الأب الياس العنداري في رثاء الأباتي القسيس

كتبت “المسيرة” – العدد 1704

الأب الياس العنداري في رثاء الأباتي القسيس: كأنه خُلق لعظائم الأمور

 

قال الحكيم صاحب الأمثال: «أُعطوا الرجلَ من ثمر يديه، ولْتَمْدَحْهُ أعمالُه» (أم 31/31).

في الوقت الذي أقف فيه أمام أحباء الراحل العظيم الأباتي شربل القسيس، رئيس عام رهبانيتنا الأسبق، أشعر بارتباك واندهاش أمام عظمة هذا الرجل. وإذا سُمِح لي بالإفصاح، أشعر بأن الكلام عاجز عن إيفائه حقه.

من لم يسمع بعظائم الأباتي القسيس ومدهشات حياته؟ تُحِدِّث فيه كثيرًا، وفي أنحاء العالم كافة. اللبناني، الراهب اللبناني الذي يتباهى بالأباتي لا يزيد الناس معرفة به.

أرى ذاتي عاجزًا عن تعداد صفات الراحل الكبير. الحكيم كاتب سفر الأمثال هو على حق بقوله: «أُعطوا الرجلَ من ثمر يديه، ولْتَمْدَحْهُ أعمالُه».

كل مديح يبقى هزيلاً أمام الرجال العظام. بساطة كلمتي اليوم في ذكراه، قد تكون أمينة لمجد الأباتي، بانتظار أن ينصفه المؤرخون. هو الذي شرّف البيت الرهباني واللبناني، وكل راهب وجميع اللبنانيين.

 

أولاً: الله يصنع العظماء

في سفر أشعيا النبي أوحى لنا الله أنه هو يختار الرؤساء وقادة الشعوب، ويستعملهم لتحقيق تصاميمه. إختار مثلاً، قورش الملك، مؤسسة إمبراطورية الفرس (إيران اليوم)، وذلك قبل المسيح بست مئة سنة، وما كان يهوديًا. قال الرب: «لقورش الذي أخذتُ بيمينه… إني أسيرُ قدامك فأُقوِّم المُعْوَجَ… وأُعطيك كنوز الظلمة ودفائن المخابئ» (آش 45/102). واختار أيضًا دانيال النبي: «وكان صاحب بصيرة وحكمة» (دا 2/14).

ما قيل في قورش وعن دانيال، يُقال أيضًا عن الأباتي شربل. فقد وهبه الله قوة لا تُغلب لخلاص لبنان، أثناء الحرب فيه.

كانت يد الرب معه. فمَلَك من الحكمة أغناها، ومن الرؤية أصفاها ومن الرؤيا أبعدها، ومن الصلابة أقواها، ومن الشجاعة أبسلها. كان أكثر من أنبياء العهد الأول. هو حامل تراثات ألفي سنة: من أنطونيوس كوكب البرية، يخرج من صومعته ليدافع عن الإنسان وكرامته، معرّضًا بنفسه أمام الملوك والحكام. من مارون الإلهي، بعزم يدافع عن الإيمان ونقاوة العقيدة. من يوحنا مارون، مؤسس الأمة المارونية، وحامل سيف الحق ضد الظلم والبُهتان. ومن تاريخ رهبنة عمرها ثلاث مئة سنة (تأسست سنة 1695)، عَمِلت للإنسان اللبناني، للحضارة، للثقافة، للعمران، للحرية، للإستقلال، للدفاع عن القيم، كل القيم. الأباتي هو وريث أمجاد وطنية، دينية ورهبانية، حافظ عليها حتى بذل الذات. وما وفّر صحته، ولا وقته، ولا مساعديه في المسؤولية، ولا رهبانيته. وكان يحلم ببزوغ فجر اليوم العظيم: إنهاء حرب الآخرين على أرض الوطن، وتحرير الإنسان والإيمان.

ما عبئ بما قيل فيه وعنه وعليه. إيمانه المسيحي واللبناني غذّاه ودفعه للعطاء. إنتصاراته، باسم الرهبانية، مزجها بروح المغفرة لكل من أساء الى الوطن أو الى الإنسان. وبعد نهاية رئاسته العامة، واستتباب بعض السلام في لبنان، سجد الأباتي القسيس وشكر الله ومجّده على كل النِعم التي أسبغها عليه، وسأله للوطن سلامًا وللشعب إزدهارًا وسعادة.

 

ثانيًا: الأباتي الراهب والمسؤول

منذ دخوله الحياة الرهبانية سنة 1942 في الخامسة عشر من عمره، كان شخصًا مميّزًا، كأنه خُلق لعظائم الأمور. كان دائمًا في الطليعة بين الرفاق، في الدروس وفي القيادة، لذا تسلّم مسؤويات عدة: من معلّم الى مدير الى رئيس الى رسول، ثم الى مدبّر، حتى الى رئيس عام وهو في ربيع رجولته، وفي أحلك الأيام وأصعبها على لبنان وعلى الرهبانية. في كلها كان صاحب لباقة نادرة، وعِلم ومعرفة في جميع الحقول.

قضى حياته الرهبانية في عمل ورسالة، وفي ورشة ما عرفت حدًا، إلا بتوقف قلبه الكبير في الثالث عشر من شهر شباط الساعة العاشرة والربع ليلاً من سنة 2001، في مستشقى سيدة المعونات ـ جبيل، بعد آلام دامت زهاء ثلاثة أشهر.

الأباتي الراهب، هو وريث قيم مسيحية من عائلة القسيس النبيلة التي نعرفها ونجلّها ونحترمها. العائلة أعطت رجالاً أكفاء للكنيسة وللوطن، يُشهد لهم ويُفتخر بهم.

كان الأباتي ثمرة من هذه البيئة القرطباوية المتأصّلة في الإيمان المسيحي، كان مسيحيًا أصيلاً وراهبًا صادقاً، ومسؤولاً ما ساوم على الحقيقة. كان عنيدًا في أرائه، ما حابى وجه أحد، وما بدّل مواقفه «الشربلية». أحبه كثيرون وإن لم يستطيعوا التشبّه به.

أحب الرهبانية وكل راهب فيها. طالب وتحرّى الأمور. وبّخ بكل تعليم وأناة. فتش عن خير الراهب والرهبانية. حافظ على الأشخاص والأمكنة، ورثة الأجداد، إهتم بأملاك الرهبانية، عَمِل على تحديث المشاريع فيها كرمى خير الإنسان والوطن. تشبعَّ من تعاليم الكنيسة الإجتماعي وشدد على تطبيقها ضمن الرهبانية. رسائله العامة، مدى ست سنوات، تشهد لمحبته للرهبانية، وبشوقه بأن يجعلها على المستوى المطلوب وبخطّ فكرة المؤسسين الذين أرادوها لخدمة الدين والوطن، بدون أي تمييز بين أبناء الوطن الواحد.

إغتنى الأباتي شربل من مسيحيته ورهبانيته وعلاقاته الإنسانية، فأغنى تاريخ الرهبانية ولبنان.

 

3 – الخلاصة

هذا قليل من كثير أضواء شخصية الأباتي القسيس. هذا ما شهده عصرنا براهب كاهن رئيس عرف الإفادة من التاريخ ومن نعم السماء. والآن استراح من شقاء «وادي الدموع». الآن إرتفع فوق ذاته وفوق الأشياء جميعًا. الآن تخطى الرجاء وانتظار الشعوب والرهبان. وبقدر ما كان شجاعًا، ذكيًا، بقدر ذلك يكون مصيره مجيدًا. هذا ما أعطاه الله بشخص الأباتي شربل.

صمُت صوته، ووقفت شجاعته، أما ذكره فيبقى في القلوب أبدًا. آمين.

 

*رئيس دير سيدة المعونات ـ جبيل

في رثاء الأباتي القسيس في قداس أسبوع على رحيله

كنيسة سيدة النجاة، حبوب ـ جبيل

في 25 شباط 2001

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل