أملاك الرهبانية هي المخزون الاستراتيجي لشعبنا – 1

كتبت “المسيرة” – العدد 1704

الأباتي الهاشم في ذكرى تأسيس الرهبانية:

• أديارنا ترسم خارطة لبنان                  • رهبان كثر استشهدوا كما استشهد الناس

• ضمانتنا عمق إيماننا ورسالتنا            •  لا مجال للخوف ولا لخيانة الدور والرسالة

• أملاك الرهبانية هي المخزون الاستراتيجي لشعبنا (1)

لمناسبة الذكرى السنوية الـ324 وافتتاح السنة اليوبيلية الـ325 على تأسيس الرهبانية اللبنانية المارونية، إحتفل قدس الأب العام نعمة الله الهاشم بالقداس الإلهي في كنيسة مار شربل في دير مار مارون في عنايا في 10 تشرين الثاني 2019، بمشاركة الآباء المدبّرين ورؤساء ورهبان الأديرة للصلاة على نية لبنان وشعبه، وعلى النعم التي أغدقها الله على الرهبانية وأبنائها. وبعد القداس ألقى الأباتي الهاشم كلمة توجيهية لأبناء الرهبانية إستعرض فيها تاريخ الرهبانية والتحديات التي واجهتها، وركز على كيفية إستلهام هذا التاريخ وتلك التحديات من أجل الخروج من هذا الوضع الصعب الذي يعيشه لبنان، داعيًا الى وضع كل إمكانات الرهبانية في خدمة مجتمعها وأبنائها، لأن «ما نعيشه اليوم يدعونا لعيش تكرّسنا بطريقة صحيحة: لا ضمانة خارجية يمكنها أن تضمن إستمرار رسالتنا ووجودنا… وكل شيء معرّض للزوال، الشيء الوحيد الباقي هو عمق إيماننا ورسالتنا، هو هويتنا الروحية…»

وفي ما يلي نص الكلمة ـ النداء التي ألقاها الأباتي الهاشم:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد. آمين.

آبائي المدبّرين العامّين،

قدس الآباء العامّين السابقين،

آبائي واخوتي الأحباء، الإخوة الدارسين، الإخوة المبتدئين،

نستحضر اليوم معنا إخوتنا الذين سبقونا، ونستحضر إخوتنا الغائبين بداعي المرض أو بداعي بعض الأشغال، كما نستحضر معنا إخوتنا العاملين في الرسالات خارج لبنان.

تلتقي الرهبانية كلّها اليوم كجسم واحد، كي نحتفل سويّا بذكرى تأسيسنا.

كان من المفترض أن يكون لذكرى التأسيس هذه السنة نكهة خاصّة: فنحن في بدء السنة اليوبيليّة ال325 لتأسيس الرهبانيّة، وهذه السنة تتوافق أيضا مع ذكرى المئة سنة لتأسيس دولة لبنان الكبير.

كان من المفترض أن يكون إحتفالنا بداية نشاطات عديدة لإلقاء الضوء على الهويّة اللبنانيّة لرهبانيتنا، هويّتنا اللبنانيّة التي توجد في إسمنا، نحن الرهبانية اللبنانيّة المارونيّة.

كرهبانيّة لبنانيّة مارونيّة، كان من المفترض أن نستذكر ماذا يعني أن يكون إسمنا الرهبانية اللبنانيّة، لناحية الهويّة الوجوديّة، لناحية التاريخ ولناحية الجغرافيا حيث نعيش، ولناحية هويّتنا الروحيّة. ماذا يعني لبنان بالنسبة لنا من الناحية الروحيّة؟ نحن مؤسّسة رهبانيّة وإسمنا الرهبانيّة «اللبنانيّة». لهذا السبب كان أيضًا من المفترض أن نسرد علاقة الرهبانيّة بلبنان ومساهمتها في إرساء هويّته المدنيّة وقواعد وجوده وهويّته الروحيّة ورسالته. نعرف جميعا بأن الرهبانيّة هي المؤسسة الأولى التي حملت إسم لبنان: «الرهبانيّة اللبنانيّة». قبل أن يكون هناك دولة أو وطن باسم لبنان، كان هناك رهبانيّة إسمها الرهبانيّة اللبنانيّة. ونحن المؤسسة الأولى التي اختارت الأرزة كشعار وكرمز، فخاتم الأب العام يحمل رسم الأرزة. والجميع يعلم أن المجمع الكنسي الأهمّ الذي نظّم شؤون كنيستنا المارونيّة يدعى «المجمع اللبناني»، وقد عقد في أحد أديرة الرهبانيّة وكانت الداعم الأساسي والمنظّم الأساسي له. ونعرف أيضًا تأثير رهبانيتنا على النظام الاجتماعي والاقتصادي والتربوي وغيره في لبنان.

لعبت رهبانيتنا دورًا أساسيًا عبر تاريخها للتحضير لقيام دولة لبنان، ولأن يأخذ لبنان الصورة التي هو عليها: أديارنا ترسم خارطة لبنان من الحدود الشماليّة إلى الحدود الجنوبيّة إلى البقاع إلى جبل لبنان. وقد رافقت رهبانيتنا اللبنانيّين إلى دول الإنتشار: فنحن المؤسّسة الأكثر وجودًا لناحية عدد الرهبان والأديار في بلاد الإنتشار. نحن موجودون في 17 بلدا.

نعرف جميعًا تفاعل الرهبانيّة مع جميع المكوّنات اللبنانيّة: نحن على علاقة جيّدة بجميع العائلات اللبنانيّة، بجميع الطوائف، بالجميع على مختلف المستويات وعلى مختلف الطبقات الإجتماعيّة. رهبانيتنا حاضرة وموجودة مع الجميع وعلى إنفتاح وتفاعل مع الجميع.

ونعرف أيضًا أن من مكوّنات هويّة رهبانيتنا هو تجذّرها المشرقيّ وانفتاحها على الغرب، وهذه هي رسالة لبنان الأساسيّة.

هناك نواح أخرى من هويّتنا اللبنانيّة كرهبانيّة، كان من المفترض أن نخصّص لها نشاطات ودراسات هذه السنة، وقد بدأنا بالبعض منها لإظهار هذه الناحيّة من تاريخنا وحاضرنا، وأهمّها أن رهبانيتنا تحمل رسالة لبنان وهويّته الروحيّة. ونحن نجتمع اليوم في دير مار مارون – عنّايا، ضريح القديس شربل، قديس لبنان، الذي يسمّي نفسه بحسب الظهورات «شربل من لبنان» ويعرفه العالم بهذا الإسم. حمل إسم لبنان إلى العالم وهو وجه لبنان الحقيقي، هو وجه  القداسة ووجه الرسالة التي يحملها لبنان إلى العالم. أديارنا ورهباننا ومؤسّساتنا يحملون رسالة لبنان، ولٰكن بشكل خاصّ قدّيسونا هم الصورة الحقيقيّة للبنان. هكذا فرهبانيتنا ولبنان يعيشان نوعًا من التلازم في التأسيس وفي المصير وفي كل شيء، لدرجة أنّنا جميعا نعتبر بأنّ لبنان يشكّل الإطار والضمانة الجغرافيّة والسياسيّة والمعنويّة لعيش رسالتنا ولنموّ هذه الرسالة بحريّة وكرامة.

إنّما الأوضاع التي نعيش اليوم تدعونا للتفكير أكثر. نعيش اليوم حالة مظاهرات، حالة إنتفاضة، حالة ثورة… تختلف التسميات، إنمّا يظهر أنّ هناك حالة إهتزاز جذريّ للحالة السابقة التي كنّا نعيش فيها، نشعر وكأنّ كلّ ما كنّا نعتقده ثابتا هو متحرّك: الضمانات السياسيّة والنظاميّة والدستوريّة، هناك مطالبات بإلغائها، ولا يبدو أنّها تشكّل ضمانة لاستمراريّة وجودنا واستمراريّة رسالتنا، الأحزاب السياسيّة تعيش حالة من الضيّاع ولا يمكن أن تكون هي الضمانة، الضمانات الدوليّة وكأنّها غائبة ولا نعلم ماذا يخطّط لنا. لا نعرف مدى متانة الضمانات الأمنيّة والعسكريّة لحماية الوجود والرسالة، وكذلك الأمر بالنسبة للضمانات الاقتصاديّة والتربويّة والمعنويّة والإعلاميّة التي بنيناها عبر تاريخنا. علامة إستفهام كبيرة تطرح ذاتها بالنسبة لهذه الضمانات، التي أصبحت وكأنّها ليست الصخرة الثابتة. كلّ هذه الضمانات وكلّ واحدة منها والتي كنّا نعتقد أنّها تشكل ضمانة لعيش رسالتنا واستمرارها ونموّها تفقد صلابتها. هذا يجعلنا نعيد النظر ونستنتج بأنّنا قد أخطأنا في مكان ما، أو على الأقل لم نعطِ الأهميّة للأساس الذي يجب البناء عليه. الحالة التي نعيش الآن يمكن أن تكون تجربة صغيرة، إنّما علينا أن نقرأها بجدّيّة حتّى نبعد عنّا تجربة الإتكال على ضمانات ماديّة أو بشريّة للحفاظ على رسالتنا وعلى وجودنا. المطلوب منّا هو التفكير بعمق برسالتنا وبحياتنا.

ما نعيشه اليوم يدعونا لعيش تكرّسنا بطريقة صحيحة: لا ضمانة خارجيّة يمكنها أن تضمن إستمرار رسالتنا ووجودنا، وهذا يجعلنا نعرف على ماذا نركز وأين نستثمر. كلّ شيء هشّ، كلّ شيء معرّض للزوال، الشيء الوحيد الباقي هو عمق إيماننا ورسالتنا، هو هويّتنا الروحيّة، إنّها الشيء الوحيد الذي لا يمكن إنتزاعه منّا، هي تبقى بعد زوال كلّ شيء، وهي تعطي معنى لوجودنا. إيماننا وتكرّسنا والتزامنا الروحي هو الشيء الأساسي الباقي. هنا يجب أن نجهد ونجاهد، هنا يجب أن نعيش جيّدا، لأنّها الصخرة الثابتة التي نرسّخ عليها كلّ البناء. الأمور الأخرى جيّدة وتعطينا حلولا موقّتة، إنما الثابت يبقى التزامنا الروحي وتكرّسنا الروحي، إنّها الضمانة الباقيّة.

وبالعودة إلى الوضع الحالي، يبدو وكأنّ الأفق الخلاصية مقفلة، لكنّنا أبناء الرجاء وعلينا تلمّس إرادة الله فينا وفي وطننا. واليوم يمكننا تلمّس إرادة الله في أمور ثلاثة: أولاً من خلال كلمة الله التي سمعناها في قراءات اليوم، ثانيًا من خلال تاريخ رهبانيتنا، وثالثاً من خلال قراءة علامات الأزمنة في الحالة الراهنة، فنحن أبناء الروح وعلينا معرفة قراءة الرسالة الموجّهة لنا من خلال هذه الحالة.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل