الأخطر ما بعد “كورونا”… حرب “الجبارَين” وخسائر بالجملة

في الوقت الذي ينغمس فيه العالم بحربه الضروس ضد وباء كورونا، القاتل، والمصنف من منظمة الصحة العالمية بالعدو للبشرية، تبرز في الافق بوادر ازمة عالمية اخرى سيخلفها الوباء بعد رحيله، ومن شأن تلك الازمة ان تغير الكثير الكثير في النظام العالمي ان لم تقض عليه .

في قراءة جيو – سياسية وجيو –اقتصادية للخريطة العالمية حاليا، يمكن استشراف ما ستكون عليه اوضاع البشرية في المرحلة المقبلة من هذا العام.

اولا : يمكن القول إن 2020 اثبت منذ بداياته بأنه عام الازمات الدولية الكبرى، ومحورا هذه الازمة كلا من الولايات المتحدة والصين.

فالصين ثاني قوة اقتصادية عظمى في العالم بعد الولايات المتحدة، بناتج قومي يبلغ 13 تريليون دولار ويؤثر مباشرة على ثلث النمو في الناتج القومي العالمي، ليست بالصدفة محط انظار المجتمع الدولي منذ سنوات خصوصاً منذ اندلاع الوباء الأخير من مقاطعة يوهان. علما ان الصين اثبتت، وبخلاف الاميركيين والغرب، قدرة فائقة في التعامل مع وباء كورونا، انطلاقا من اولوية وضعتها القيادة الصينية بانقاذ البشر قبل اي شيء آخر. وقد نجحت في ابتكار الدواء المعادي لكورونا لكنه لا يزال بحاجة إلى التسويق التجاري.

 

وبالعودة الى دور الصين، فالدولة التي تستطيع خلال 10 ايام تجهيز مستشفيين متحخصصين لمعالجة المصابين بكورونا، لن تكون عاجزة عن الامساك باقتصاديات العالم المعاصر. وقد بادرت الحكومة منذ اليوم الاول لانتشار الوباء، الى الفصل بين متطلبات مواجهته ومكافحته وبين استمرار تأمين متطلبات استمرارية اقتصادها، فكانت المعادلة لديها منذ اليوم الأول: مكافحة الفيروس بالتوازي مع عدم السماح بتدهور الاقتصاد الصيني.

 

من هنا اعتمدت الحكومة الصينية خطة محكمة، بنت اساسها منذ لحظة انضمامها الى مفاوضات منظمة التجارة العالمية، اذ اصرت ونجحت في تحييد “الوان” (العملة الصينية) من منظومة الدولار الاميركي، وقامت بطباعة عملتها بما يفوق 26 تريليون دولار لدعم اقتصادها في مواجهة الهجمة الاميركية التي قادها الرئيس دونالد ترمب ضدها.

 

بالموازاة، قدمت الحكومة الصينية ملياري دولار لدعم شركاتها المتعاملة مع المنظمة التجارية العالمية ذات العلاقة بالانتاج العالمي. وللعلم، فإن مدينة ووهان منطقة صناعية تكمن أهميتها الاقتصادية العالمية في انها تصدر وحدها 68% من صادرات الصين للعالم، ما يثبت مدى تأثر اقتصاديات العالم باقتصاد الصين لا بل ارتباط جزء كبير منه باقتصاديات الصين.  وهذا ما يفسر تهافت الدول الأوروبية مثلا، لدعم علاقاتها بالصين واقتصادياتها، منعا لتدهور اقتصادياتها هي اكثر من اهتمامها باقتصاديات الصين.

 

ثانيا: الولايات المتحدة تضررت من ازمة الصين مع انتشار وباء كورونا، وربما يكون الصقور في البيت الابيض والكونغرس خلال هذه الفترة قد ادركوا إلى أي حد كذبت كل النظريات التي تعتبر ان الولايات المتحدة بمنأى عن أي خطر جراء سقوط اقتصاد الصين عالميا.

 

ويكفي في هذا السياق الإشارة إلى أن في الصين 200 شركة اميركية من كبريات الشركات المنتجة عالميا تجعل من مصلحة واشنطن عدم الذهاب كثيرا في محاربة الاقتصاد الصيني لا اضعافه واهم تلك الشركات الاميركية: ابل وبوينغ.

 

 

وللعلم ايضا ان هاتين الشركتين تحديدا مصانعهما في مدينة ووهان. فمجرد توقف هاتين الشركتين عن الإنتاج سيدخل العالم في أزمة دولية لن تبقى محصورة بأزمة الهاتف وتقنيات الكمبيوتر وسواها من إلكترونيات، بل ستتعداها إلى أزمات اقتصادية ومالية في الأسواق العالمية تضرب الإنتاج الاميركي وبالتالي توازن الاقتصاد العالمي. وللعلم أيضا وأيضاً ان شركة “جنرال موتورز” الاميركية تبيع في الصين إنتاجها اكثر مما تبيعه في الولايات المتحدة.

 

هذه الحقيقة قيلت للرئيس ترمب، حتى قبل وباء كورونا، لكن وعلى اثر انتشاره، اتخذ قرارا في شهر شباط الماضي، بحصر معالجة ملف وباء كورونا وتولي كافة تفاصيله المحلية والدولية بيد نائبه مايك بنس بدل تسليم الملف اسوة بسائر ملفاته الخارجية الى معاونيه من وزراء خارجية واقتصاد ومالية. هذا للدلالة على دقة ليس فقط في مواجهة الوباء لا بل واكثر على ارتباط معالجة هذا الوباء بمصالح واشنطن الاقتصادية الحساسة مع الصين وعلى طبيعة القلق الاميركي المتزايد من ازمة اقتصادية تقع في مخالبها اقتصاديات واشنطن.

 

انطلاقا من هذه المعطيات، سيجد العالم نفسه، بعد الانتهاء من ازمة كورونا، ومن خلال الجبارين الاقتصاديين، في ازمة خانقة وخطيرة جدا.

وفي ما يلي بعض المؤشرات:

 

– جميع الشركات الاميركية حاليا ومنذ بداية هذا العام في انحدار مالي مخيف، اذ لا تحقق سوى الخسائر. بتاريخ 28/2/2020، اعلنت الاسواق المالية الاميركية عن انهيار في اسهم الشركات الاميركية إلى ادنى حد لها منذ العام 2008 عندما اندلعت في حينه الازمة الاقتصادية العالمية.

 

– إذا جمعنا اقتصاديات كل من الولايات المتحدة والصين، نجد ان كليهما يستحوزان على نصف الناتج القومي العالمي و60% من فواتير العالم تصدر بالدولار الاميركي. وبالتالي اي تدهور في الاقتصاد الاميركي سيرتد بسلبياته فورا على اقتصاديات اوروبا والشركاء التجاريين العالميين من دول وحكومات حليفة وشريكة وشركات كبرى وإمبراطوريات مالية مستحكمة بالاقتصاد العالمي.

 

– إنهاك الاقتصاديات العالمية والمالية العامة في الدول المصابة بوباء كورونا في الإنفاق الاستثنائي من ميزانياتها التنموية والإنمائية لمواجهة تكلفة الحرب ضد الوباء، ما سيؤدي بعد الانتهاء من الحرب الصحية إلى مواجهة هذه الدول شحا في ميزانياتها وندرة مالية لإطلاق نمو اقتصادي جديد، ما سينعكس ركودا اقتصاديا عالميا، من تجلياته ازدياد البطالة العالمية وإفلاس الشركات والمؤسسات المنتجة وانهيار أسواق الاسم والمال لغياب الحوافز والقدرة المالية للمستثمرين. فضلا عن عودة الدول إلى الانغلاق كل واحدة على ذاتها لمعالجة مشاكلها وآثار حرب كورونا الاقتصادية والاجتماعية والمالية، ما سيضعف العمل المشترك بين الدول ويضعف التكتلات الاقتصادية والسياسية مثل الاتحاد الأوروبي، وأوروبا اكثر القارات إصابات بالوباء بعد الصين وإيران (إيطاليا وفرنسا واسبانيا)، لا تزال تحقق خسائر كبيرة.

 

خطورة كورونا ليست فقط في آنيته بل بالآثار السلبية والأخطر التي سيخلفها على العالم في اقتصادياته وجيو – سياسيته، وتبدل اولويات الحكومات والدول المنكوبة، باتجاه الانغلاق وتوقف العمل الجماعي وبالتالي استعار الخلافات والصراعات الدولية في رحلة البحث عن النهوض الاقتصادي والمالي والاجتماعي داخل كل مجتمع وكل دولة. فالمرحلة ما بعد كورونا بدأت منذ اليوم ترتسم خطوطها العريضة من خلال معادلة الجبارين الاميركي والصيني وتوازن مصالحهما على حساب العالم ومصالحه.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل