رحلة سمير جعجع عبر 14 آذاراته (1/2)

وكان ليلٌ، في العام 1982 ليخيّم على المسيحيين ولبنان إثر مقتل الرئيس بشير الجميل، لينتخب من بعده شقيقه أمين في مخالفة لرغبات الناس، إنّما في مشهدٍ جديدٍ من مشاهد الإقطاع السياسي الذي يستصرخ اللبنانيون منه رحمةً.

وصل أمين الجميل إلى بعبدا، فقامت معادلات وسقطت أخرى، وانهارت تحالفات وقامت أخرى. لم يخُض مفاوضاتٍ ناجحة مع أنداده اللبنانيين ولم يخض حروباً كاملة ضدّهم. فسقط المسيحيون في الجبل وتهجّروا، وسقط معظم لبنان في يد السوريين وسقطت العملة الوطنية للمرة الأولى بعد الحرب، فكانت هجرة وتهجير وبداية تغيير “سوسيو – ثقافي” في الواقعين اللبناني، والمسيحي خصوصاً، ليشعر المسيحيون بنهايتهم ويذهبون صاغرين إلى اتفاق ثلاثي من هنا وحكوماتٍ ترعاها سوريا من هناك.

وأخذت تتجمع غيوم اليأس ويزداد الفقر والعوز والحزن، ويعمل الجميّل على تمرير النصف الثاني من عهده بالكلفة الأقّل، إلى أن كان الإتفاق الثلاثي وكانت انتفاضة 15 كانون الثاني 1986 التي انطلقت  من سفوح دير السيدة العذراء في القطارة – ميفوق. هناك حيث راحت تتجمّع آخر مجموعات “القوات اللبنانية”، بعد الانكماش السياسي والعسكري القاسي بسبب الحصار ضدّها. وكان على رأسها شاب يدعى سمير جعجع، ترك كلية الطب في سنته الاخيرة ليلتحق بالعسكر ويلتحف غبار المعارك.

ينحدر سمير جعجع من عائلة متواضعة من بشرّي، حيث تتفنّن الطبيعة في حفر الصلابة على وجوه أبناء قنّوبين. وهو انتسب في أوّل العمر إلى حزب الكتائب مؤمناً بلبنان ورافضاً للاقطاع الشمالي. وتسلّم في بداية الحرب جبهة الشمال، وشارك في معظم المعارك العسكرية والمهمات الأكثر خطورة التي أمرت بها قيادة حزبه…

من قائد مجموعة في بشرّي إلى قائد وحدات الشمال، ثم قائد حرب الجبل بعجالة. وهناك أعاد تنظيم الضياع والحزن والانكسار والانحدار والاحتضان للأهل الهاربين من وهج الموت ومن معركة لم يردها هو، ولم يؤمن يوماً بضرورتها.

ومن بحمدون إلى دير القمر حيث تجمّع المسيحيون الباقون أحياء لينتقلوا بعدها إلى عوالم جديدة في الداخل والخارج.. عوالم أمعنت في قتل المزارع والفلاح في قلبهم، فقتلت بالتالي رغبة الكثيرين من شبابهم في العودة المستقرّة.

إستلم سمير جعجع المناطق غير الخاضعة للنفوذ السوري في تلك الفترة والمعروفة بالمناطق المحرّرة، وحوّلها في أقلّ من سنتين إلى واحة سياسية واجتماعية وفنية وثقافية عبر تنشيط الإعلام المتلفز والمسرح واللقاءات السياسية والفنية. وفتح باب العلاقات على مصراعيه مع خصوم نظام سوريا، من منظمة التحرير إلى صدام حسين إلى دول الخليج كافة وعلى رأسها السعودية والامارات.

وفي أقلّ من سنتين أعاد “كودرة” القوات وحوّلها جيشاً كامل المواصفات والتسلسل العسكري بأسلحة وعتاد وشعب، ووسم مناطق نفوذه بقبضة حديدية أوقفت إلى حدّ كبير جداً العمليات الأمنية والتفجيرات التي تلت انتفاضة 15 كانون الثاني والتي كانت تودي بالمدنيين في جونيه والأشرفية وسواهما.

بدأ النقل المشترك يدور في تلك المناطق وبدأت العمليات الجراحية المدعومة من الجهاز الصحّي القواتي، وازدهر دور القوّاتيين. لكنّ سوء تسويق المنتج القواتي ودور الأجهزة في تحريض المجتمع على أنّه يدفع ضريبة على البنزين والخبز وسواه، بدأ يتراكم ليهدّد مشروع دولة كاملة تصلح لأن تكون نموذجاً يحتذى لكل لبنان حين يحلّ السلام.

إتّخذ سمير جعجع قراره: تعزيز وتنظيم البنية العسكرية للقوات عاطفاً عليها تثمير المدّخرات لحماية القاطنين في المناطق “الحرة” أو الخارجة عن سلطة الجيش السوري.

ظاهرة عون

إنتهى عهد أمين الجميل ليسلّم الحكومة العسكرية السلطة برئاسة قائد الجيش ميشال عون،  فعمل هذا الأخير تحت العنوان الجذّاب للرأي العام: “الشرعية” وحقّ المواطن في ماله، ولا ضريبة تدفع للقوات، وأطلق العنان لأوّل مواجهة عسكرية داخلية بين الجيش والقوات اللبنانية في 14 شباط 1989، ليعود سمير جعجع من سفر إلى الخارج ويعلن رفضه المواجهة مع عون ويقدم له كل ما أمكن لتحاشي الصدام مع الجيش.

لكنّ لعنة رئاسة الجمهورية كانت أقوى. فما إن رفض الأسد التجاوب مع عون بعد توجيهه ضربة احترازية للقوات وطالبه بالمزيد منها، حتى جنّ جنون عون على الأسد، وأعلن في 14 آذار من العام نفسه بداية “حرب التحرير” ضدّ سوريا، وصولاً إلى دمار كامل واقتصار المواجهة على سلاح المدفعية من دون أيّ عملية نوعية تُذكر، باستثناء ما فعلته قوّة الصدم في “القوات اللبنانية” بموقع جلّ البحر. وانتهت المعركة بمحاولة خرق الخطوط في سوق الغرب من قبل السوريين وقوات الحزب التقدمي الإشتراكي، ورضوخ عون لمشروع  وقف إطلاق النار وفق شروط غير متوازنة، لم يأتِ من ضمنها على ذكر الجيش السوري بل هو وقفٌ للنار بين اللبنانيين المتحاربين.. وعلى الإثر أُقرّ اتفاق الطائف، ليجمع ميشال عون النواب في بعبدا ويحرّض ضدّ الاتفاق بعدما تأكّد أن ّالرئيس المقبل سيكون رينيه معوض وليس هو. ووزّع شعاراً عبر الأجهزة يقول: “لا للطائف لا لعملائه”، وما “عملاء” الطائف إلا البطريرك صفير وسمير جعجع اللذين فضّلا وقف الهجرة والدمار والحروب العبثية السخيفة على الاستمرار في المجهول.

إندلعت حرب النهايات في الأوّل من كانون الثاني 1990 بين عون عبر الجيش المأمور منه من جهة، وبين “القوات اللبنانية” من جهة أخرى، وانتهت بتدمير إضافي وبمعادلة أدّت عملياً إلى انتصار القوات باعتبار أنّه لم يتمكن من إنهائها، وأودت إلى محاصرة عون في بعبدا وبعض المتن الشمالي.

وأعلن عون أنّه لن يغادر بعبدا إلا جثة، وأنّه “متل مدلج بموت عالبوابة”. لكنّ التراجيديا المارونية جاءت أكثر شيكسبيرية، فحشدت الموت والإعدام على الطرق المؤدية إلى بعبدا من ضهر الوحش لضباطٍ وجنودٍ أشدّاء في الجيش اللبناني، بعد اجتياح سوري لبعبدا بقرار دولي – عربي أدّى إلى لجوء عون إلى السفارة الفرنسية وإلى قلب موازين القوى لصالح سوريا في المعادلة المحلية من جديد.. وحتماً إلى نهاية المارونية السياسية.

كان جعجع في هذه المرحلة ينتقل من جلجلة إلى أخرى محاولاً تخبئة قواته ولملمة ما تبقى مما بناه – قبل مجيء عون – لزمن أفضل، لكنّ الحسابات الدولية وما تلاها في الإقليم طغت على التفاصيل المحلية، وجعلت حافظ الأسد يمسك بالورقة اللبنانية بيد من حديد، فتم اعتقال جعجع  في عهد حكومة الرئيس رفيق الحريري الذي لم يتمكن إلا أن يعرض عليه اللجوء إلى سفارة الفاتيكان أو الهرب، لكنّ الأخير رفض وأصرّ أن يبقى مع رجاله ويواجه مصيره.

مرّت السنوات مثقلة بالأحداث والمؤامرات وأجواء من صيانة الدولة الأمنية الرعائية على حساب الإنماء، ليترحّم اللبنانيون على زمن الانتداب الفرنسي الذي قدّم لهم الكثير في حين الانتداب السوري جنح نحو “العثمنة” في أخذ كلّ شيء مقابل لا شيء إلا الأزلام والصفقات.

مرّ سمير جعجع في معتقله بمراحل المحاكمات السياسية وظلامتها، بحركة شبابه باتجاه بكركي وتعرّض زوجته ستريدا لمختلف أنواع الإساءات كلّما أتته بزيارة. لكنّه لم يرافق مراحل صحوة السنيّة السياسية في لبنان في مراحلها الأخيرة، أي بعد اغتيال رفيق الحريري في العام 2005 وخروج السوريين من لبنان وخروجه من المعتقل. إنتقل بعدها إلى العمل السياسي وإعادة تنظيم القوات وفق إسس إكثر مدنية.

المصدر:
أساس ميديا

خبر عاجل