بعد عرض الأوضاع لحاملي “يوروبوند”: أرقام تخلط الحسابات

 

رسم رقم 1
رسم رقم 2

مع المبادرة اللافتة في التقديم المباشر عبر الانترنت للعرض الأول للحكومة اللبنانية إلى دائنيها حاملي “اليوروبوند”، أرقام كثيرة طُرحت للمرة الأولى وأعادت خلط أوراق عديدة وحسابات كثيرة في النظرة المستقبلية الى الخيارات الاقتصادية للبنان. ما هي أبرز الأرقام الملفتة في القراءة التي تمّ تقديمها من قِبل وزارة المال الى دائنيها بشكل خاص بالعملة الأجنبية، وأي إشكاليات تحمل في انعكاساتها المنتظرة على الاقتصاد اللبناني ككل؟ الإجابات تصبح تساؤلات تتطلّب حسن التوقف عند أبرز الأرقام المذكورة، الاستفسار حول وقعها على الأفرقاء الاقتصاديين في الداخل والخارج، كما الإجراءات التي يمكن أن يتطلّبها التعامل معها في المرحلة المقبلة.

في أبرز الأرقام التي من شأنها أن تعكس إمكانية استدامة الدين العام، لا بدّ من التوقّف عند نسبة الدين العام / الناتج المحلي، التي تفرض المعايير المعروفة دولياً ألّا تتخطّى حدود 60 الى 80 % لتمكين الاقتصاد من الخروج من استعادة الثقة بالقدرة على ايفاء ديونه وطمأنة دائنيه الى سبل الخروج من دوامة الاستدانة لتسديد فوائد الدين وتنامي المديونية ككرة الثلج… وهنا كانت المآخذ في قراءة الموازنات السابقة التي كانت تطرح أرقاماً طموحة لنسبة الدين العام/ الناتج المحلي، بالتوازي مع ازدياد العجز المالي والدين العام، وكأنّ الرهان كان على تكبير حجم الناتج المحلي المتوقّع ببداية كل سنة، فيكون حصاد النتيجة مخيّباً في نهايتها.

أما في العرض الذي قدّمته وزارة المال للدائنين، فجاء توقّع بانكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 12% في العام 2020 ، بعد الانكماش الأول بنسبة 6.9% في العام 2019، ليعيد النظر بمسار استدامة الدين ككل، ويطرح سيناريوهات جديدة لنسبة الاقتطاع من الدين العام، التي يمكن أن يحتاجها لبنان ليصبح على مسار الاستدامة على ضوء الانكماش المُرتقب للناتج المحلي.

وقد تبيّن من عرض وزارة المال، أنّ الحكومة تخطّط لإعادة هيكلة الدين بالدولار – على سندات اليوروبوند – ولكن أيضاً الدين بالليرة اللبنانية – على سندات الخزينة – من أجل جعلها أكثر استدامة واتساقاً مع خطة الإنعاش الاقتصادي قيد الإعداد. علماً أنّ الدين العام بالدولار يبلغ 31.314 مليار دولار. كما أنّ مقاربة إعادة هيكلة سندات اليوروبوند يُنتظر أن تعتمد بشكل كبير على مقدار الاحتياطيات بالعملة الأجنبية التي ستكون بتصرّف الدولة والمصرف المركزي وما ستؤمّنه من هامش تحرّك.

كما تمّت الإشارة الى شمول إعادة الهيكلة للدين بالليرة، الذي يعادل 57.072 مليار دولار، وهي ستعتمد على الموارد التي ستكون ممكنة بالليرة اللبنانية وبشكل أدق على الفائض الأولي المُرتقب على المدى المتوسّط، أي الرصيد بدون احتساب خدمة الدين (الفوائد على الدين العام)

في العام 2020 وحده ، كان على لبنان سداد 4.7 مليارات دولار على شكل كوبونات وسندات يوروبوند الرئيسية. “بدأنا بسداد القسائم لشهري تشرين الاول وت 2 ، والتي تمثل حوالى 100 مليون دولار. لن يتمّ سداد المبلغ المتبقي 4.58 مليارات دولار حتى يتمّ التوصل إلى اتفاق. ومن المتوقع أن يسدّد لبنان ما يعادل 10.3 مليارات دولار من سندات الخزينة في عام 2020.

(الرسم رقم 1)

وقد تمّت الإشارة الى أنّ دينامية الدين / الناتج المحلي الإجمالي ستكون على أساس ثلاثة معايير:

(1) تكلفة إعادة التمويل التي تطلبها الحكومة للسنوات القادمة،

(2) توقعات النمو مع مراعاة الوضع في لبنان والمنطقة والعالم،

(3) الفائض الأولي الذي ستنجح الحكومة في تحقيقه.

وقد أظهر العرض أنّ الاحتياطيات النقدية لمصرف لبنان في انخفاض مطرد في السنوات الأخيرة. وقد أُعلن أنّ احتياطيات المصرف المركزي تبلغ حوالى 22 مليار دولار أميركي، منها 18 ملياراً كإحتياط الزامي على الودائع المصرفية (يساوي 15% من مجموع الودائع بالعملات الأجنبية، والتي كانت مقدّرة بحوالى 120 مليار دولار)، علماً أنّ الودائع المصرفية تراجعت منذ النصف الثاني من العام 2019 ، حيث سُجّل انخفاض بحوالى 5 مليارات دولار في كانون الأول 2019.

هذا العرض يمكن أن يوحي أنّ ما تبقى فعلياً لدى المصرف المركزي، كفارق بين مجموع الاحتياطي بالعملات الأجنبية والاحتياطي الالزامي على الودائع هو 4 مليارات دولار، ولكن في الواقع ثمة 52.2 مليار دولار كتوظيف للمصارف لدى المصرف المركزي، على شكل شهادات إيداع، بمردود بين 7 و8 % ، ما يرفع التزامات المصرف المركزي تجاهها الى حوالى 70 مليار دولار أميركي. وهنا تُطرح علامات إستفهام حول هامش التحرّك الحقيقي الذي سيُعتمد لبناء الخيارات المستقبلية عليه، لجهة إعادة هيكلة الدين بالعملة الأجنبية والإصلاح المالي الاقتصادي الشامل الموعود.

في حين تُظهر إحصاءات جمعية المصارف توقّع انكماش في إجمالي الناتج المحلي بنسبة لا تقلّ 5 %، وتسجيل الدين العام اللبناني زيادة ملحوظة ناهزت 6.5 مليارات دولار، ليصل إلى نحو 92 مليار دولار في نهاية العام 2019، بارتفاع 7.6 %، على خطٍ موازٍ، كان من الملفت التشديد على أهمية إصلاح القطاع المصرفي، الذي طالما مثّل العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، وهو يتميز بأهم المؤشرات عالمياً، منها نسبة الأصول / الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 422%… الّا أنّ أزمة القطاع المصرفي، المُطالب طبعاً، بالمشاركة أكثر في تمويل الاقتصاد، تكمن في نسبة انكشافه على الدين السيادي، والذي لا يقتصر على الدين العام، ومنه حوالى 14 ملياراً بالدولار الأميركي، إنما أيضاً بتوظيفات المصارف التي ذكرناها في المصرف المركزي وتحديداً الـ70 ملياراً بالدولار الأميركي.. وهنا السؤال عن كيفية تصوّر اعتماد النهوض في القطاع، الذي سيتكبّد بدوره أعباء إعادة الهيكلة، التي يبدو أنّها ستطاول جميع مكوّنات الدين العام بالدولار وبالليرة اللبنانية وأكثرها محمول من الجهاز المصرفي (المصارف التجارية والمصرف المركزي).

كما من الملفت ايضاً الرقم المتوقّع للتضخّم عام 2020 الذي سيصل إلى 27.1%، وهو يعكس عملياً تضخماً مزدوجاً. تضخم “مستورد” ناتج من اضطرار المؤسسات المستوردة الى شراء الدولار من السوق الموازي لدى الصرّافين، للتمكّن من تحويله الى الخارج واستيراد المنتجات، مما يعيد النظر بفوائد التمسّك بتثبيت سعر الصرف الرسمي، تحت راية تفادي تدهور القدرة الشرائية للمواطنين ذوي الدخل المحدود بالليرة اللبنانية، طالما لا إمكانية للمستوردين لشراء الدولار من المصارف على أساسه ولا لتحويله عبرها للاستيراد، وإبقاء الأسعار على مستوياتها السابقة حفاظاً على القدرة الشرائية. معدّل التضخّم يبرهن أنّ المستوردين والموزعين والتجار يضطرون الى التعامل بسعر دولار السوق الموازي لاستيراد المنتجات، ويعكسون أسعارها على المستهلكين تدهوراً واضحاً بقدرتهم الشرائية، ولا يجدون ملاذاً لهم بسعر الصرف الرسمي…

أما اختيار المنتجات اللبنانية فهو أيضاً لا يحمي المستهلكين من ارتفاع الأسعار، كون معظم هذه المنتجات، وفق الصناعيين اللبنانيين تعتمد على استيراد موادها الأولية، وبالتالي تدفع كلفة إنتاجها مع شراء الدولار من السوق الموازي، فينعكس هذا الارتفاع زيادة في أسعارها…ولا تتأثر بثبات سعر الصرف الرسمي. وقد أقرّ عرض وزارة المال بانخفاض قيمة الليرة اللبنانية بحكم الواقع بأكثر من 67 % في سوق الصرف الموازي… ويبقى السؤال حول إمكانية أن تشمل المقاربة الإصلاحية إعادة النظر أيضاً بخيارات سياسة القطع، على ضوء مقارنة تكاليفها المتزايدة وفوائدها غير المنظورة حالياً، مع تدهور القدرة الشرائية للمواطنين بفعل “التضخّم المستورد” وطغيان سعر صرف السوق الموازي، الذي بات المكان الوحيد لتأمين الدولار للمستوردين (خارج مجال الأدوية والمواد الطبية والمحروقات والطحين المؤمّنة بالسعر الرسمي للدولار).

وأبعد من مسألة تقييم الفوائد/ التكاليف في سياسة سعر الصرف، ومسألة احتساب ما تبقّى من إحتياطي بالعملات الأجنبية للدفاع عن استمراريتها، يبقى السؤال: الى أي مدى يمكن أن تتماهى مع وضع ميزان المدفوعات الذي يشهد تزايداً في عجزه منذ العام 2011 (ما عدا استقطاب بعض الرساميل بالدولار للمساهمة في الهندسات المالية عام 2016)، مع صعوبة استقطاب رساميل تعوّض عن العجز التقليدي في الميزان التجاري…وهنا يبقى القول، إنّ بالرجوع الى الثالوث المستحيل Triangle des incompatibilites

الذي يؤكّد في علم الاقتصاد على استحالة اعتماد في الوقت نفسه استقلالية في السياسة النقدية للمصرف المركزي، تثبيت سعر الصرف وحرية حركة الرساميل في آن معاً..بل فقط اثنان من الثلاثة.

(الرسم رقم 2)

وبعد أن كان ذلك معروفاً علمياً وثبت في لبنان حتى بالتجربة، هل يكون الاختيار بدل الخيار وقع على الاحتفاظ بالتمسّك بتثبيت سعر الصرف، ولو في غياب عمليات التحويل المصرفي بين العملات، والتخلّي في المقابل عن حركة الرساميل؟ وهل هكذا خيار قابل للحياة في بلد يعيش في حرّية حركة الرساميل منه واليه، لدوره كصلة وصل في مختلف القطاعات الخدماتية؟ أم هنالك رؤية لدور إقتصادي جديد للبلد، ووفق أي معايير وأي دراسة نتائج؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل