
وصل المرحوم جان خوري من مصر برفقة إبنته، التي لاحظت انه متوعك ويصاب بالسعال بين حين وآخر مع ارتفاع في الحرارة. دخل المطار، هذا زمن الخوف من الكورونا، ربما وضعوا المِجسة على جبينه لقياس حرارته وربما لم يضعوها، معتبرين انه لم يعلن قبل ذلك عن إصابات في مصر، ودخل الآلاف المطار وأهلاً بك في بلدك!
في الطريق أصرّت عليه إبنته ان يذهب الى المستشفى ليجري فحصاً وذهب بعد إلحاحها الى مستشفى لم يكن قد تحضّر جيداً لإجراء هذا الفحص، فطلب نقله الى مستشفى رفيق الحريري المختص باستقبال هذه الحالات، قيل أولاً ان معه إشتراكات، وفي حال صحية سيئة، ليتبيّن أنه مصاب بالسكري، وقيل أنه وصل مختنقاً تقريباً لأن أنبوب الأوكسيجين الذي زوّد به لم يكن مُثبتاً كما يجب. في مستشفى الحريري تأكّد انه مصاب بالكورونا، لكنه وفق ابنته وضع الى جانب مريض مصاب بسرطان الرئة، ليفارق الحياة بعد ثلاثة أيام ويكون الضحية الأولى في لبنان للكورونا الذي يخنق العالم.
وإذا كان جان خوري الشاب ابن الـ٥٦ عاماً يستحق الرحمة وقصة موته مشكلة تقع على رقبة هذه الدولة المسخرة، فإن القصص الأخرى تبدو أكثر هولاً ليس لأن الممرضات الأربع اللواتي أشرفن عليه أولاً، نقلن الى المستشفى وبسلامة قلوبهن طبعاً وقلوب كل المصابين.
لماذا أكثر هولاً؟ على الأقل لأن هذه الدولة الواعية جداً قبلت أول من أمس مثلاً بأن تستقبل طائرة جاءت من ميلانو في شمال إيطاليا، وهي منطقة تعزلها الحكومة الإيطالية وتمنعها مثلاً من الهبوط في روما أو نابولي بالجنوب، وأيضاً لأن هذه الدولة الساهرة، لا زالت تسمح بوصول الطائرات من ايران رغم ان ايران باتت تصنّف موبوءة بالكورونا. وليس من المفهوم كيف استمر وصول الطائرات من طهران رغم ما اثارته الطائرة الأولى من ضجيج بعد إكتشاف الاصابة الأولى وقد شفيت والحمدلله، لكن الـ١٦٤ راكباً على الطائرة خرجوا من دون أي فحص!
حتى بعد الضجيج الذي أثير عندما أذاعت أول آنسة جريئة عبر فايسبوك، كيف دخلت من الصين عاصمة الكورونا، ولم يسألها أحد شيئاً في المطار وانها تضع نفسها في حجر شخصي إحتياطي، سمعنا كلاماً عجيباً من وزير الصحة ان لا داعي الى الهلع والخوف وإطمئنوا لأن لبنان يملك لقاحاً للكورونا، معتبراً أن الكورونا نوع من أنواع الإنفلونزا المعتادة التي تتوافر لها اللقاحات!
وكرّت سبحة الذعر، فالمطار فالت كما قلنا والحدود البرية فالتة، ايضاً الى ان نشرت تلك الصورة العجيبة الغربية، لمندوب من وزارة الصحة يضع القناع الواقي على فمه دون أنفه على الحدود، ويمسك بذقن أحد العابرين من ذقنه ليقيس حرارته، بإعتبار ان وزارة الصحة دربته جيداً.
نسبة الاصابات التي بلغت 65 أمس تضع لبنان في مرتبة متقدمة من احتمالات الوباء، ولكن بعد مرور أربعة أسابيع على الذعر وعلى رغم ان مستشفى رفيق الحريري الحكومي لا يتسع لإستقبال المزيد من المصابين والعدد الى ارتفاع، فإن لجنة الصحة النيابية مثلاً عجزت عن تدبير صالة معقمة لتجتمع فيها وتتخذ قرارات تساعد على تحسين قدرة المستشفيات الخاصة، وكل القرارات والإجراءات التي نسمع بها تأتي متأخرة، بإستثناء سلسلة من النصائح حول غسل اليدين وفرك الأصابع والعطس في الكوع وأخذ حمام يومي بالسبيرتو مثلاً!
ولا داعي للهلع أبداً فنحن في بلد: يا هلا بالكورونا تفضلوا شرفونا!