أسر تكتشف متعة الحياة في المنزل

أغلقت مدن كثيرة في سائر أنحاء العالم الحانات والمطاعم والمدارس والجامعات والمدارج الرياضية والمتاحف، وبالإضافة إلى ذلك اتخذت بلدان عدة بينها إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وبلجيكا وغالبية الدول العربية تدابير مشددة تشمل إلزام السكان بالتزام الحجر الذاتي ما يفرض على الجميع، حتى الأشخاص الأكثر نشاطا، إعادة ترتيب أولوياتهم والتركيز على الدائرة العائلية أو تنمية الذات من خلال الأنشطة المنزلية.

ويفتح العزل المنزلي للأشخاص الذين أفلتوا وعائلاتهم من المرض مجالات كثيرة لتمضية الوقت بما يشمل النوم والغوص في عالم الأحلام، إضافة إلى التدرب الرياضي والقراءة والحب.

وقال البعض إن الجلوس في البيت مملّ في الحقيقة، ففي غياب وسائل الترفيه تحاول بعض الأسر العربية ابتكار أشياء تخفف من خلالها وطأة الجلوس في المنزل، حيث قال البعض “إنه لا شك أن الموضوع صعب، لكن يجب علينا تحمل هذا الوضع الطارئ.. لقد أحسسنا بقيمة التلفاز وكيف يمكن أن يملأ وقت الفراغ”.

وبما أن الحجر فرض بشكل مبدئي لمدة أسبوعين أو أكثر بالبقاء داخل المنازل، وعدم الخروج إلا في حال الضرورة القصوى، وجد الأطفال والمراهقين أنفسهم مضطرين للبقاء داخل البيت وإن كانوا متعودين على الخروج والتنزه، أو الذهاب إلى العمل.

تحاول بعض الأسر في غياب وسائل الترفيه ابتكار أشياء تخفف من خلالها وطأة أوقات الفراغ الطويلة

وقال أخصائيو علم النفس إن أدمغة المراهقين معرضة للخطر بالتأكيد حيث تناضل السلطات في جميع أنحاء العالم لمنع الشباب من التجمع، في حين يشعر الآباء بالقلق في المنزل بشأن ما يفعلونه أثناء انتشار هذا الفايروس.

وأوضحت طبيبة نفسية للأطفال والمراهقين في نيويورك راشيل بوسمان، إن “دماغ المراهقين الذين لا يزالون في طور النمو يمكنه إظهار هذه الخصائص وأكثر من ذلك بكثير، الآن فقط المراهقون الذين لديهم أفكار حول المناعة يمكن أن يضروا أنفسهم والآخرين أيضا”.

 

ولم يكن العالم العربي بمعزل عن هذه الإجراءات، وإن كانت الأرقام قد لا تشكل حالة تدعو إلى الخوف في معظم الدول العربية، بل إن البعض منها لم تتجاوز الحالات فيها عدد أصابع اليد، إلا أن القيادات والحكومات في هذه الدول اتخذت إجراءات حازمة، ومنعت التجمعات وأغلقت المراكز التجارية وغيرها من الأماكن التي يمكن أن تكون ساحة خصبة لانتشار الفايروس، حتى أن المنع وصل إلى أماكن العبادة المختلفة.

في مدريد، تتصل مونيكا بوالدتها يوميا مستعيدة عادة “كانت مفقودة” منذ زمن، وعلى الحدود الفرنسية السويسرية، تغتنم أميرة هذا الوضع الطارئ لتأجيج قصة حبها الجديدة. أما في غافاردو بمنطقة لومبارديا الإيطالية، فتتعلم أليساندرا وعائلتها مجددا “العيش معا” ولعب الورق.

وفي بروكسل، تبدو آنا سعيدة لاستفادتها من إجازة أمومة مطوّلة. وأما في محيط منزل غيميت وبالإضافة إلى استعادة الهدوء المفقود بعد إقفال الشركة الموجودة تحت شقتها الباريسية أبوابها، انشغلت هذه الفرنسية بأنشطة البستنة مع ابنتها البالغة عشر سنوات حيث زرعتا النعناع وإكليل الجبل حذو نوافذ الشقة بعدما حصلتا على البذور من منسقة زهور في الجوار.

تقول غيميت “من باب الاحتياط، تحصلت على عدد كبير من الألعاب اللوحية.. هذه نقطة قوة المتشائمين إذ إننا دائما متقدمون على الباقين. وقد فوجئت بأني أحب هذا النمط من الحياة البطيئة”.

أما لورنزو الذي يجوب في العادة العالم من كابول إلى دكا لتطوير استراتيجيات مكافحة الفساد، فينكب على ممارسة هوايته الجديدة وهي الطبخ.

يقول لورنزو “بالأمس طبخت الريزوتو بالهليون، إذ إننا في موسم هذه النبتة، إضافة إلى الدجاج بالزعفران والشاي الأخضر.. هذا رائع: نجد كل شيء في المتاجر ولدينا متسع من الوقت”.

 

وللحفاظ على رشاقته في شقته المؤلفة من غرفتين، حمّل لورنزو تطبيقا للرياضة داخل أربعة جدران. ويقول هذا الرجل الأعزب “كنت أفضل الانعزال مع نصفي الثاني لكن الوحدة أيضا أمر جيد”.

وتشكل فترة الحجر المنزلي فرصة للتقريب بين الأزواج، كما هو الحال مع الثنائي الأسترالي الأيرلندي؛ أميرة ومات، المقيمين على جانبي الحدود الفرنسية السويسرية واللذين يعملان في جنيف.

تقول أميرة “اخترنا أن ننعزل في بيتي (عند الجانب الفرنسي من بحيرة ليمان) ونتعرف على بعضنا بصورة أفضل”، مضيفة “نقوم بالطبخ والقراءة والضحك كما نمضي أوقاتا طويلة معا في السرير”.

ويلفت يان إلى أن مشاهدة كامل أفلام الممثلة الأميركية الراحلة جينجر روجرز مع صديقته “تتيح لنا الإفلات من حالة القلق والغوص في عالم آخر”، كما يستعيد هذا الموظف في المفوضية الأوروبية ببروكسل اكتشاف لذة الأشغال اليدوية.

ويشير إلى أن إصلاح الدراجة الهوائية أو بعض المرافق المنزلية “يمنح شعورا بالتحكم في البيئة المباشرة في ظل عدم القدرة على التحكم بالفايروس”.

كانت مونيكا تتدرب يوميا بواقع ثلاث ساعات إلى أربع للمشاركة في سباق “أيرون مان” الثلاثي. وتقول من شقتها البالغة مساحتها 60 مترا مربعا في العاصمة الإسبانية “في هذا الوضع يدرك الإنسان قدرته على التكيف وقوة التحمل لديه”.

وتبدي رفضها للاستسلام وتواصل تمارينها بالاستعانة بكل ما تيسّر أمامها من وسائل في المنزل، حتى بأوعية المياه كما أنها تركض وتجري وتركب الدراجة داخل قاعة الجلوس.

تقول مونيكا “كنت أظن أني سأصاب بالجنون من عدم رؤية أي أحد. لكن أدركت كم ممّن أعرفهم يحبونني ويقلقون عليّ، كما أنني أنظم لقاءات مع الأصدقاء عبر واتساب”.

 

وتقر كارولينا وهي أيضا من سكان العاصمة الإسبانية، بأنها أعدت أقنعة تجميل خلال أربعة أيام أكثر مما فعلت طوال حياتها. وتوضح “من خلال أحاديثي مع ابنتي البالغة ثماني سنوات، اكتشفت أمورا كثيرة لم ألاحظها يوما في نمط الحياة اليومية السريع”.

تتصاعد وتيرة الأرقام حول الإصابات بفايروس كورونا المستجد يوما بعد يوم بشكل رهيب، لتقترب من 190 ألف حالة حول العالم، ما دفع بالحكومات إلى اتخاذ إجراءات لمنع انتشار هذا المرض، مثل الحجر الصحي ومنع التجول وغيرهما.

المصدر:
العرب اللندنية

خبر عاجل