
ثمة مؤشرات جيو ـ سياسية تحصل على أرض واقع المنطقة خصوصاً على صعيد الوضع الايراني ودور طهران الإقليمي، إذ ثمة دلالات على تعثر نفوذها، وتحديداً في بلدين اساسيين حيث مشروعها متغلغل حتى اعلى هرميات السلطة والحكم: لبنان والعراق.
اولا: انقسام البيت الشيعي في العراق حول الحكومة العتيدة. فحكومة عادل عبد المهدي، لا تزال حكومة تصريف اعمال منذ اواخر العام 2019، بعدما فشل الرئيس المكلف محمد توفيق علاوي في تشكيل حكومته، وقد فشلت القوى الشيعية الرئيسية ومنها التيار الصدري ودولة القانون والفتح والنصر، في الاتفاق لغاية الان على عدنان الزرفي الذي يلقى تأييدا من السنة والاكراد. فائتلاف النصر بزعامة حيدر العبادي وتحالف سائرون بزعامة مقتدى الصدر يؤيدان الزرفي، فيما يعترض عليه تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم وائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي فيما كتلة الفتح ترفض من الاساس فكرة تسمية الزرفي.
ما يهم الاشارة اليه هو فشل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني اسماعيل قآاني لغاية الان، في توحيد الصف الشيعي حول تسمية رئيس وزراء جديد، وزيارته الاولى الى بغداد، يضاف اليها فشل القيادة الايرانية منذ أكثر من عام في اخماد الثورة الشيعية العراقية ضدها.
فبقدر ما ستكون الزيارة مفصلية في ترتيب وتوحيد البيت الشيعي بقدر ما ستكون مفصلية ايضا بقياس مدى قدرة قآاني على توحيد الشيعة العراقيين وحسم موضوع الحكومة الجديدة وتركيبتها ورسم الخطوط العريضة لمرحلة المواجهة المقبلة بين واشنطن وطهران. هذه الانقسامات الشيعية في العراق لم تكن لتحصل في زمن قاسم سليماني خصوصاً في ظل تخبط القيادة الايرانية في مواقفها الخارجية.
ثانيا: انفصام لافت في القرار الايراني الرسمي والمواقف الرسمية، في الآونة الأخيرة، والمعلوم ان في السلطة تيارين متناقضين: تيار يرحب مثلا بتولي عادل الزرفي رئاسة الحكومة العراقية العتيدة على اساس ان الاخير يمكنه التواصل مع الاميركيين ما يمكن رسم قواعد اشتباك جديدة بعد رحيل قاسم سليماني، فيما جناح اخر متشدد يرفض اي تواصل مع الاميركيين ويضع الحجة بالزرفي تحديدا في كونه مقرب من واشنطن.
والانقسام والازدواجية الايرانية تجلت في مواقف المسؤولين الايرانيين الاخيرة بشأن كورونا، إذ إن الرئيس روحاني نفسه باتت مواقفه مثال هذا التناقض: فتارة يتوجه الى الشعب الاميركي مخاطبا انسانيته شاكيا العقوبات الاميركية ضد شعبه وتأثيرها السلبي والخطير على صحة وسلامة الشعب الايراني في مواجهته جانحة كورونا، وطورا يخرج بتصريح منذ ايام يقارن بين دول اوروبا وكيفية مواجهتها كورونا وتعثرها وبين بلاده ليختم ان بلاده قادرة على مواجهة المرض وتقدمة المواد الطبية والصحية والغذائية اللازمة الى الشعب الايراني. علما ان استيراد إيران للمواد الغذائية والادوية معفاة من العقوبات الاميركية وقد سجل معدل الاستيراد هذا العام زيادة نسبتها 19% عن العام السابق، إذ بلغت قيمة المواد المستوردة لهذا العام حتى الان 43 مليار دولارا.
ومن اوجه التخبط، وزير الخارجية محمد جواد ظريف الذي يشكو، احيانا في بعض تصاريحه الاخيرة بموضوع كورونا، من أن إيران لا تستطيع شراء الادوية حتى ولو كانت تمتلك الموارد وينعى شعبه بأنه يموت، شاكيا عدم تحرك المجتمع الدولي لإنقاذ شعبه، فيما الارقام الاوروبية الرسمية تؤكد عدم انقطاع تصدير الادوية والغذائية عن ايران. والمثال على ذلك ان في الفترة بين تشرين الثاني 2018 وتشرين الثاني 2019، هبطت الواردات الاوروبية الى إيران الى النصف، بينما في المجال الطبي والدوائي والمواد الصحية الاساسية كان التراجع فقط بنسبة 5%، ما يعني ان المواد الاساسية من طبية وصحية ودوائية مؤمنة للشعب الإيراني، عكس نواح وزير الخارجية ظريف.
ثالثا: من مؤشرات التخبط الايراني الداخلي ايضا ما ذكرته الشبكة الاخبارية الروسية (ار تي ـ اونلاين) بتاريخ 21/7/2019، من روحاني من خلال مدير مكتبه قد راسل اربعة وزراء في حكومته الصيف الماضي، يطالبهم بتقديم تفسيرات حول اختفاء مبلغ مليار يورو من دون اي تبرير او اثبات على الصرف، وكان هذا المبلغ مخصصا لاستيراد الادوية والسلع الاساسية.
فالجمهورية الاسلامية الايرانية انفقت خلال الاعوام الثمانية الاخيرة ما قيمته 18 مليار دولار لدعم اجنحتها العسكرية المسلحة في المنطقة، بحسب تقرير لوزارة الخارجية الأميركية، لم تنفه القيادة الايرانية او اي مصدر رسمي. وتم إنفاق هذا المبلغ في كل من العراق واليمن وسوريا، بحسب التقرير.
وفي الامس، وبغض النظر عن صوابية وانسانية اية خطوة تهدف الى مؤازرة الشعب اللبناني في تصديه لمرض كورونا، الا ان حزب الله، وفي وقت تشكو إيران من قلة مواردها واختفاء اموال حكومية، أطلق مبادرته لا بل حملته لمكافحة كورونا. وجند لهذه الحملة 1500 طبيب و3000 ممرض وممرضة و5000 كادر خدماتي صحي و15000 كادر خدماتي ميداني مع تجهيز غرفة عمليات ادارة ازمة، وفي حساب بسيط لمتوسط كلفة مثل هذه المبادرة يشير الى ما لا يقل عن 6 ملايين دولارا.
رابعا: مؤشر آخر على تراخي تأثير إيران الاقليمي يتجلى في لبنان من خلال:
1 – هبّة حلفاء تاريخيين للحزب في التهجم على حكومة الرئيس حسان دياب والوقوف في وجهها، وفي طليعتهم رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس تيار المردة سيلمان فرنجية، الذي من خلال ملف التعيينات، لم يفلح الحزب في اقناعه بتدوير الزوايا، فكان عناد فرنجية المتربص بالنائب جبران باسيل المستأثر، كعادته بكل التعيينات الوظيفية للمسيحيين. بالإضافة الى تجنب مواجهة سنية مع الحريري الذي استنفر العصب السني في التعيينات، من اسباب تأجيل ملف التعيينات تأخيرا لتفجير حكومي بدا حتميا لو استمر الاشتباك.
2 – على الرغم من مواقف الحزب الداعمة لحكومة دياب والآخذة على عاتقها الدفاع عن إنجازاتها، خصوصاً في زمن كورونا، فإن هناك ثلاثة خطوط هجوم عليها من حلفاء قبل الخصوم: فعلى صعيد الحلفاء: خط بري وفرنجية، ضد خط الرئيس ميشال عون وباسيل. وخط أسامة سعد الموالي للمقاومة لكن المنتقد للحكومة على الرغم من وقوف الحزب الى جانبها. ومواقف منتقدة صادرة أخيراً بموضوع إطلاق عامر الفاخوري من اقرب الحلفاء امثال الوزير السابق وئام وهاب والنائب جميل السيد وغيرهم والرد العنيف للأمين العام لحزب الله حسن نصرالله على حلفائه المنتقدين. والجدير ذكره ان محاولات التفلت من تأثير الحزب ونفوذه بدأت منذ ولادة الحكومة الحالية، وبينها امتناع حلفاء له عن اعطاء الحكومة الثقة وامتناع قوى اخرى من خط 8 اذار عن اقرار الموازنة العامة الاخيرة.
3 – دخول سفيرة الولايات المتحدة في لبنان دوروثي شيا بموضوع التعيينات ولا سيما المصرفية والمالية (رفض تعيين بعض الاسماء التي تحوم حولها شبهات بقيامهم بعمليات مالية واستثمارية لصالح حزب الله بما يخالف معايير واشنطن للقطاع المالي والمصرفي)، الاثر البالغ في المساهمة في اغلاق ملف التعيينات لان الحزب ليس في وارد الدخول في هذه المرحلة الدقيقة من الحرب على كورونا في مواجهة سياسية تدفع الحكومة ثمنها.
مؤشرات كثيرة تدل على ارتباك وتخبط ايراني في المنطقة، قد تكون تداعيات كورونا في ما بعد من عوامل تبدلات جيو ـ استراتيجية كبيرة بدأت من داخل المؤسسات الحاكمة في ايران.
