعاطي مع المودعين. بينما الدين الخارجي يخضع للقوانين الدولية، وعدم تسديده يخلق إرباكاً وإشغالاً للحكومة وتهتز الثقة بالتزامات لبنان أكثر ويزداد التضييق عليه في الأسواق المالية العالمية. لكن هذه ليست نهاية الدنيا، ولا يزال الحل بين أيدي اللبنانيين إذا وضعوا التجاذبات السياسية جانباً”.
