الأباتي شربل القسيس عن القديس شربل: كأنّه كان حيًا

حجم الخط

كتبت “المسيرة” – العدد 1704

في حوار معه عن القديس شربل

الأباتي شربل القسيس: كأنّه كان حيًا

حاورته كلود أبو شقرا

(النهار العربي والدولي في 72 آذار 1002)

 

شربل القسيس، الأباتي، رجل المواقف والعِلم والمعرفة والفكر النيّر، هو أيضًا راهب أحبّ شربل القديس، وأقام معه رابطة ودّ بدأت منذ خطا الأول خطوته الأولى في الحياة، واستمرت الى نهاية المطاف في 13 شباط 2001. الأباتي شربل القسيس تلمّس طريقه عبر تلمّسه ظاهرة القديس شربل من كثب ومرافقته لها، منذ أوائل الخمسينات وحتى تقديسه عام 1977، يومها كان الأباتي القسيس رئيسًا عامًا للرهبانية اللبنانية المارونية. هذه العلاقة الحميمة مع شربل القديس، إنعكست على مسار حياة الأباتي القسيس، فاتخذ من سيرة القديس مسارًا لنضاله في سبيل خدمة الحق، ومن جسده الذي لمسه مرات ومرات إصرارًا على إضفاء البُعد الشفّاف والروحي للمادة أينما وُجدت.

قبيل وفاته، ولمناسبة مرور ثلاثة وثلاثين عامًا على إعلان شربل قديسًا من البابا بولس السادس، كان حوار معه عن حميمية علاقته بشربل ومدى تأثيرها عليه. وفي ما يأتي نص الحوار:

 

من المعروف أنك على علاقة حميمة بالقديس شربل ترتكز على الشغف بهذا القديس. ما سبب هذا الشغف؟

يعود شغفي بالقديس شربل الى أني عضو في الرهبانية التي إنتمى إليها القديس. كما كنت عام 1950 من الذين كان لهم الحظ بمواكبة إخراج جثمان شربل من القبر بعد دفنه فيه نهائيًا عام 1927. والأهم أني حملت إسمه وطلبت شفاعته قبل أن يُعرف خارج منطقته كقديس.

تفاصيل هذا الأمر، أني عام 1929 وكان عمري تسعة أشهر، أُصبت بمرض عضال ومميت (داء الرئة)، فنذرتني والدتي للأب شربل وطلبت شفاعته لأني كنت مشرفاً على الموت. وكان نذرها أن تسير من قريتنا قرطبا الى عنايا حافية القدمين تحملني بين ذراعيها وأن تضع ثقلي بخورًا على ضريح شربل. فتدخل كاهن الرعية وأقنعها باستحالة تحقيق هذا النذر (حافية القدمين) وأن تفي به وهي راكبة على الفرس، وهكذا كان. ولما وصلنا الى عنايا، وضعت ثقلي من البخور على الضريح وأعطتني إسمي الجديد شربل. ولدى دخول الرهبنة لم أغيّره طوال حياتي، ثم أرادت العناية الإلهية أن يُعلَن شربل قديسًا أثناء توليَّ مسؤولية الرئاسة العامة في الرهبانية اللبنانية.

 

ماذا عن تطوّر علاقتك بالقديس شربل؟

عام 1950 وكنت أنهيت صف الفلسفة، علمت بقرار إتخذته الرهبنة بإخراج جثمان القديس شربل من تابوته، فتطوّعت برفقة مجموعة من الرهبان. وكان موضوعًا في تابوت من الزنك داخل حفرة في حائط الممشى والكنيسة في دير عنايا، ومركّزًا على حجرين كبيرين، وقربه إناء من الزنك يتضمن الدعوة التي رُفعت الى الفاتيكان من أجل تطويبه.

عندما أخرجنا التابوت من الحائط وفتحناه كان رطبًا، على جوانبه يتجمّع العرق كأنه الندى على الزجاج، فوضعنا شرشفاً تحت الجثمان وسحبناه. وكان المطران عبدالله نجيم حاضرًا وكبار المسؤولين في الكنيسة، فطلبوا منا تنظيف الجثمان.

عندما أخرجنا الجثمان الذي كان بالزيّ الرهباني، كان اللحاف مهترئاً على طول جسمه والمخدة «مجوّرة» تحت رأسه، والعباءة السوداء مليئة بالبقع البيضاء كأنها مغسّلة بالصابون ورطبة. عندما جرّدنا الجثمان من الثياب، بدأنا نغسله، وطُلب منّي الإهتمام بالرأس، فكان وجهه مجرّدا من اللحم. ويُقال إن جثمانه عندما كان معروضًا للزوار، تناتشه هؤلاء ولم يُبقوا مه وجهه إلا العظم. أما شعره فكان ملتصقاً ببعضه، كأن عليه مثل الدم السائل، وعندما غسلت الرأس عاد الشعر الى طبيعته، كأنه لشخص حي.

عندما أنهينا الغسيل، ألبسنا الجثمان ثيابًا جديدة وأعدناه الى التابوت. كان الجثمان كاملاً، يوحي أنه صاحبه نائم، إلا بعض الأجزاء التي أُخذت لتخضع للتحاليل الطبية من أجل إثبات قداسته. كذلك أُفرغت معدته، وقام بهذا الأمر، بمعزل عن رئيس الدير، طبيب من جاج يُدعى الدكتور عويني، بالإتفاق مع أخ راهب من الدير كان مكلّفاً في العشرينات غسل الجثمان كل يومين. ولما ملّ الأخ هذا الأمر، طلب منه الطبيب أن يُخرج الجثمان الى السطح في الليل ويعيده الى التابوت في النهار، علّه يتوقف عن التعرّق، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل. عندئذ أخبر الطبيب عويني مجموعة من الأطباء ففحصوا بدورهم الجثمان وركعوا أمام هذه الأعجوبة. يقول الدكتور عويني إنه رمى معدة مار شربل في المكان الذي بُنيت عليه كنيسة مار شربل الحالية. وأكبر دليل على ذلك، أنه عندما بدأت الحفريات لبناء الكنيسة وجد العمال أن تلك البقعة كانت مليئة بزهر بخور مريم، التي تفوح منه رائحة البخور المعطّرة.

 

هل يمكن أن تفصّل أكثر حالة الجثمان من الناحية البيولوجية؟

كان لون الجثمان نبيذيًا غامقاً، وكان كاملاً. لم يكن مغطّى باللحم مثل أجسامنا، لكن عروقه كانت نافرة كأن الدم ما زال يجري فيها. واللافت أن جسده كان طريًا، وعندما كنا نلتقط له يده كانت تنطوي وكأنها حية تمامًا. بعد ذلك وضعنا الجثمان في تابوت صنعه شخص من آل مبيّض وقدمه لنا الرئيس إميل إده آنذاك. وكان في التابوت فتحة سرية، طلب الرئيس إده من المطران أن يسمح له بفتح التابوت طالما أنه على قيد الحياة. فما كان من المطران نجيم إلا أن طلب مني بدوره أن أرافق الرئيس إده في كل مرة أراد فيها فتح التابوت.

في إحدى المرات زار أحد رؤساء الأساقفة في الشرق الأدنى دير عنايا، وأراد أن يتبارك من الجثمان بعدما ذاع صيته في العالم. طلب مني المطران فتح التابوت، فأخذت معي فوطة لأمسح بها العرق عن الجثمان وأتبارك بها، كذلك فعل رئيس الأساقفة الضيف، ورافقني الأخ مارون خوري. وأراد هذا الأخير إنتزاع أحد أظافر القديس شربل والإحتفاظ به بركة، لكنه لم يستطع، فقد كان مغروسًا بالجسم وكأنه يعود الى شخص حيّ. بعد أسبوع من هذه الحادثة عدنا الى فتح التابوت، فوجدنا الجثمان يتصبّب عرقاً والشرشف مثقوب، كذلك الوسادة.

 

كيف تفسّر ظاهرة قداسة شربل؟

كان محقاً من قال إن المحبّ لا يرى إلا من يحبّ وما يحبّ، وبالتالي يحرم نفسه كل ما لا يحبّ. فيصبح ألم الحرمان عنده نوعًا من الغبطة والسعادة. عندما غرق شربل في حبّ الله، لم يعد يرى إلا المسيح. مع ذلك كان يحمل في قلبه آلام بني قومه وأمنياتهم وأشجانهم. وبالتالي كان يدمج يوميًا هذه الآلام وهذه الأشجان بالذبيحة الإلهية اليومية، ويرتفع بهذه الآلام الى المستوى الخلاصي.

 

بالإنتقال الى ظاهرة الإستحباس أو التنسّك، ما مراحلها، وكيف يمكن أن يخوضها الراهب ووفق أية شروط؟

لا يحقّ للراهب بتاتاً أن يصبح حبيسًا قبل أن يتقدّس وسط جماعته. مَن يطلب نعمة التنسّك، عليه أن ينال موافقة جمهور الدير، الذي يعقد مجمعًا ديريًا ويصدر قرارًا بأن طالب النسك يستحق أن يتنسّك بالأوحد. ثمة بُعد جماعي للقداسة قبل أن يكون هناك بُعد العزلة. الحياة النسكية هي وحدة مع الكائن المطلق.

 

هل يمكن إعتبار النسك وبالتالي القداسة دعوة خاصة ومميّزة؟

ليس من دعوة خاصة ودعوة عامة، لكل دعوة نعمتها. هناك نعمة الأمومة ونعمة الكهنوت وغيرهما… كلها دعوات مميّزة، أما القداسة فنكتسبها عندما نوجد تناغمًا بين حياتنا وبين دعوتنا، عندما نعيش نعمة حالتنا الكهنوتية، عندئذ ننتقل الى حالة النعمة التي هي القداسة. وبما أن المسيحية هي دعوة الى الحياة، فكل نعمة يغدقها الله علينا سواء بالكهنوت أو بالحياة العلمانية، إنما هي ترسيخ لإرادة الله التي وضعها في الإنسان وهي صون الحياة، وبالتالي صون الإنسان والعناية به.

 

ضمانة وشهادة وضمير

الأب جوزف الدكاش

بين الثالث عشر من شباط سنة 2001 والثالث عشر من آب سنة 2011، تنهّدت السنون في رحابة المطلق… وترقرقت النهارات مبتسمة أن في هذا اليوم يدًا مباركة تزيح ستار النسيان، يد أبينا البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الشركة والمحبة، صوته المدوّي أمام تمثالك أن فتِّق الصمت وانطُق.

بوركت هذه اليد التي تُسقط العار وترفع قرابين الوفاء في يوم الوفاء…

شيء من نداك يا بطريركنا وراعينا يطيّب الثرى ويعطي الحياة…

فالوطن في عيني الأباتي أبجدية كرامة لا تُستباح…

متأخر أتى هذا اليوم، لكننا لن نقرأ نعي الوفاء لكبار عبروا… في هذا اليوم لا مطرح ولا موقع للحاقدين وأصحاب الهدب الطويلة…

الأباتي القسيس

حجر زاوية في مدماك الوطن «والحجر الذي رذله البنّاؤون صار رأسًا للزاوية».

في زمن التداعيات والخيبات والقهر المعتّق تنطق تماثيل الكبار وفيها تدبّ الحياة منتفضة على أجساد المهزومين الذين يجترّون الحياة ويجرّون أرجلهم خلف المصالح والمتاهات الكبرى…

تمثال ولكنه ينطق بحقيقة التاريخ والجغرافيا… وسيبقى شاهدًا على حقبة مهمة من عمر الوطن، ولو اختلفت آراء المنظّرين وكثرت…

الأباتي شربل القسيس

راهب لبناني ماروني، أب عام لجماعة لها أمسها العتيق وحاضرها المجيد ومستقبلها الواعد، رهبان فجر السماء في عيونهم…

كان على رأس الرهبانية وله الفضل في حماية ثالوث مكوّن من رئاسة الجمهورية والبطريركية المارونية والرهبانيات على اختلافها…

في الجبهة اللبنانية ضميرها الحيّ

في المؤتمر الدائم للرهبانيات ضمانة وشهادة

في رئاسة الرهبانية اللبنانية المارونية قرارها والرأي

في رئاسة الأديار تخطيط وإنماء…

وفي عدم التكليف توهّج وخفر وعدم حشرية…

كبير في هذه وتلك…

محاور… محلّل… معاند…

ملمّ بالقضايا، خصوصًا المتعلقة بمصير الوطن والمسيحيين فيه… كالمخاطر الفلسطينية والعلاقات العربية و الأطماع… واقفٌ لها بالمرصاد…

عشر سنوات على عبورك بخطوات مضيئة الى الملكوت… ونحن في الزمان المهرول ببطء بين الغموض والتأرجح واللاقرار…

أنت الحاضر… نلبس تثمالك عباءة الوفاء لتبقى الناطق بالحقيقة يوم صار الكلام تشدّقاً والرجال كومة من همّ!

*رئيس دير مار سركيس وباخوس ـ قرطبا

بمناسبة إزاحة الستار عن تمثال الأباتي شربل القسيس في الدير 13/8/2011

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل