#adsense

شعنن بالبيت

حجم الخط

لن نتحدّث اليوم  في السياسة أو في الاقتصاد وعلم الاجتماع، بل ما يستحضرنا في هذا اليوم المبارك، تاريخنا المقدّس الذي بدأ مع البطريرك الأوّل مار يوحنّا مارون، وما زال مستمرًّا إلى السابع والسبعون. هذه المسيرة التي بلغت مئات ومئات من السنين، صحيح أنّها تعرّضت لنكسات كثيرة، لكن الملفت بأنّ هذا الشّعب المقدّس، قد صمد في هذه الأرض، مهما اشتدّت عليه وطآت ضربات الجلادين عبر التّاريخ.

إن عدنا إلى التّاريخ لقرأنا كيف صمد أجدادنا في هذه الأرض المقدّسة في الدّساكر والكهوف، ورفضوا مقايضة حرّيّتهم بالحياة المستعبَدة. قرّروا البقاء أحرارًا، ولجأوا إلى المغاور والكهوف ليسلم لهم الايمان الحقّ، وبقيت أجراسهم تصدح في الوديان المقدّسة من جبّة بشرّي إلى جبّة المنيطرة فجبّة الكنيسة، وبقي لبنانهم كما يريدونه، ولم يسمحوا للآخرين بتغيير صورته ولا هويّـه الكيانيّة.

هذه الصّورة التي ما أرادها الأجداد يومًا على قياسهم فقط، بل أرادوا لبنان على قياس كلّ من يؤمن بالحرّيّة الشخصيّة الكيانيّة. تلك الحريّة التي دفعوا أثمانها فلذات أكبادهم لتسلم لهم فيعيشوا في  كنفها. واليوم لم يتبدّل أيّ شيء. فالتّاريخ يعيد نفسه لكن تحت مسميات مختلفة. في حين كان الجلاد في الماضي من الذين أرادوا فتح هذه البلاد وتغيير هويّتها، يأتي جلاد اليوم بهويّة مختلفة، وتحت ستار المرض، ليسجن اللّبنانيّين الأحرار في بيوتهم، وقراهم، ودساكرهم.

لكن المفارقة بأنّ الايمان الذي ورثناه عن أجدادنا، هو نفسه هذا الايمان الذي لم يسمح لهم التخلّي عن قناعاتهم، وتقاليدهم، وتراثهم الايماني الذي ورثوه بدورهم. لذلك ما سمحنا اليوم لفيروس صغير بأن يسلبنا فرحة هذا العيد. صحيح أنّه أسرنا في منازلنا وقرانا، لكنّنا بقينا أحرارًا في حجرنا ومارسنا عاداتنا وتقاليدنا، وتحت شعار #شعنن_بالبيت، تحوّلت قلوبنا إلى كنائس وبيوتنا إلى ساحات، فحملنا أطفالنا على الأكتاف وبيدهم الشموع، وصدحت التّرانيم اللبنانيّة الكيانيّة التراثيّة نفسها التي رنّمها أجدادنا في الوديان المقدّسة، واحتفلنا بالعيد، وسيّد هذا العيد في قلوبنا.

من هذا المنظلق، لا خوف على وطن شعبه مؤمن حيٌّ لا يركع. لذلك نحن باقون في هذه الأرض المقدّسة مهما قويت ضربات الجلادين، نحافظ على أمانة الأجداد، لنورثها إلى أولادنا وأحفادنا من بعدنا أفضل ممّا استلمناها. وما ذلك ليتحقّق إلا لأنّنا أمينون على هذا التراث الكياني. وكما دافع عنه الأجداد هكذا نحن اليوم وكلّ يوم، مستعدّون للدّفاع عنه، ولن يثنينا أيّ خطر من البقاء أحرار.

نحن الذين ولدنا مع الحرّيّة وعشقناها وجعلناها أيقونة فكرنا حتّى تحرّرنا من كلّ ربقات هذه الحياة الماديّة الزائلة. فحياتنا اليوم وكلّ يوم مع المسيح يسوع ليست ههنا، بل هناك حيث ذهب قبلنا وأعدّ لنا منازل كثيرة. ولأنّه زار أرضنا وجعلها مقدّسة بوجوده، ارتقى بالحضور الماديّ الانساني الجسدي، وجعله وجودًا كيانيًّا روحيًّا في هذه الأرض التي مهما اشتدّت عليها الويلات، ومهما عصفت بها رياح الشرير فهي حتمًا باقية باقية باقية، وقوّات الجحيم لن تقوى عليها.

أعاده الرّبّ عيدًا مباركًا على اللّبنانيّين الكيانيّين الأحرار جميعهم، مهما كانت الظروف قاسية وصعبة. نحن قوم قياميّون لن نسمح لأيّ ظرف بأن يفقدنا إيماننا الكياني، وكلّنا ثقة بأنّ ما يمرّ به بلدنا الحبيب إنّما هو ظرفيٌّ آنيٌّ لا يدوم. ثقوا أنّ الرّبّ معنا دومًا. ومن كان الرّبّ معه فمن يقوى عليه؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل