أملاك الرهبانية هي المخزون الاستراتيجي لشعبنا – 2

كتبت “المسيرة” – العدد 1704

الأباتي الهاشم في ذكرى تأسيس الرهبانية:

• أديارنا ترسم خارطة لبنان                  • رهبان كثر استشهدوا كما استشهد الناس

• ضمانتنا عمق إيماننا ورسالتنا            •  لا مجال للخوف ولا لخيانة الدور والرسالة

• أملاك الرهبانية هي المخزون الاستراتيجي لشعبنا  (2)

نص الكلمة التي ألقاها قدس الأب العام نعمة الله الهاشم لمناسبة الذكرى السنوية ال324 وافتتاح السنة اليوبيلية ال325 على تأسيس الرهبنة اللبنانية المارونية في كنيسة مار شربل في دير مار مارون – عنايا في 10 تشرين الثاني 2019.

 

1- كلمة الله

سمعنا في نصّ إنجيل اليوم الآية التالية: «لستم أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم»، إنّها الضمانة الأولى لنا ولرسالتنا، لم نختر نحن الحالة التي نحن عليها، لم نختر أن نكون مسيحيين، ولسنا من اختار أن نكون شهودا. الربّ هو اختارنا ووضعنا هنا، هو اختار لنا هذه الحالة، وهذه الرسالة هي من لدنه. هذا الكلام يملأنا ثقة بما نحن عليه وبما نقوم به ويزيل منّا الخوف والشكّ.

وما سمعناه تاليا في نصّ إنجيل اليوم هو أنّ حالة الإضطهاد هي حالة ملازمة لأتباع المسيح. فما من عجب إذا عشنا جديّا هذه الحالة أو عشنا شبه اضطهاد على مختلف الأنواع والمظاهر، هذا أيضا يعطينا ثقة أننا على الطريق الصحيح.

والتعليم الثالث الذي نأخذه من نصّ إنجيل اليوم هو «المحبّة»، المحبّة لبعضنا البعض ولجميع الناس. في المحبّة حلول للمشاكل التي تعترضنا.

وما سمعناه في الرسالة لأهل روما يعطينا ما نحتاجه اليوم نحن ومجتمعنا وهو مبدأ تحمّل المسؤوليّة: تحمّل المسؤوليّة بالشكل السلبي أولا، حيث يعبّر القديس بولس بأنّه بسبب زلّة إنسان واحد أتت الخطيئة إلى العالم، هذا يعني أنّ كلّ ما يقوم به أيّ منّا ينعكس عليه وعلى غيره، وبالمعنى الإيجابي ثانيا إذ يكمل القديس بولس أنّه ببرّ إنسان واحد حلّ الخلاص والنعمة على الجميع، ممّا يعني أنّ معالجة كلّ الأمور تبدأ من تحمّل المسؤوليّة الفرديّة سلبًا وإيجابًا. والمطلوب منّا اليوم أن نحمل المسؤوليّة كما حملها قبلنا سيّدنا يسوع المسيح، مثلما حملها القديسون، خاصّة القديس شربل. يسوع الذي هو بريء وحده، وحده دون خطيئة، حمل مسؤوليّة خطايانا وأغلاطنا، ومن الناحية الإيجابيّة قدّم ذاته ذبيحة لفدائنا وخلاصنا، قدّس ذاته لأجلنا ولأجل خلاصنا. القديس شربل لم يقم بعمليّات إصلاحيّة لغيره، لا للرهبان ولا للعلمانيين ولا لأيّ أحد. كلّ القديسين اصلحوا الأغلاط والفساد في قلوبهم أولا، وهذا ما انعكس صلاحًا ونعمة على جميع البشر. إنها رسالة القديس شربل لنا جميعا اليوم، وهي يجب أن تكون رسالة كلّ منّا تجاه الغير، وهي رسالتنا كجماعة تجاه الآخرين. عندما نقول بأنّا جميعًا نحمل المسؤوليّة، نؤكّد أننا إذا بحثنا جيدًا نرى أنّ كلا منّا كفرد يحمل مسؤوليّة ما نعيشه اليوم، وأيضًا كجماعات نحمل هذه المسؤولية. والشعار الذي نسمعه «كلّن يعني كلّن»، أعتقد بأنّه يجب أن يكون «كلّنا يعني كلّنا»، كلّنا نحمل مسؤولية هذا الوضع، وليس فرد أو فئة واحدة في المجتمع تحمل منفردة هذه المسؤوليّة… نحن كرهبانيّة علينا أن نفكّر كرهبانيّة، إنمّا قبل ذلك علينا أن نفكر كأفراد. الإصلاح الحقيقي، الخير الحقيقي، يبدأ بتحمّل المسؤوليّة الفرديّة والجماعيّة في الجماعات. هذه هي رسالتنا، وهذه هي شهادتنا، وهذا ما يمكننا أن نفيد به ونساهم بواسطته لإيجاد الحلول المناسبة للحالة الراهنة، وهي حالة قديمة إنما ظهرت الآن للخارج.

2- تاريخ الرهبانيّة

الموقع الثاني الذي يمكننا تلمّس إرادة الربّ فيه لمعرفة كيفيّة التصرّف في هذا الوضع هو تاريخنا. من خلال قراءة سريعة لتاريخ رهبانيتنا، نرى أنّها تأسست وعاشت ونمت في ظروف ليست أقلّ سوءا من الوضع الحالي. عند التأسيس كان البطريرك يهرب من ظلم الحكّام من مكان لآخر، ورهباننا كانوا يتعذبون… هذا الدير كان يبنى في النهار ويهدم في الليل ويعود الرهبان لبنائه من جديد في النهار… تأسست رهبانيتنا ونمت في ظلّ الحكم العثماني وفي ظلّ إضطرابات وتقاتل داخلي كبير، وفي بعض المراحل في ظلّ فساد سياسي وبعض الأحيان كنسي نعرفه… مرّت حملات إبراهيم باشا، مرّت مجازر 1840 و1845 حتّى مجازر 1860، مرّت المجاعة الكبرى في الحرب العالميّة الأولى، وأخيرا أكثرنا عاش الحرب اللبنانيّة الأخيرة… ما نعيشه اليوم ليس جديدا وليس أخطر مما عاشته رهبانيتنا. الرابط الأساسي لكلّ هذه المراحل هو إلتصاق رهبانيتنا بشعبها. لم تتركهم أبدا، في كلّ المراحل تصرّفت وكأنّ ما يصيب أية مجموعة أو فئة من المجتمع يصيبها. كانت دائما في خضمّ الأحداث، في كلّ مرحلة كان لها دور أساسي في معالجة الأزمات والخروج منها. وفي كلّ الأزمات كانت تعيش مع شعبها وحدة المصير، ومشاركتها الأهم كانت المشاركة الروحيّة، والإفادة الأهمّ التي قدّمتها كانت إفادة الشهادة والصلاة. وفي الأزمات الكبيرة يظهر وجه القدّيسين، وجه القديس نعمةالله الحرديني والقديس شربل والقديسة رفقا والطوباوي الأخ إسطفان. في أيّام القديس نعمة الله والقديس شربل، كان جبل لبنان يعاني من مشاكل خارجيّة وداخليّة كبيرة، مساهمة هذين القديسين في معالجة هذه المشاكل كانت من خلال الصلاة وتقديس الذات، وكذلك القديسة رفقا والأخ إسطفان ساهما من خلال العمل والصلاة. شاركت الرهبانيّة شعبها التي تلتصق به بطرق مختلف ووسائل شتّى، شاركت في الثورة في فترة القائمقاميتين والمتصرّفيّة، وشاركت بمقاومة الظلم في فترات الحروب. وتاريخنا يعطينا دروسًا في كيفيّة التعاطي مع حالات مماثلة. شاركنا شعبنا بكلّ شيء، شاركناه في الخيرات لإبعاد المجاعات، كما شاركناه بالإستشهاد في مراحل كثيرة من تاريخه، رهبان كثر استشهدوا كما استشهد الناس من دون أيّ تمييز. تاريخنا يعلّمنا أنّه أمام صعاب من هذا النوع لا مجال للخوف ولا لخيانة الدور والرسالة. لا نخاف أيّ شيء لأنّنا أبناء الملكوت وأبناء الرجاء، نعرف ما هي مهمّتنا ونعرف من أرسلنا ومن اختارنا، ونعرف الرسالة. على ماذا نخاف؟ وممن نخاف؟ وممّا نخاف؟ لا يمكننا خيانة هويّتنا ولا رسالتنا ولا تاريخنا.

3- علامات الأزمنة في الحالة الحاضرة

والموقع الثالث لتلمّس إرادة الله لمعرفة كيفيّة التعامل مع الوضع الراهن هو قراءة علامات الأزمنة. نحن أمام أحداث، أمام مظاهرات، أمام مطالب… علينا أن نحاول معرفة إرادة الله من خلال هذه الأحداث. هناك شيء من الحقيقة في مقولة «صوت الشعب هو صوت الله». لذلك فلنحاول أن نرى ماذا يقول لنا الله، لنتعلّم تلمّس إلهامات الروح من خلال الإصغاء لمطالب الذين يتكلّمون، إنّما أيضا من خلال الإصغاء أيضا للفئة التي لم تتكلّم من شعبنا، علينا الإصغاء لصمتها أيضا ولقلقها. علينا الإصغاء لصوت شعبنا وصمته ومن خلال ذلك لما يقوله ربّنا لنا. ومن خلال هذا الإصغاء، أعتبر أن أمورا ثلاثة يمكن استخلاصها من الأحداث الحاليّة أو من الحالة الحاضرة وهي :

أولا: فقدان الثقة بالسلطات القائمة على مختلف المستويات، وفقدان الثقة بالهيكليات القائمة جميعا. الناس فقدوا الثقة بكلّ شيء وبكلّ أحد. هناك انعدام ثقة كامل سببه الكذب. يشعر الناس وكأنّ كلّ شيء كاذب: الوعود كاذبة، الهيكليات التي يفترض بها تأمين ما يحتاج اليه الناس كاذبة، وكل شيء كاذب… وكأنّ المشكلة الأولى تكمن في فقدان الثقة.

ثانيا: إعتبار الفساد السبب الأساسي لكلّ الحالة التي وصلنا إليها اليوم.

ثالثا: هناك خوف وقلق جدّي على المصير السياسي والإجتماعي، إنمّا  بشكل أساسي هناك قلق جدّي على الوضع الاقتصادي والمعيشي. الناس وصلوا إلى مكان يعتبرون فيه أنّ كلّ تعبهم ومدّخراتهم يمكن أن تضيع، كل ما يملكونه هشّ، ولا يعلمون إلى أين المصير. هذا الوضع يعيشه جميع اللبنانيين على مختلف المستويات، منهم من يعبّر عن هذا الخوف بصوت مرتفع ويعتبرون أنّ المشكلة تحلّ بهذه الطريقة، والباقون الصامتون والخائفون يعتبرون أيضا أنّه بصمتهم تحلّ المشكلة.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل