أنتم “تنتحروننا”

أخذتم كل ما لنا، وكل ما كان لنا، وكل ما قد يصبح لنا.

لا أتكلم عن ماديات الحياة بشكل مباشر، لا بل عن مسببات الحياة. وبمعنى آخر، أي سبب تُرك لنا، يدفعنا للاستيقاظ يومياً.

الشاب اللبناني اليوم، وما قبل اليوم، فقد كل المقومات التي قد تدفع بعجلة الاستمرارية إلى الأمام، بطريقة أبسط، سرقتم أملنا بالحياة.

حاول اللبناني، مراراً وتكراراً، تخطي الواقع الصعب، وبادر إلى ابتكار أساليب هي أقرب إلى الخدع وحتى الأكاذيب أحياناً، ليُفبرك لنفسه أملاً زائفاً، والنتيجة؟

وصلنا للحضيض، فلم يعد للخدع مكاناً، والوهم الذي حاول البعض اللجوء إليه، ظهرت نتائجه السلبية فاضحةً مأساوية المشهد.

شبابنا اليوم يدور في حلقة مفرغة، لا يستطيع أن يجد منفذاً واحداً ليبني عليه خطواته ويمضي في سبيله.

دوران ثم دوران، والنتيجة مجتمع ثمل، مجتمع سلّم المستقبل للمجهول، وباتت حياته عبارة عن لا مبالاة، ولمَ المبالاة أساساً؟ إذ باءت كل المحاولات بالفشل، ولم نعد نجد سبيلاً واحداً للخلاص.

أغلى ما سرقتكم، الإرادة. فالإرادة تخلق لا بل تحقق الآمال والطموح والأماني والأهداف، لكن بلا الإرادة أصبحنا بنادق بلا رصاص في بيوت النار، أكوام جسدية تتحرك بلا وجهة، أدمغة عبقرية مطمروة في طيّ نسيان أصحابها.

حولتم مجتمعنا، إلى مجتمع يوميّ، أبعد مخططاته لا تتجاوز عطلة الأسبوع، إذ لم يعد باليد حيلة.

والمؤسف، أنه باستطاعة طاقات هذا البلد إنجاز المستحيل، لكن كيف نطلب المستحيل إن كانت العقول والأيادي مكبلة قسراً بغلال غير مرئية؟

ما مصير مجتمعنا؟ الزوال؟ الزوال الوجودي والفكري والثقافي والفعلي؟ لا تقلقوا لن ينقطع نسلنا، لكن إلى أي عالم نريد المجيء لمن يخلفنا؟ أليست جريمة أساساً أن نخلق جيلاً في هذا الواقع القابع في الظلمة والمسيج بالجماد وعلى وقع صرخات الاستغاثة؟

ما يجري لا يقلّ شأناً عن الكفر، فقتلُنا ونحن أحياء جريمة لا تغتفر، أنتم “تنتحروننا”، ونحن نقاوم، ونقاوم، عسى أن يخدمنا ما تبقى لدينا من رجاء وصلابة، لاستجماع قوانا واستحداث القليل من الإرادة، لأن الحياة التي وهبناها، لا أنتم ولا أحد باستطاعته سلبنا إياها.

سننهض بلبنانا، ولكن فكّوا أسواركم عنا، قبل أن نغرقكم بحطام هذه الأسوار.

خبر عاجل