قصتي والرهبان «البلديين»

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1704

كان عمُّ جدي راهبًا في الرهبنة اللبنانية المارونية، وترأس طويلاً دير مار بطرس وبولس العذر في بلدة العذرا المجاورة لقريتي المرادية في فتوح كسروان، وعلى ما أذكر من حكايا الوالد أنه ترأس أيضًا دير سيدة طاميش. وبعد التدقيق، تبيّن أنه تولى رئاسة الدير المتني العريق بين العامين 1913 و1916، أي قبيل وفي عز الحرب العالمية الأولى، عندما كانت الرئاسة العامة في طاميش وقبل أن تنتقل بعد حين إلى دير المعونات. لقد كانوا ينادونه «القسيس يوسف»، على عادة ذاك الزمان في النصف الأول من القرن الماضي، إذ كانوا يستخدمون هذه الصفة أكثر من عبارة أبونا أو بونا، كما كانوا ينادون الأخ الراهب من غير الكهنة ب»خِي» إختصارًا لأخي، وهو ما كانه الطوباوي الأخ أسطفان نعمه.

وكان القسيس يوسف صارمًا ومقتصدًا جدًا، لكنه كان شديد التقوى، وكان جدي يرسل والدي، وهو فتى، مشيًا إلى الدير ليساعد القسيس يوسف في خدمة القداديس وفي أعمال الدير، وقد تناوب على رئاسة الدير مع القسيس يوسف القسيس الياس الذي كان كريمًا  و»مسايرجي»، ويأنس له أكثر أهل الجوار، لكنهم كانوا يهابون القسيس يوسف ويتخشعون أكثر في قداديسه.

ويروي والدي أنه ذات مرة عندما كان في الدير ولم يتجاوز الثانية عشرة عمرًا، قال له القسيس يوسف: يا ابني انتبه وما تفتح لحدا، أنا نازل ع جونيه جيب شوية غراض وراجع بعد الضهر». راقب والدي القسيس يوسف يبتعد ثم يغيب عن ناظره، فقفز إلى خزانة المطبخ و»فقس» خمس بيضات في المقلاة، ولما همّ بتناولها فاجأه القسيس يوسف عند باب المطبخ وهو ينهره، ونظر إلى المقلاة قائلاً: يا إبني خمس بيضات هودي كتار عليك لشو كلّن؟ فترك له بيضتين وأقفل على الباقي في صحن في الخزانة ومضى في سبيله إلى جونيه.

ومع ذلك كان يذكره والدي بالخير والحب، إذ تعلّم منه الكثير، على أن جدي ولشدة إعجابه بعمه، رغب أن يُدخل والدي إلى الرهبنة، فاصطحبه بعد حين إلى «دير الإبتدا» ، وكان دير سيدة نسبيه في غوسطا، بعدما اشترى له ثيابًا جديدة وحاجيات متنوّعة، لكن والدي الذي لم يمانع لأول وهلة، لم يتحمل «الزربة» أكثر من يومين، فأعاده جدي الى البيت «إذ لم تكن دعوته» على ما كانت تقول جدتي التي لم ترحّب كثيرا بترهّب ابنها البكر.

لقد عُرفت قريتي المرادية طويلاً بأنها خزان كهنوتي، إذ أعطت رهباناً مجلّين في رهبانيات عدة، بينهم الأب ميشال عطالله الزائر الإقليمي للآباء اللعازاريين في الشرق ورئيس معهد القديس يوسف عينطورة، والأب مارون مراد الراهب الأنطوني الذي اشتهر بروعة صوته، وقيل في صوته إنه كان يتفوّق قليلاً على صوت وديع الصافي قوة وعمقاً، ومحظوظ من كان يشارك في القداس الذي كان يحتفل به بونا مارون في جزين، (حيث ترأس دير مار أنطونيوس سنوات عدة)، ويخدمه المطرب الكبير، وقد كانا صديقين ودودين.

مضت الأيام وتسلّمت الرهبانية اللبنانية المارونية مدرسة القلب الأقدس للأخوة المريميين في جونيه التي انتقلت في أواسط الستينيات الى ديك المحدي، لكن والدي فضّل إبقائي في المدرسة التي أصبحت المدرسة المركزية، وكان أول رئيس لها الأب والمدبّر لاحقاً المرحوم يعقوب السقيّم ابن خال والدتي، وكان بدوره صارمًا و»قانونيًا» على ما يقولون. كبرت في حب الرهبنة اللبنانية لا سيما في ظل المدرسة وقناطرها الجميلة وقوافل الرهبان الذين عايشناهم وخدموا فيها وتولوا إدارتها بمزيج من التسامح والحزم، علمًا أنني صادقت أيضًا عددًا من المرسلين اللبنانيين الموارنة الذين كانوا في الغالب مرشدين للحركة الرسولية المريمية التي اختارني الأخوة لترؤسها في حارة صخر وفي أبرشية جونية، وبينهم مطران كندا الحالي مروان تابت.

في كنف المدرسة المركزية ولاحقاً خلال دراستي التاريخ في جامعة الروح القدس الكسليك، تعرفت أكثر إلى روح هذه الرهبنة وعرفت الكثير من أخبارها وبعض أسرارها، وأكثر ما تأثرت بوفاة الأب يوحنا سعادة بحادث سير، وهو الذي تولى إرشادنا لفترة في فرقة الحركة في حارة صخر، وكان راهبًا طيبًا جدًا ولطيفاً جدًا، وشديد التواضع على الرغم من نيله الدكتوراه عن دراسة حول الفيلسوف اللبناني رينيه حبشي وفكرة المتوسطية.

وأذكر في ما أذكر أنني بعدما ابتعدت بسبب العمل عن النشاط الرسولي وانتقل الأب سعادة من الكسليك إلى دير مار شربل حريصا، قصدته للزيارة. سألت عنه عند وصولي، وفتشوا عنه في الدير فلم يجدوه، وقالوا لي لعله يتمشى في الخارج أو في الحديقة.

وبعد بحث من دون طائل، لاحظت جلّاً طويلاً مزروعًا باللوبياء، وقد راحت تهتز بعض نباتاتها، فولجت بين صفوفها الغضة لأجد الأب سعادة يقطف قرونها ويضعها في سلة، وقد كدّه العرق وضاق نفسه. ولما رآني إحمرّت وجنتاه المحمرّتين أصلاً وابتسم وراح يعتذر، فقلت في نفسي: يا له من راهب ما زال يوزع وقته بين الصلاة والدراسة والعمل في الحقل.

في جامعة الروح القدس، سمعت أكثر عن الرئيس العام الأباتي شربل القسيس ودوره المحوري في الجبهة اللبنانية وفي المساهمة الكبيرة في مساعدة المسيحيين في الصمود على أكثر من خط: فتح الأديار والمدارس للمهجرين ولا سيما من الدامور وعكار والبقاع، وقد علّمتُ في المدرسة المركزية صفّين تكميليين بعض المواد لأبناء الدامور المهجرين بعد الظهر بتوجيه من الرهبنة من دون مقابل لمساعدة التلامذة على إكمال سنتهم الدراسية.

كما ساعد الأباتي القسيس في دعم الصمود العسكري بتقديم مساهمات مادية للشباب المقاتلين في ظل الهجمات الشرسة التي تعرضت لها المناطق المسيحية من الجماعات الفلسطينية المسلحة بالدرجة الأولى، وقد أُطلق على الرهبان في حينه تحببًا أو تهيّبا لقب الجيش الأسود.

لقد كان وجود الأباتي القسيس في صلب الجبهة اللبنانية كأحد أركانها إلى جانب كبار رموزها مبعث إطمئنان وارتياح، لا سيما وأنه، في رأي البعض،عوّض الضعف الذي أصاب موقف الكنيسة المارونية في ظل البطريرك الراحل مار أنطونيوس بطرس خريش، علمًا أنني سعدت آنذاك بوصول الأباتي بولس نعمان خلفاً له، بعدما عرفته خلال الدراسة عميدًا لكلية التاريخ في جامعة الروح القدس، وكان من أبرز الساعين والداعمين لتأسيس إذاعة لبنان الحر في دير مار بطرس وبولس العذر تحديدًا، بموافقة ومباركة الأباتي القسيس، والتي يلوّن أثيرها صبح مساء من أرشيف فريد حافظنا عليه بعناية ولا يُقدّر بثمن، صوت الراهب اللبناني الماروني الموسيقار الأب يوسف الأشقر أطال الله بعمره.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل