#adsense

ولما مضى يسوع… شكرت كورونا

حجم الخط

بالكاد قرية صغيرة متواضعة هذا العالم، بالكاد. على الاقل هذا ما نشعر به، او هذا ما جعلنا نلمسه لمس اليد وباء كورونا. كأنه فيلم خيالي سوريالي يجري تصويره في شوارع العالم، والمخرج وكاتب السيناريو واحد أحد، والابطال؟ نحن، العالم، البشر، اذ لا دور يُذكر للحيوانات، وكأن تقصّد المخرج ان يُقصيهم من المشهد، وتركنا نتفرّد بأدوار البطولة المطلقة.

غريب غريب غريب ما فعله كورونا بنا. ذاك الوباء المتوحش النهم لاقتناص ضحاياه، تبيّن في مكان ما انه أكثر رحمة من الانسان نفسه على نفسه! قرّبنا كورونا من ذاك المخيف المتربص في داخلنا، الانا. جعلنا أكثر التصاقا بحالنا الدفينة، وتبين ان حالنا تلك فيها الكثير الكثير من الخير المخدّر إذا جاز التعبير، ولا ينتظر الا من يوقظه من الاغفاءة الطويلة… واستيقظ!

كتب كثر انهم بجلوسهم الالزامي في البيت اكتشفوا حب العيلة، وتنبّهوا الى تفاصيل كثيرة كان الزمن السريع قد ابتلعها ونهبها منهم. معهم كل الحق. كلنا اكتشفنا كم اغرقنا الزمن التافه بتفاهاته الى درجة الضياع المطلق. باختصار استعدنا فرح المشاركة في التفاصيل الصغيرة. استردينا من الزمن سعادة البساطة.

“اول مرّة بشوفك عم ترقصي بالبيت ستي” قالت لي ستي. انا اصلا لا ارقص الا الزاما في مناسبات نادرة، انزربنا بالبيت فرقصت للعيلة ليضحكوا عليّ. لنتسلى ونتسامر طوال الليل. لعبنا الورق. يا ويلي تذكرت لعبة الباصرة، اتذكرون القاشوش والبنت الكبا التي تهزم الشب؟ “قوم تـ نلعب باصرة والشاطر ياكل باصرة ويللي بيخسر يا محبوب بدو يمشي بالمقلوب من البرج للناصرة” تغني صباح. لن نمشي الى اي مكان يا صبوحة الاسطورة، لكن فلنلعب الباصرة، ربح بيّي. خسرت اختي، جدي اجتاح الجميع. طيب لاقوني ع لعبة الـ 14. انا ملكة وسأربح حتما… وخسرت حتما حتما وتوعّدت الجميع برد الاعتبار غدا او بعد غد او بعد بعده. شو عنا قاعدين كلنا بهالبيت.

حلو وجهك ابي، متل القمر، واخبارك العتيقة احلا واحلا. هي لذة السمر والحوار بعدما كان تحوّل اللابتوب الى الاخر الوحيد في حياتنا. احلم؟ لا، هو الواقع، عصفور الى نافذتي معقول؟ هو كل يوم يحط هناك يا بنت، لكنها المرة الاولى التي انتبّه له، فأهرع لإطعامه حبوب القمح. كان قمحي بدأ يعفّن في الكوارة لأني نسيت انه بركة الرغيف ونعمة الارض والمواسم.

برامج التلفزيون كلها عن كورونا. توحّدت الاذاعات والشاشات. خف الصراع السياسي الحزبي الطائفي المذهبي. كلنا نصارع الوباء. الشاشات تعلن افتتاح التبرعات لأجل مستشفى رفيق الحريري الحكومي وللصليب الاحمر ومن يدور في فلك تلك المؤسسات الطبية الانسانية. في احد البرامج، وبأقل من ساعتين، وصلت المبالغ الى ثلاث مليارات ليرة لبنانية من الشعب اللبناني المفلس المنهك، المنهوبة امواله وغلاله! اي شعب هذا الذي نصفه دائما انه متخاذل تافه لا يهتم الا لنفسه؟! شعب يمنح بالمجان من اللحم الحي.

اظهر كورونا ان الشعب اللبناني هو الحكومة وهو السلطة وله وحده القرار النهائي. نحن شعب طيب بالأساس، نريد الحياة فنناضل، نريد الكرامة فنقاوم، ولا نقف عند قلّة سبق واعلنت انتماءها الى غير وطن، لهم وطنهم البديل والوطن الاصيل وحده سيلفظهم تباعا، سيلفظهم كلهم حتما، اذ لا تقبل الارض حبا بديلا، هي انانية تريد الانتماء الكامل المطلق لها، ونحن هنا في قلب هذا الانتماء، نحن الشعب الحر الصادق، كورونا جعلنا أكثر عنادا بالتمسك بحالنا وبالآخرين وبالرب، بالرب الواحد للجميع.

كورونا جعلنا مذعورين صحيح، جعلنا مخلوقات تافهة لا قيمة لها امام هول الوباء صحيح، لكنه اظهر لنا ايضا اننا انقياء في الايمان، اكتشفنا أكثر اننا لا شيء من دون انسانيتنا، وان الانسانية العميقة وحدها التي ستنقذنا من الوباء، وان الكرة الارضية لا يفنيها الا الوحش المتربص في داخلنا، وعندما نقتل الوحش نربح الانسان ونربح العالم كله.

انه يسوع يجول بيننا، وها نحن نقف وجها لوجه مع حالنا المتناقضة، سنزيد ايمانا الى درجة التعصب التافه، سنبتعد عن الايمان الى درجة الكفر، الشيء ونقيضه تماما. سنسأل المسيح كل الاسئلة، واولها وآخرها لماذا يا ربي يحصل ما يحصل؟ وسيجيبنا “عندما تستردون انسانيتكم تجدونني”… ومضى يسوع والسماء تبدو للمرة الاولى أكثر نقاء، بينما عدد مرضى كورونا يزيدون… وها نحن في البيت نمارس سعادة البساطة ونشكر… كورونا!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل