لبنان على خطى إيران… دولة “تركيب الطرابيش”

تركز اهتمام المسؤولين والمراقبين خلال الساعات الماضية على البيان المشترك الصادر عن صندوق النقد والبنك الدوليين، وطلبهما من مقرضي الديون الثنائية الرسميين تقديم إعفاء فوري للبلدان الأشد فقراً في العالم التي تواجه تداعيات خطيرة جراء وباء كورونا.

 

وكذلك على المعلومات الصحفية عن اتصالات بين وزير المال غازي وزني وبين المسؤول في صندوق النقد عن منطقة الشرق الأوسط الوزير السابق جهاد أزعور لطلب دعم الصندوق، وإفادة الأخير أنه يمكن توفير مبلغ 500 مليون دولار للبنان مخصصة لمكافحة كورونا. والاهتمام مرده إلى الانعكاسات المحتملة لهذه القرارات على الأزمة الاقتصادية والمالية والنقدية عامة، في حال أخذت طريقها إلى التنفيذ.

 

مدير مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية الدكتور سامي نادر، يوضح، لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “الديون الخارجية للبنان لا تصل إلى 10% من نسبة الدين العام، وهي بحدود 10 مليار دولار فقط من أصل 90 مليار وأكثر ديون على الدولة اللبنانية للمصارف اللبنانية. بالتالي لا تأثير كبيراً لاحتمال إعفاء لبنان من الديون الخارجية بحسب بيان الصندوق والبنك الدوليين المشترك، ربما (شحمة ع فطيرة) لكنها لن تخرجنا من الأزمة الاقتصادية والمالية أبداً”.

 

ويلفت إلى أن “الأزمة الحقيقية والفعلية تقع على رؤوس المواطنين اللبنانيين والمودعين. فديون الدولة للمصارف هي بالفعل أموال المودعين، إذ أخذوا ودائع الناس وحوّلوها إلى سندات خزينة وقاموا بتمويل الدولة، التي وقعت في العجز جراء إهدارها كل هذه الأموال عبر سياسة الصفقات والسمسرات والفساد وطاروا المصريات”.

 

وعن لجوء الدولة إلى صندوق النقد الدولي طلباً للتمويل والمساعدة لمواجهة تفشي كورونا، يشدد نادر على أن “هذا يدل على أن الدولة لم يعد لديها أي إمكانية لتقوم بالحد الأدنى”. ويشير في المقابل، إلى أن “الجميع يلاحظ كيف تعاطت دول العالم مع أزمة كورونا. فحتى في الدول التي كانت تعاني من أزمات بطالة وعجز ومشاكل اجتماعية، مثل فرنسا ودول أوروبية أخرى، قامت إزاء الأزمة بتخفيض أسعار الفائدة والتزمت بدفع معاشات 3 أشهر لمواطنيها وغيرها من الإجراءات، أي أنها لجأت إلى سياسات غير كلاسيكية من أجل الإحاطة بالمشكلة”.

 

ويضيف، “المثل اللبناني يقول خبِّي قرشك الأبيض ليومك الأسود، لكن عندنا لم يتبَّق أي قرش. لم يقوموا فقط بإفراغ صناديق الدولة بل أفرغوا صناديق الأجيال المقبلة. حتى طاقتنا على الاستدانة استنفذت واستهلكت، بعدما استعملوها على مدى مرحلة طويلة لم يقيموا فيها أي استثمار، لا في الاقتصاد ولا في البنى التحتية، أو في المستشفيات والمصانع والطرقات والاتصالات والانترنت، وكل نواحي تنمية الاقتصاد الفعلي”.

 

ويشير إلى أنهم “بعد كل ذلك، يذهبون اليوم إلى صندوق النقد ليشحذوا الأموال طالبين مساعدته للخروج من أزمة كورونا”. ويضيف، “حسنا، إيران قامت بذلك كما لبنان”، لكنه يلفت إلى أن “ذلك يدل كم أن هذه الدول لم يعد فيها الحد الأدنى، ولا حتى قرش لوقت الضيق كي تصرفه للمواجهة والصمود والوقوف على أقدامها بالحدود الدنيا”.

 

أما عن المفارقة بين تسوُّل الدولة من صندوق النقد لمواجهة أزمة كورونا فيما يستمر المسؤولون في المكابرة والمناورة ورفض مساعدته للخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية الأصلية، فيؤكد نادر على أن “هذه النقطة الأهم في الموضوع”. ويشدد على أنه “ليس المطلوب اللجوء إلى صندوق النقد لإخراجنا من أزمة كورونا فقط، بل يجب الاستعانة بخبراته ومقدراته لإصلاح كامل وضعنا”.

 

ويقول، يجب أن نطلب مساعدة صندوق النقد مثلا حول أفضل طريقة لإدارة موضوع الكابيتال كونترول”، لافتاً إلى “ما حصل بالأمس لدى مناقشة هذا الموضوع في مجلس الوزراء”. ويضيف، “لاحظ جميع المراقبين واللبنانيين عموماً كيف وقعت خناقة على تناتش الحصص بينهم حول من يجب أن يدير الكابيتال كونترول، مصرف لبنان أم وزارة المالية أم مجلس الوزراء أم غيرهم. وكذلك ما تسرَّب عن ألاعيب من مستوى، مرِّر لي هذا الموضوع أمرِّر لك التعيينات”.

 

ويؤكد نادر على أننا “بحاجة إلى صندوق النقد الدولي لمساعدتنا على الخروج من أزمتنا المثلثة الأضلع، ولتحقيق أمور ثلاثة: أولا، إجراء إصلاحات في القطاع العام وتنظيف المالية العامة لتقف من جديد. ثانياً، لإعادة إنهاض القطاع المصرفي المأزوم. وثالثاً، تنظيف ميزانية مصرف لبنان”.

 

ويشدد على “حاجتنا الماسة إلى الصندوق لإجراء هذه الإصلاحات، علماً أنها لم تعد تكفي وحدها، لأننا بحاجة لصندوق النقد أيضاً لضخ سيولة بالعملات الصعبة والدولار في الاقتصاد لكي تستمر عجلة الدورة الاقتصادية بالدوران ولو بالحد الأدنى، في الشركات والمؤسسات والمصانع والجامعات والمدارس والمحال الكبيرة والصغيرة، ومختلف نواحي الحياة. فقطاع الإنتاج مخنوق اليوم ويتطلب ضخ سيولة لإعادة إنعاشه، فمن أين سيأتون بالأموال طالما لا يملكون سيولة لشراء أجهزة تنفس اصطناعي للمستشفيات ويشحذون ثمنها من صندوق النقد؟”.

 

ويعتبر نادر أن “التوجه إلى صندوق النقد يجب أن يكون على هذا الأساس ومن هذه المنطلقات، لا المكابرة والاستمرار في سياسات التسويف والمماطلة والمناورات إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، على الرغم من أن الطبقة الحاكمة استنفذت كل الوسائل”. ويتأسف لأن “الدولة أفلست، حتى إلى مستوى الحد الأدنى من المسؤولية الوطنية والإنسانية في ظل الظروف التي يمر بها الشعب اللبناني، فيما يستمر المسؤولون في الخلاف على المحاصصات والتعيينات والصفقات وتركيب الطرابيش”.

خبر عاجل