لا شك اننا، والعالم كله، في قلب الأزمة. أزمة لا تزال تتفاقم، ولا نعرف حدودها. التعبئة العامة، أو أي مسمّى آخر، تستمر شهراً أو يزيد. خلال هذا الزمن، يتسابق سياسيون على استغلال الفرصة، لظنّهم ان الزمن يعود الى الوراء. حتى الصراعات لم يتمكنوا من اخفائها، او تأجيلها، أمام وجع الناس، وجوعهم، وقلقهم على المصير.
الدول التي تمضي وفق رؤية محددة واضحة، واقتصاد متعافى او شبه متعافى، تستطيع ان تمرر هذه المرحلة “الكورونية” بخسائر جمّة، ولكن من دون السقوط في الهوّة السحيقة. ولبنان ليس من هذه الدول. فوضعه المالي متدهور، ووضعه الاقتصادي شبه منهار، قبل بزوغ فجر كورونا. كان السباق على أشده بين الانهيار وانقاذ ما يمكن انقاذه. ويبدو ان الاول نجح في السباق. الانهيار بات محتوما في دول عدة، وقد رأينا نذره في معظم الدول الاوروبية، وفي بورصات العالم. فاذا كانت تلك الدول، بإمكاناتها المعروفة، تهوي أمام كورونا، فماذا سيكون مصير لبنان؟
ربما حل كورونا ضيفاً سعيداً على الحكومة لإنقاذها من براثن المطالبين بالحقوق والديون، ووجدت في الأزمة مبررات لعدم السداد. حتى في الداخل، صمتت القطاعات التي كانت تطالب بفتات حقوق، لأن الوقت غير مناسب لأي نوع من المطالب المالية.
لكن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه في ظل تراكم الخسائر، واقفال مؤسسات ابوابها، وعدم دفعها الاستحقاقات المتوجبة هو: ماذا سيكون حال لبنان بعد انتهاء ازمة كورونا، وهي في كل حال، لن تدوم الى الابد؟
المساعدات الخارجية غير متوافرة اصلا، واليوم ستصير أكثر تعقيدا، اذ باتت دول صديقة منشغلة بالكوارث التي حلّت بها. ودول شقيقة منقطعة عن لبنان لألف سبب، ولا مجال الآن للدخول في متاهات السياسة. صندوق النقد الدولي مرفوض محليا من جهات وازنة.
يبقى الاتكال على الداخل؟ سؤال كبير في ظل استياء عارم لدى المغتربين مما آلت اليه أحوال المصارف، ومحاولة الدولة اقتطاع اجزاء من ودائعهم، او على الاقل منعهم من تحويل الاموال الى الخارج، ما يدفعهم الى الإحجام عن المساهمة في كل ما تديره الدولة عبر مؤسساتها، وما تقرره.
اما لبنانيو الداخل، اي المقيمون، فقد بات معظمهم لا حول له ولا قوة، في ظل تراجع اعمالهم، وتعثّر اخرى، وتعطّل بل إقفال نهائي لمصالح كبيرة وكثيرة، ما يعني عجزاً عن سداد المستحقات والرواتب والاجور. أضف الى ذلك، تراجع الثقة بالدولة بعد الانهيار الكبير الحالي وازمة المصارف والامتناع عن سداد سندات لبنان.
من هنا، وجبت، لا على الحكومة فحسب، لان الازمة أكبر من الحكومة، المبادرة سريعا الى بدء التفكير في مرحلة ما بعد كورونا، عندما يزول الخوف، فيذوب الثلج، ويبان المرج، وتظهر الكارثة الحقيقية، والفقر المدقع، ونسبة البطالة، والديون المتراكمة، ويستعيد الشارع قدرته على الحراك، وتفقد السلطة ذريعتها بمنع التجمعات، خصوصا بعدما فقد الجميع هيبتهم. عندها تكون المصيبة الكبرى اذا لم يكن أحد هيّأ نفسه لملاقاة تلك المرحلة بخطة طوارئ حقيقية.
