.jpg)
شكّلت مواقف رئيس حزب “القوّات اللبنانية” سمير جعجع حدثاً لافتاً حرّك الرمال السياسيّة الرّاكدة في البلاد وزعزع رتابة الحكومة. لم يأتِ إعلاء السقف الخطابيّ محض صدفة. في المعلومات، أن مرحلة تطوّر خطاب المعارضة انطلقت. وتُرسم هذه المرحلة مع خطب ومواقف أكثر حزماً وحديّة، ستتظهّر في القابل من الأيام. يأتي ذلك لاعتبارات عدّة، رُسمت آخر فصولها بمحاولة “حزب الله” الانقضاض على النظام المصرفيّ اللبنانيّ. يهاجم جعجع بأكثر من سيف. في المضمار السياسيّ كما الاقتصاديّ والصحيّ. وأتى وقع ملاحظاته الصحيّة، الأقوى. وعندما يُسأل المعنيّون عن الأسباب التي أدّت بجعجع إلى توسيع رقعة الهجوم إلى مضامير مختلفة، تأتي الإجابة بأنّ الملاحظات التي سطّرها في شأن قضية “الكورونا” صحيّة غير سياسيّة ومنبثقة من “نصيحة حكيم”.
تبدي المجالس “القواتية” خشية كبيرة من مجهولٍ يطلّ برأسه بعد تعليق دفع سندات “الأوروبوندز” ودخول البلاد في أتون التخلّف غير المنظّم. لا تزال الحكومة في موقع المتباطئ. ويدق الخطر على الأبواب مع استكمال فصول إفلاس لبنان وإغراقه أكثر في المستنقع الايرانيّ عبر تمزيق الهوية المصرفية والإطباق على المصارف ووضع اليد على ما تبقّى من احتياطات وودائع للبنانيين في المصرف المركزيّ. وليس من شأن مخطّط من هذا النوع تصويب عمل أيّ مؤسسة مالية، بل يُترجم في خانة ضرب مرتكزات لبنان.
تُحكم اليد الإيرانية قبضتها على الورقة اللبنانيّة أكثر من أيّ وقت. وتفيد المعطيات بأن واقع الحال بات يستدعي تدخّل “القوات” وتشغيل صافرات الإنذار داخلياً وخارجياً، ونقل الانطباعات عن فداحة مآلات الوضع والمخاوف من خسارة البلاد مع استفحال السيطرة الإيرانيّة. وأقرب ما يمكن إلى التصوير، الجلجلة الملحقة بما تبقّى من وطنيين مؤمنين بكيانيّة لبنان وهويّته في هذه الأرض، في رأي المراقبين، ووجهة الهجرة المرسومة على وجوه هؤلاء على اختلاف مشاربهم وطوائفهم، ما يترك البلاد ساحة قاحلة أمام الملحقين بالمشروع الإيرانيّ.
يأتي تطوّر خطاب المعارضة عابراً للحدود وبالتقاطع مع المجتمع الدوليّ. ويتلقّف المعنيون مرحلة جديدة بدأت تتبلور من تصدّي الأسرة الدولية لمشروع “حزب الله” وانعكاساته بما فيها منعه قيام الدولة. ويردّد نائب معارض في مجالسه: “لسنا وحدنا في هذا الاتجاه، إذ تتكامل مساعي المعارضة مع اتجاه إقليميّ ودوليّ”.
ويدفع نزف الاغتراب المسيحيّ على وجه التحديد إلى التحرّك مع تضاعف أعداد طالبي الهجرة على أبواب السفارات، وفي وقت أضحت فيه عبارة “هجرة” من الأكثر تداولاً على منصات البحث الالكترونية. وباتت حساسيّة هذه القضيّة محطّ اهتمامٍ دوليّ تخطّى حدود الوطن الأمّ وعبَر إلى الفاتيكان بمساعٍ من رجال دين. وتشير المعطيات إلى أنّ حراجة الأوضاع في البلاد بدأت تبلور قناعات في بيئات لبنانية متعدّدة حول ضرورة توسيع صلاحيات الأقضية والبلديات تحت سقف دولة واحدة. وثمّة من يختصرون الطريق والمصطلحات، مطالبين بالاحتكام إلى صيغة اللامركزيات الموسّعة.
تقابل هذه التطوّرات انتقال “حزب الله” من موقع الهجوم إلى موقع الدفاع المترافق مع تقدّم بطيء في قضم المزيد من مساحات السيطرة. وقد أظهر الخطاب الأخير للأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله نوعاً من المهادنة على الصعيد السياسيّ الداخليّ بعدما وصلت الأوضاع إلى ما وصلت إليه. وكأنّ الأمور أشبه بقيادة سيارة من دون مكابح. ويتقابل شعور “حزب الله” بالقوّة خلال قيادته السيارة اللبنانية أو ما يسميه تقدّم مشروعه في المنطقة، مع هواجس متزايدة بدأت تظهر علانية في سلوكاته، من استمراره في القيادة من دون قدرة السيطرة عليها. وهذا ما يجعله يحتكم إلى محاولة فتح قنوات التواصل مع قوى المعارضة. ولعلّ المشروع الايرانيّ يتحوّل “كاساً مرّاً” على “الحزب” نفسه، مع تعاظم الخطاب المعارض داخل بيئته الشعبية وإرباكه في كيفية التعامل مع هذا الواقع المستجدّ.
ويتردّد أن استراتيجية مواجهة مشروع “حزب الله” من خلال ترك الساحة اللبنانية خالية له وتسليمه مقاليد الحكم والسلطة، أتت أكثر فعالية من التصدي للمشروع بطرق أكثر عناءً أو براغماتيةّ، ومن الأمثلة على ذلك الأسلوب التشاركيّ في السلطة الذي تحوّل إلى مصدر فائدة لـ”الحزب” وأدّى إلى تقوية نفوذه على حساب الآخرين. وتثبت معادلة تسليم “الحزب” مقاليد السلطة أن المشروع الذي يؤيّده أشبه بضوضاء لا تلبث أن تنطفئ بمفردها في ظلّ عدم قدرة المشروع على الاستمرار طويلاً أو محاكاة لغة الشارع وطموحات الشباب، وهذا ما أثبتته ثورة العراق وانتفاضة لبنان.
حلّت ذكرى الرابع عشر من آذار قبل أيام. لا يزال الرهان على الثورة مستمرّاً رغم الظروف الصحية التي استدعت إلى تأجيل مشهد العودة إلى الساحات. إلّا أن فترة الهدوء تُستثمر في تعزيز التواصل بين المجموعات ومدّ جسور التواصل والتعارف بين الشباب. العودة حتميّة في المستقبل القريب، في انطباعات المعارضين والمنتفضين على حدٍّ سواء، رغم اختلاف الشعارات والإضاءات. وبدأت مطالب جديدة تطفو على السطح وتتناقل في صفوف عددٍ من شباب الانتفاضة، منها المطالبة بحكومة طوارئ مستقلّة قادرة على إدارة زمام الأمور. ويتقدّم هذا المطلب في رأي البعض، على الانتخابات النيابية المبكرة، في ظلّ الظروف الاستثنائية وأزمة “كورونا”.