.jpg)
لم يكد رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ينهي كلمته، أمس، حتى انطلقت أبواق المعارضين لسياسته متهمة إياه بالاستهداف السياسي للحكومة من دون أن تتناول تلك الأبواق من كلمته إلا الخاتمة التي ألمح فيها إلى مقاضاة رئيس الحكومة ووزير الصحة إذا أدى الإهمال إلى تفاقم انتشار وباء كورونا وسقوط ضحايا كان بالإمكان الحد من عددهم، وغفل المنتفضون على تحذير جعجع باللجوء إلى القضاء، عن أن رفضهم لمقاضاة الحكومة ما هو الا دليل إدانة، وإلا لماذا يخشون القضاء؟
ومع تأكيد رئيس القوات على مسؤولية الحزب تجاه اللبنانيين كما واجب تكتل نواب “الجمهورية القوية” تجاه ناخبيهم وسائر اللبنانيين يحتم عليهم القيام بما يلزم في ظلّ ما يعتبره جعجع، على رأس شريحة كبيرة من اللبنانيين، تقصيراً وتأخيراً فاضحاً في التعامل بجدية مع تداعيات كورونا والنتائج الكارثية التي نجمت عنها في بلدان قريبة وبعيدة ومنها إيران، الأمر الذي كان يفترض من الحكومة عامة ووزير الصحة خصوصاً اتخاذ تدابير احترازية كان من الممكن أن تحاصر الوباء بشكل لا يتجاوز عدد ضحاياه الآن العشرة أشخاص عوض ملامستها المئة، كما هي الحال اليوم، بحسب البيانات الرسمية، على أمل الا يكون ما خفي أعظم.
كلام جعجع البعيد عن لغته المعتادة في الأمس ودعوته لإعلان حال الطوارئ، جاء بعد سلسلة مواقف أطلقها منذ بداية الأزمة واعتمد فيها اللغة الدبلوماسية من دون أن يرف للمعنيين جفن أو تسمعه أذن، فأطلق موقفه الحاد الذي سمعته كل الأذان وأطلق العنان لكل لسان، لكن يبقى الهدف الأساسي إطلاق حملة مقاومة صحية مدنية للحدّ من اللامبالاة والإستهتار.
أما اتهام رئيس “القوات” بالإستثمار السياسي فمردود جملة وتفصيلاً وذلك بالوقائع لا بالكلام، وتكفي العودة لمواقف جعجع حيال حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وبعدها حكومة الرئيس تمام سلام في غياب “القوات” عن الحكومتين، بحيث كانت القوات حريصة على عدم معارضتهما سياسياً إيماناً بدور المؤسسات، وحتى عدم معارضة حكومة الرئيس حسان دياب واتخاذ موقف حاد منها على الرغم من تموضعها السياسي المختلف جذرياً عن تموضع “القوات” وذلك رغبة منها في منح الحكومة فرصة معالجة الأزمات ووقف التدهور تحت سقف وحيد تلتزمه “القوات” هو مصلحة الشعب اللبناني وتأمين الغذاء والدواء والحد الأدنى من حقوقه من دون انتظار الأعاجيب.
أما ما جاء على لسان الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، فلم يختلف في الجوهر عن مضمون كلام جعجع، اذ أكد على ضرورة “الحدّ من انتشار الوباء ومن الخسائر البشرية”. لكن نصرالله ذهب إلى أبعد من المطالبة بإعلان حال الطوارئ، واصفاً كل من يتخلّف عن واجب الحفاظ على النفس البشرية بأنه يرتكب أكبر المعاصي تجاه الله. واعتبر أن كل من يتسبب بنقل العدوى وينتج عنها وفاة عليه أن يدفع ديّة القتيل.
كما تنصّل نصرالله من كل ما أوحت به الحكومة من ذرائع تشير إلى حزب الله لعدم وقف رحلات الطيران أو إقفال المعابر الحدودية وحتى إعلان حال الطوارئ، وبالتالي ما بعد كلام نصرالله غير ما قبله لناحية ضرورة اتخاذ التدابير الحكومية الآيلة إلى الحد من انتشار “كورونا” ومنها إعلان حال الطوارئ كما طالب جعجع.
هذا هو الوضع اليوم ولا خيار آخر أمام الحكومة سوى الخضوع لمصلحة المواطن وأمنه الصحّي، وأن تأتي متأخرة ليس أفضل من ألا تأتي أبداً ولكن قد يمنح الحكومة ووزير الصحة أسباباً تخفيفية، وندعو في الختام هذه الحكومة وداعميها إلى التنسيق في ما بينهم كي لا تقع الحكومة مرة جديدة في شبهة أن حزب الله يمنع وقف الرحلات الجوية التي كانت السبب الرئيسي في تفاقم انتشار الوباء، وكي لا يعود حزب الله للتنصل من هذا الأمر ويرمي المسؤولية على من يعنيهم الأمر في مراكز القرار، أما حملات التيار الفارغة فلا ضرورة للردّ عليها، “لي فيهم مكفيهم”.
