كورونا للعالم وكورونا للبنان!

 

 

كان مؤثر جدا مشهد التصفيق على شرفات لبنان، الذي قطع سكون الليل في المدن والقرى، كتحية متواضعة حارة للجسم الطبي في لبنان. مؤثر جدا التفاف الناس على بعضهم البعض في هذه المحنة، والاكثر تأثيرا هو ابتداع تلك الأفكار البسيطة في ظاهرها لكنها كبيرة في مضمونها. مؤثر جدا اداء فرقة من قوى الامن الداخلي التحية العسكرية للأطباء والممرضين والمسعفين، امام مستشفى رفيق الحريري الجامعي وسط دموع  هؤلاء.

لا يملك الشعب اللبناني القدرة على مساعدة الاطباء والممرضين والمسعفين، الذين يتولون معالجة مرضى كورونا، فلم يكن لديه الا تلك اللفتة الصغيرة، زقفة حنان، امتنان، احترام، لياقة، محبة صافية لمن يمارسون الرحمة والانسانية فوق اجساد متهالكة فوق وبائها، فوقفوا الى شرفاتهم يخترقون سكون الساحات ويصفقون بدموعهم واياديهم وقلوبهم الحارة وهم يعرفون مسبقا ان لا التصفيق سيشفي المرضى ولا سيرد عنا وعنهم الوباء، لم يكن تصفيق لبنان لهم سوى ليقولوا لهم “شكرا” على انسانيتكم المتوهجة في زمن وباء اللانسانية.

مؤثر اكتر، مشهد البابا فرنسيس في ساحة القديس بطرس يصلي وحيدا. مؤثر ومحزن حتى الدمع. ساحة القديس بطرس فارغة من مؤمنيها لكنها كانت تصرخ بضجيج المصلوب المدوي قيامة، ذاك المصلوب العجائبي الذي انقذ روما من الطاعون العام 1522، وطلب قداسته نقله من كنيسة سان مارسيلو آل كورسو الى ساحة القديس بطرس، وهناك وجها لوجه وحيدا مع اسقفين او ثلاثة، سجد البابا فرنسيس بعيون حزينة رامشة على دمعها، وشهد العالم كله مباشرة على الهواء على مواجهة مؤثرة جدا جدا بالصلاة الحارة التي تقارب الدمع، بين المسيح وممثله على الارض.

وطنطنت اجراس الكاتدرائية لتسمع كل روما صرخة الرجاء تلك، والمطر الحزين ينزل هيك على مهله كمن يعلن خشوعه الحزين امام المصلوب، والبابا بقلبه المثقل خوفا على رعاياه يجعلنا شهودا على حدث تاريخي حصل للمرة الاولى منذ قرون، وهو منح البركة الرسولية للعالم على نية شفاء ايطاليا والعالم من وباء كورونا. كل المشهدية كانت معبّرة جدا كأننا بالحزن والخوف سنعبر الى زمن مختلف على وقع درب جلجلة المسيح، فبدا وكأنه زمن الصوم الحقيقي شاءه لنا الرب لنعبر فعلا الى القيامة.

مؤثرة ومفاجئة لدرجة الدهشة كانت التبرعات التي انهالت وللمرة الاولى في تاريخ لبنان، على المؤسسات الانسانية والاستشفائية عبر تلفزيون “mtv”، وخصوصا مع اشتراط المتبرعين قبل التبرع، بعدم تدخل الحكومة او السلطة، وذلك لانعدام الثقة نهائيا بها، ما ضاعف قيمة التبرعات التي وصلت الى حدود اربعة مليارات ليرة لبنانية في سابقة نادرة، نال منها الصليب الاحمر ومستشفى رفيق الحريري الحصة الاكبر.

غير ما يجري في العالم كله، حكايات اللبنانيين في الانعزال داخل بيوتهم، عزلة كأنها ادخلتهم الى زواياهم التي كانت تائهة منهم، في ضجيج كل ما هو مفتعل مصطنع سخيف سطحي وتافه. بمعنى آخر، وكأن ابو الخيمة الزرقاء ذاك الساكن العلالي، شاء لنا ان نمشي معه درب الصليب في زمن الصوم، ان نكتشف الجلجلة الحقيقية، فحوّل مساميره الحديد التي مزقت جسده، الى وباء يدخلنا في التجربة الحقيقية لنكتشف معنى الحياة والكفاح، معنى السعادة والنضال لأجلها، معنى الوطن وفرحه المفقود، معنى العائلة المترابطة والبيت والكنيسة والمسجد، وكل ديانة ترشدنا الى المحبة والرحمة.

تحولت البيوت الى كنائس، والشاشات تنقل لنا القداديس اليومية، والعائلة التي تغرّبت عن ذاتها ضمن البيت الواحد، عادت واكتشفت سعاداتها الصغيرة في تفاصيلها الحلوة البسيطة، في احاديثها دردشاتها سهراتها المسائية، لعب الورق، المزاح، المشاركة في كل شيء، الحوار، وكأن الحجز الالزامي في المنازل اعاد اليها الدفء المفقود وفرح اللقاء بالعائلة بعد طول غياب، اليست تلك نعمة مؤثرة مستجدة؟

المشهدية كلها بتفاصيلها كافة، بالغة التأثر، اذ لم تشهد البشرية في عهدها الحديث ولا حتى في عهودها السابقة على ما تعيشه اليوم من خوف ممزوج بالتعاضد والالفة.

لكن على الرغم من المشهدية المؤثرة في انسانيتها لناحية الشعب في لبنان، الا ان السلطة السياسية في مزاج آخر مختلف تماما، اذ والناس غارقة في كورونها، تحاول السلطة تمرير التعيينات ع اللسّ وبأبشع طريقة ممكنة، بأسلوب مرقلي تمرقلك، وبوقاحة قل نظيرها، محوّلة الدولة الى ما يشبه المزرعة التي يتصارع فوق ارضها ديوك واشاوس.

وباء في الارض ومن السياسة اللبنانية الفاسدة ايضا، واللبناني يصارع الوبائين بكل ما لديه من قوة وايمان، والمفارقة انه مؤمن انه قادر على مواجهة الجرثومة الصغيرة التي ركّعت الارض كلها، لكنه يشك بقدرته على الانتصار على وباء فساد تلك السلطة البائسة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل