.jpg)
على الرغم من الغبار الكثيف الصاعد من ميادين العالم نتيجة الحرب الصحية الكونية على فيروس “كورونا”، غير أن المشهد السياسي والجيو ـ سياسي ليس ببيعد عن تفاعلات هذه الحرب، لا بل هو يتحرك ويتقلب تبعاً للكثير من تأثيرات الحرب العالمية الصحية على ارض الواقع وحسابات الربح والخسارة.
ليس مفاجئا ان تعمد دولة الامارات العربية الى اعادة وصل ما انقطع مع نظام بشار الأسد، ومد يد المساعدة لايران في مواجهة استفحال وباء كورونا على ارضها. كما ليس مفاجئا ان تعمد قوات التحالف الدولي في بغداد ضد داعش الى بدء انسحابها من العراق تحت حجة “حماية الجنود من الوباء”، كما فعلت فرنسا وسوف تتبعها دول اخرى في التحالف.
كما ليس مفاجئا ان تتبدل اولويات الرئيس الاميركي دونالد ترمب المنشغل بسباقه الانتخابي، من تباهيه بانجازاته الاقتصادية الى جريه وراء انجع الوسائل العلمية واسرعها لكبح جماح “كورونا” التي تهدد تلك الإنجازات.
وليس مفاجئا ايضا ان تعمد دول الاتحاد الاوروبي إلى الانغلاق على ذاتها لمعالجة معضلتها الصحية مع كورونا، على حساب فكرة التضامن والاتحاد والتشارك الأوروبي، فيما الصين والروس يمدون بعض الدول الاوروبية وفي طليعتها ايطاليا بالمساعدة الطبية والتقنية لمواجهة اجتياح الوباء عندها. هذا بالإضافة الى ما هنالك من تحولات تنذر بمرحلة سياسية كثيرة التوترات والتقلبات في المنطقة والعالم.
السؤال الذي يطرح نفسه، ما تأثير ما يمكن ان تكون عليه هذه التقلبات والتحولات على المشهدية العامة؟ والرد يستند الى ثلاثة معايير يمكن تصنيفها وفق الاتي:
ـ هل ان حجة “كورونا” لدى بعض الدول في المنطقة، بانفتاحها على دول اخرى كانت تعاديها سابقا او اقله تنافسها، حجة آنية تنتهي مفاعيلها بانتهاء الازمة الصحية؟ ام هي حجة يراد من خلالها الولوج الى مرحلة علاقات اقليمية ودولية جديدة وبالتالي خلط اوراق تحالفات وعلاقات دولية واقليمية جديد؟
ـ هل الانغلاق على الذات من قبل كل من الدول المصابة بالوباء، وعدم تطلعها الا لمصلحتها المباشرة، نذير افتتاح عصر جديد من العلاقات الدولية والاقليمية تتفكك خلاله التحالفات والتكتلات التقليدية لتشهد ولادة خارطة تحالفات وعلاقات جديدة مختلفة ومتغيرة جذريا؟
ـ هل سينجح العالم في التغلب على الكوراث الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية ما بعد “كورونا”، خصوصاً في ظل تقارير وتقديرات خبراء تتوقع ان يبلغ عدد العاطلين عن العمل بعد الانتهاء من الحرب الصحية العالمية 25 مليون عاطل عن العمل، عدا عن الركود العالمي والافلاسات وانهيار الشركات المؤثرة في اسهمها الى ما هنالك من مظاهر سقوط النظام الاقتصادي العالمي؟
انطلاقا من هذه المعايير الثلاثة يمكن تأكيد الاتي:
ـ أولا، لم يعد من شك بان الاتحاد الاوروبي بعد كورونا لن يكون كما ما قبله، ليس فقط من الناحية السياسية او الوجدانية بل وبخاصة من الناحيتين الاقتصادية والمالية، لان كل من دول الاتحاد ولا سيما فرنسا واسبانيا وايطاليا والمانيا سوف تحشد القدر الاكبر من طاقاتها وامكاناتها للنهوض باقتصادها الذاتي تجنبا للغرق في ازمات وتأثيرات الركود العالمي.
ـ ثانيا، الصين الجبار الاقتصادي الثاني عالميا، وبعدما كانت تعتبر مصنع العالم، ستعود الى لعب دور اكثر تأثيرا على اقتصاديات العالم من خلال مضاعفة دورها التصنيعي والغذائي للعالم، ما سيضعها في منافسة وتوترات مباشرة مع الجبار الاميركي الاول الذي لن يقبل بالخضوع لمتطلبات منافسه ولا لقوانينه التجارية.
فضلا عن هرولة متوقعة للعديد من دول العالم الصناعي باتجاه “بجين” وعن توسع شبكة العلاقات الصينية في المنطقة ولا سيما مع العالم العربي، اقله في شقه الاقتصادي والمالي.
ـ ثالثا، روسيا التي تخوض حاليا معركة اثبات وجود تجاه منتج النفط الاول في العالم أي المملكة العربية السعودية، ضمنت خروجها باقل الخسائر من الحرب العالمية الصحية، وتكاد تكون اجندة الرئيس فلاديمير بوتين، السياسية، الوحيدة لزعيم عالمي لم تنل منها كورونا.
فأولويات بوتين تبقى تثبيت نفوذه في المنطقة من بوابة سوريا وامساكه الناجح والذكي بكل الاضداد، سواء مع رئيس النظام السوري بشار الاسد الذي ينتظم من ضمن التوجهات العامة لموسكو، أو مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الذي يناقشه ويحاوره في شأن مصير ادلب، فيجلس الرجلان على طاولة التفاوض ليخرج الرئيس التركي بالحد الاقصى وقف اطلاق نار ويعود ليقترح على بوتين استغلال نفط شرق الفرات محاولة منه لوضعه في مواجهة الاميركيين والاكراد ولحفظ مقعد لانقره في تقاسم ثروات سوريا عند التوصل الى التسوية النهائية، ما يرفضه بطبيعة الحال ساكن الكرملين.
ـ رابعا، العالم العربي ولبنان، حيث تسود ايضا حالتان: تخلي العرب والاوروبيين عن لبنان، باستثناء بعض المساعدات الفرنسية الصحية المتواضعة، وتركه يتخبط في ازمته الصحية وبالتوازي في ازمته الاقتصادية والمعيشية والتي تتعمق اكثر فاكثر منذرة بانفجار كارثي بعد زوال كورونا، خصوصاً وان واشنطن التي لا تزال تمسك بورقة المساعدات المالية والدول المانحة وصندوق النقد الدولي وتمنع اية مبادرة عربية وخليجية تحديدا باتجاه لبنان، دفعت ثمنا زهيدا للبنان في مقابل اطلاق عامر الفاخوري اقتصر على حماية بعض السياسيين اللبنانيين ومصالحهم بدل ترجمة الثمن دعما للبنان في اقتصاده وماليته واوضاعه الاجتماعية. وبوادر الانقسام العربي حيال ملفي ايران وتركيا، اذ ان ثمة اعادة ترتيب لاولويات المنطقة العربية ـ الخليجية الجيو ـ سياسية في ظل السؤال المستجد، ايهما اخطر على العرب والخليجيين ايران ام تركيا؟
المنطقة العربية والخليجية خصوصاً مقبلة على مفاضلة واضحة بين هذين الخصمين، وان بدت دولة الامارات وقبلها سلطنة عمان اقرب الى الانفتاح على ايران، في ظل صمت سعودي الى الان ناجم عن اسباب منها داخلية (اعادة ترتيب البيت الملكي لتمهيد تسلم الامير محمد بن سلمان العرش)، ومنها خارجية (الحاجة للاميركي الذي لا يستسيغ السير في الانفتاح على طهران وعدم اقتناع الرياض بالورقة الايرانية وعدم الثقة بالورقة التركية المنافسة لزعامتها السنية)، علما ان تشابك المصالح الاقليمية يزيد من غموض المشهد اذا اخذنا في الاعتبار المنافسة الاميركية – الايرانية من جهة ورغبة واشنطن في استرداد اردوغان من احضان الروس ومعارضة واشنطن لتعويم نظام الاسد على حساب التسوية السياسية النهائية.
مؤشرات معبرة جدا عن بدايات تبدلات جذرية، نرجو ألا تزيد من انحدار وعزلة لبنان الحائر بين الاميركي ـ الغربي ـ الخليجي وبين الإيراني، غير السوريين، فيما العداد يسجل مرور الوقت واهدار الفرص تلو الفرص.