صار ترابك إنتماء

كتبت “المسيرة” – العدد 1704

 

عانق الأفق.

ضم الصليب والوطن ورحل في اللامدى واللازمان.

إنكسر الجسد وتوارى، والجسد دوما مناوئ.

كبير لم يسقط مجذافه من يده.

أبحر من ميناء الغربة بكبرياء، فأعاد الى الأرض عزتها واستعادت السماء بعض ذاتها.

راهب رفع عباءته بيرق أباء وستر «بمشلحه» عري العراة و»بزناره» المشدود الى القيم طرد الباعة وتجار الهيكل، فممنوعة عنده الإستباحات.

رفض المفروض. لم تستوقفه ضوضاء الذاهبين الى المهرجان. لم ينخدع بتهافت المهرّجين والمزمّرين. ولم يلتمس النجاة ممن شيمتهم الخوف والإرتهان…

الأباتي شربل القسيس

وجهه على شفافيته مندور على أحزان الناس. عقله ترجمان قلبه، وقلبه مرسوم على الحب والحنان، وفي كفيه مواسم رحمة وعطاء.

جذع أرزة مكتهلة.

آخر طائر بين نسور التاريخ، في حقبة موجعة من الوطن، يحلّق في فجوة المدينة الضائعة من دون أن يلطّخ جناحيه بغبار الإنكسار.

رحيلك سيدي، مقيم على ضفة الجروح.

في حضن الإله تقيم، في التجلّي.

صباحك الأرض والحقول ومساؤك رائحة الورد ولن تغيب.

جُبلت كغيرك من تراب، فصار ترابك إنتماء.

قنديلنا بعدك شاحب. وفي سواد الأفق ضجر، وسبات.

مدرستك قليل رجالها.

في قاموسك لغة واحدة ومفرداتك لا تحمل التأويل.

كتابك لم يُفتح يومًا على صفحات الهجاء كما يفعل المدعون، ويا ليتهم يرعوون.

أيامك لم تسقط في تيه، بل ضاقت فيها مساحات الأحزاب ـ رغم التهجير ـ فكانت الأديار تحتضن المآسي في وطن لم يعد يؤوي أهله، وصار الغرباء شامة على وجه المكان.

عمّدت بعض الأيام باسمك، فصرت وجه نبي يمنع اليأس ويفك الأغلال.

وكانت كلمة «الأباتي» وحدها سرير الموجعين والمقهورين. بها أعدت ربيع الزمن الذي شاخ، يوم صارت الأيام أشلاء والرجال موتى والريح غطاء الوعود.

ما أنت إلا قلق يولد في عيون الأجيال الحالمة، وفجر للزمن المقبل، تولد في كل غد من جديد.

منهم من يحملون جثثهم و»كالحرباء» يتلوّنون، ومنهم من يلبسون ثوب العفن.

علّمتنا أن الوجوه تيبس تحت الأقنعة، فلنشرّع وجوهنا للشمس ونبق للعلى.

علّمتنا أن بقع الإستزلام تلطّخ الحياة وترجم الكرامة وتدفن الحياء.

علمّتنا أن الدمى أصنام تائهة تصلح للزمن المكسور.

واليوم تفتقدك رهبانيتك الشاهدة بريق الفخار في عينيك.

رحيلك حق لأن موطنك السماء مع أحبّة حملوا الفجر على أكتافهم ورحلوا قبلك.

إنها رعشة الوصول… في موكب الأبرار والصديقين.

بين الأب لويس خليفة والأب إسطفان صقر تركت وجهك ورقدت. وفمك ينشد: «ها أنا أولد الآن… فلتفتح أبوابها السماء».

الأب جوزف دكاش (22 ـ 2 ـ 2001)

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل