الغباء أخطر من الوباء

لبنان ومنذ تأسيسه لم يبنَ على فكرة الوطن الحاضن لجميع أبنائه حيث يتساوى الجميع بالحقوق والواجبات على عكس ما درسنا في كتب التربية المدنية في الصفوف المتوسطة. فاللبناني سعى دائما لتأمين المستلزمات الدنيا لتأمين معيشة كريمة له ولعائلته فكان يؤسس ويتعامل مع بيته وحياته كأنه وطن مستقل يؤمن له المستلزمات كافة، فيأخذ ما يستطيع من دولته العاجزة، ويسعى الى تأمين الباقي بجهده الشخصي فأصبح الوطن مجموعة أوطان مستقلة. لكل وطن مقوماته من ماء وكهرباء، سكن وتعليم، واستشفاء؛ وفي بعض الأوقات أمنه وقضائه. فبتنا نعيش بحالة انتظار، انتظار دائم، ماذا ننتظر؟ التغيير؟ الانتخاب؟ الحلّ الخارجي؟ أم المبادرات الوطنيّة؟

من هنا، نتج كل شيء ما عدا المواطن الذي يثق بدولته، ويسلّم لها أمره لتدير أموره الحياتية. يلجأ إليها لتحافظ على مصلحته، وتوفر له الحد الأدنى، إنّما هذه الدولة الموجودة حوّلت اللبناني إلى محلل سياسي يرتشف السياسة مع القهوة، ويعاقر نظرية المؤامرة مع العرق. فكل جلسة تفوق الشخصين، يكون صحن الحديث السياسي مرافق للمازة الشهيرة. فبرامج الـ”Talk show” السياسية تحتلّ مراتب متقدمة في الـ”Rating” خصوصاً عندما يكون الضيوف من أصحاب الرؤوس الحامية.

ولم يكفِ اللبناني هذا الوضع فجاءت الأزمة الاقتصادية لتزيد الطين بلة، وبدأت التحاليل الاقتصادية والنظريات المالية، لتشتعل المعارك الطاحنة بين الماركسية والرأسمالية على الشاشات كافّة، فيظهر المحللون الاقتصاديون، أحدهم يضرب بسيف الاشتراكية، والآخر يخاف على معقل النظام الحرّ. بلاتويات تستضيف خليفة ماركس وأخرى تستضيف ممثل أدم سميث. تحوّل الاقتصاد من علم الى ضرب مندل فظهر بعض العرّافين المتقمّصين بالمحللين.

والمشكلة لا تكمن في أن المواطن لا يفهم نظرياتهم فقط، بل في اختلاف النظرية من شاشة الى أخرى، مع أنّ المحلل هو نفسه. فضم اللبناني إلى خبراته في التحليل السياسي خبرات اقتصادية، ينظّر بالأرقام، والقانون الدولي، والأهم كيفية جدولة الدين، وقيمته، ومستقبل البلد الاقتصادي.

لكن لعنة اللبناني التي تلاحقه لم تكتفِ بهذا الحد، فجاءنا أخيرا، وأتمنى أن يكون آخرا، الكورونا ليزيد الخبرات السياسية والاقتصادية بالمعرفة الطبية. فبعض المحللين رمى آلته الحاسبة، والقلم، وتسلح بالبرنس الأبيض، ليصبح خبيرًا من خبراء الأوبئة وعلومها، وفي المناعة والغذاء، وفي الفحوصات المخبرية، وحتى بعضهم تفوّق على العرافين وتنبأ بمصير الفيروس وتحولاته في المستقبل، وفي العلاجات التي تتناقض بعضها مع بعض. ومن لم يحالفه الحظ ليُستَدعَى من إحدى المحطات أو الاذاعات، تراه يفتتح إذاعته الخاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويحوّلها إلى محطة لبث الرعب طورًا، والاستهتار طورا أخر؛ يبشّر بحلٍّ وينقضه ببوست أخر. يكشف عن نظريّة طبّيّة، يهتز لها أبوقراط في قبره، ويرسل تسجيلا صوتيًّا إلى خالته على أمل أن ترسله إلى مجموعة نسوة الحي عبر تطبيق واتساب، ويمهر التسجيل باسمه كي لاتموت نظريته، وكي تخلّد البشرية نظريّته.

بناء عليه، تحوّلت حال المواطن المحجور في منزله، سياسيًّا، بسبب قصر سنّه في السياسة، وماليًّا، لجهله كيفيّة إدارة أمواله. فأصبح البنك والدولة وصيّين عليه، لا يحدّدان مصروفه فحسب، بل كيفيّة صرفه لأمواله. ولا ننسى في هذه الظروف المحجور صحيًّا أيضا الذي يتحوّل إلى طفل يشاهد الرسوم المتحركة فيصدق قوة البطل الخارقة، وضعف العدوّ فيبني أفكاره في السياسة، والطب، والاقتصاد قبل الظهر، لينسفها بعده بنظرية جديدة.

وفي فترة المساء يكفر بالتلفزيونات والمحطات والمحللين والأطباء ومواقع التواصل الاجتماعي صارخًا: كفّوا عنّا تحليلاتكم، واتركونا لجهلنا. دعونا. ألا يكفينا ما نعانيه، وما نواجهه؟ بالله عليكم ارتقوا الى مستوى الأزمة، لا بل الأزمات، وأخلوا الساحات لأصحاب الاختصاص الفعليين، واحجروا أنفسكم. فالغباء أشد فتكًا من الوباء!

روني الخوري

مصلحة الأساتذة الجامعيين في حزب القوات اللبنانية

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل