“2 مايسترو” يقودان المنطقة… والحسم بعد فوز ترمب

تمر المنطقة بما يمكن وصفه بمرحلة الوقت الضائع، إذ يسعى كل طرف الى تجميع اوراقه تمهيدا لمرحلة حسم الخيارات واتخاذ القرارات المصيرية الكبرى التي ستحدد مستقبل الشرق الاوسط والعالم لفترة زمنية طويلة.

الوقت الضائع هذا تتخلله عدة تطورات منها ما يدخل في اطار ترتيب الاوراق وتجميعها كما يفعل الرئيس التركي رجب طيب اردوغان من خلال هجومه على محوري شمال سوريا، لتحسين موقعه التفاوضي على طاولة تقاسم النفوذ في صيغة سوريا المستقبلية، او من خلال هجمته على حماية حكومة السراج في طرابلس الليبية، لإبقاء موطئ قدم لأنقرة في دولة عربية يحسب نظامها على الاخوان المسلمين بعدما خسر اردوغان مصر وتونس وسوريا، فضلاً عن مواجهته حلفاً أوروبياً يونانياً قبرصياً مصرياً اسرائيلياً يحرمه مما يعتقد انه حق طبيعي لتركيا بجزء من الغاز والنفط  في المتوسط .

كما يبرز فوز رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لولاية ثالثة نتيجة الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة بعدما كان مستقبله السياسي مهدد بفعل ملفات الفساد الذي تنتظره لو فقد منصبه، وهو اليوم بصدد تشكيل حكومة يمينية قومية متطرفة ولو بقاعدة برلمانية ضعيفة، يحتاجها المايسترو الاميركي لإعادة طرح صفقة القرن بعد تجديد الرئيس دونالد ترمب ولايته الثانية.

وكأن غزوة فيروس كورونا جاء في هذا الوقت الضائع لإلهاء العالم، ومن ضمنه المنطقة، بهموم مواجهته والحد منه، حتى لا تكاد دولة من دول العالم خصوصاً دول المنطقة لا يشكل وباء كورونا اولوية اولوياتها في هذه المرحلة التي قد تدوم اشهراً.

ترسو خريطة المنطقة على المشهد الآتي:

في إيران، بداية وهن في تأثيرات سياساتها الاقليمية كانت بكورته اغتيال قاسم سليماني، ثم كان الارتباك الكبير الذي سببه الاغتيال، ما تطلب وقتا لتستعيد طهران انفاسها من هذه الصدمة المدوية، في ظل اشتداد عزلة شبه دولية بفعل العقوبات الاقتصادية والمالية والحصار الأميركي ـ الدولي لطهران، يضاف اليه حاليا هم وباء كورونا الذي يفتك بمسؤولين كبار في الدولة، بموازاة تفاقم الوضعين الاقتصادي والمالي، مع غياب الاستثمارات وتدفق الأموال.

فطهران تتوجس اعادة انتخاب ترمب لانه عندئذ ستوقن طهران انها باتت امام خيارين احلاهما مر: اما الذهاب في المواجهة حتى النهاية وهذا سيكون مكلفا جدا للشعب الإيراني، واما الرضوخ لمفاوضات جديدة على اتفاق نووي جديد تحاول ايران من خلاله الحفاظ على حيز من الحرية والسيادة في انتاج الطاقة النووية لأغراض سلمية.

في العراق، عودة الى المربع الاول بعد استقالة رئيس الوزراء العراقي محمد علاوي نتيجة الانقسامات الحادة بين القوى العراقية، وطغيان الاحزاب الشيعية ومحاولتها فرض اجنداتها الايرانية على اية حكومة يتم تشكليها.

في حين يستمر الغضب الشعبي ضد سياسات الدولة وتستمر معه حالة اللااستقرار واللاأمن مع تواصل عمليات الاعتداء على المصالح الاميركية في بغداد وانتهاج الحشد الشعبي اسلوب العمليات الموضعية ضد الوجود الاميركي العسكري في وقت تحاول واشنطن حفظ ماء وجهها بالانسحاب من العراق استجابة لشبه اجماع عراقي تجلى بقرار البرلمان العراقي والحكومة العراقية السابقة من دون المس بصورتها ومعنويات الجيش الأميركي، خصوصاً ان الجيش العراقي مرتبط تقنيا واستراتيجيا وعسكريا بالبرامج الاميركية للتدريب والتسليح، ما يجعل مهمة الانسحاب معقدة وصعبة .

فالعراق بانتظار تحديد مصيره في لعبة الكباش الجارية بين واشنطن وطهران بين من يكون له التأثير النهائي وكيف يحافظ على مصالحه ان سقط الحكم في يد اي من الطرفين. وباتت الفدرالية سمة النظام العراقي، اذ بينما الاكراد استقلوا شمالا والسنة في الوسط يخوض الشيعة معركة الاعتراف بكيانهم جنوباً.

اليمن، سلم امره للشعب بعدما فشلت طهران في تطويع اليمنيين من خلال الحوثيين وفشل التحالف العربي في الذهاب الى ابعد من ردع تقدم الحوثيين نحو الجنوب وبات مصير اليمن اليوم بيد اليمنيين بنسبة كبيرة، الا ان اليمنيين للأسف يتلهون في انقساماتهم الداخلية غير ابهين بمصالح بلادهم العليا.

سوريا التي باتت سياسيا واستراتيجيا وعسكريا في قبضة القيصر فلاديمير بوتين، المايسترو الذي نجح في لعبة دهاء سياسي يشهد لها في جمع الاضداد بداية وفي التنقل بينها ثانيا، اذ ما كان ليجمع بين تركيا وايران لولا بوتين ونجاح انشائه تحالف ثلاثي يحمي خلفيته الدبلوماسية تجاه الاميركيين. وما كان ليجمع بين مقاتلة الرئيس اردوغان جيش نظام الاسد طفل بوتين في شمال سوريا وبين استمرار روسيا في اعتبار تركيا جزء من سوتشي وعدم رغبة موسكو في الدخول في مواجهة مباشرة معه وعقد قمة معه منذ ايام للتوصل الى وقف إطلاق نار أعلنه اردوغان بما يشبه شبه رضوخ لصعوبة تحقيق اهدافه المعلنة في ادلب.

فسوريا هذه الذي لاقى فيها الاسرائيلي ما اراده من بوتين (ضمان الحدود الشمالية الشرقية من اي خطر ايراني وضمان الجولان )، ولاقى الاميركي ما اراده من بوتين (ضمان الوجود الاميركي شمال شرق الفرات )، والتركي ما اراده من منطقة 30 كلم عازلة شمال سوريا، لم تعد بالنسبة لبوتين الا مسألة وقت لترجمة صيغة حكم جديد لسوريا لن تكون كما كانت قبلا في ظل سيطرة موسكو على القرار والمصير وارتباط الاسد اكثر فاكثر بالقيصر بقاء او رحيلا وبشروط موسكو ووفق رؤية موسكو، خصوصاً ان النفوذ الايراني في سوريا انحسر بوضوح مع انتهاء المعارك الكبرى وباتت طهران تحت عباءة سوتشي لا تستطيع الذهاب بعيدا في فرض شروطها خصوصاً ان سليماني لم يعد موجودا .

متى الحسم؟

بانتهاء الانتخابات الأميركية، واعادة انتخاب ترمب، ما لم يطرأ ما لم يكن في الحسبان، عندها ستعود صفقة القرن لتطل على الفلسطينيين وقد تشكلت سلطة جديدة بمعزل عن الرئيس محمود عباس، واصبح العالم العربي المنهك بخلافاته وتشتت مصالحه اكثر تقبلا لما سيقرَّر للمنطقة في ضوء ما تكون قد تجمع من اوراق لدى كل طرف خلال الوقت الضائع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل