
![]()
-(3).jpg)

كتب نعمة الله القاعي في “المسيرة” – العدد 1706
معركة زحلة: كيف وصل الحكيم وكيف عاد؟
كنا في مقر القيادة وتبلغنا ما طلبه الشيخ بشير(1)
كانت معركة زحلة تقاس بالساعات. عندما بدأ السوريون استخدام الطوافات من مطار رياق لنقل قواتهم الى التلال المحيطة بزحلة كان بات واضحا أنهم يخططون لقطع الطريق بين عيون السيمان وزحلة. قبل أن يكتمل الحصار وصل الدكتور سمير جعجع مع سريتين من ثكنة القطارة. بعد قليل حصل اللقاء في مقر القيادة في بنك بيبلوس وتبلغ الحاضرون طلب الشيخ بشير بعودة الدكتور جعجع قبل قطع الطريق وخوفاً من اختراق جبهة الشمال. إذا كان لا بد من العودة فلنتحرك فورًا. قال الدكتور جعجع.
جلسنا أمام الخرائط في غرفة العمليات وبدأنا نناقش سيناريوهات قد يقوم بها السوريون ومن بينها احتلال الغرفة الفرنسية والشير الأحمر وبذلك يمكنهم قطع طريق إمداداتنا الى زحلة. كانت هناك منطقة تمتد من الغرفة الفرنسية المصاطب وجرود بسكنتا، ومنطقة أخرى موازية لها من الشير الأحمر نزولاً حتى قلعة عرنطة وصولاً الى تلال قاع الريم، وكانت المنطقتان تشكلان لساناً يصل جرود كسروان بمنطقة زحلة وعلى جانبيه انتشار سوري غير محدد وغير ثابت.
كانت الثلوج ما زالت تغطي القمم وقسمًا من السفوح مانعة السوريين من التحرك بسهولة في تلك المنطقة. كنا قد وصلنا الى خلاصة بأن السوريين سيقاتلون في منطقة صعبة المسالك وبعيدة عن خطوط إمداداتهم وستبقى السيطرة لنا لعلمنا بأنه كان محظّرًا على السوريين استعمال الطيران لحسم المعركة من خلال القيام بعمليات إنزال كوماندوس من الوحدات الخاصة وأن قيامهم بمثل هذه العملية يهدد الاستقرار في الشرق الأوسط ويكسر قاعدة الخط الأحمر. لذلك عملنا في غرفة العمليات على بلورة خطة للدفاع ضد المشاة وكانت تقضي بقصف أي تجمّع لهم واستدراجهم الى قتال ميداني على التلال وإنهاكهم من التعب لأن المسافات طويلة ووعرة، على نمط قتالنا في قنات حيث اضطر مشاتهم الى تسلّق شير قوي قبل الوصول الى القرية فكان العسكر يصل منهك القوى لا يستطيع استعمال سلاحه.
هذا ما دفعنا الى أن نطلب من مفوضية كسروان التي قد تسلمها سامي خويري أن ترسل عناصر من المشاة لحماية التلال المشرفة على زحلة وهي الغرفة الفرنسية والشير الأحمر. هنا تدخلت وقلت للمجتمعين بوجوب الدفاع عن قلعة عرنطة التي ما زالت غير محمية وعدم زج قوات أخرى الى داخل زحلة لأن في ذلك حشد غير مفيد، فأهالي زحلة مع المجموعات القتالية من مغاوير ودفاع أدونيس ومجموعات أبو حلقة ونديم الشدياق “أبو علي” يتكفلون بالدفاع عن الداخل. لذلك قررنا أن أتوجه على رأس مجموعة من وحدات دفاع بيروت بإمرة الشهيد سليمان صوايا “شلومو” الى قلعة عرنطة للدفاع عنها على الرغم من عدم توفر سبل الحياة والإمدادات لتلك التلة التي تشرف على السهل وعلى مدينة الفرزل.
كان سليمان ومجموعته قد سبقوني الى فندق المزار في عيون السيمان الذي تحوّل نقطة تجمّع لقواتنا للانطلاق الى زحلة.
وصلت الى عيون السيمان والتقيت بسليمان صوايا وكان معه شقيقي مرسال قاعي الذي كان قد تطوّع مع فارس مدوّر وسليم الصايغ وجورج عيسى في وحدات بيروت. فطلبت من شقيقي أن يتوجه الى البيت لطمأنة زوجتي وإخبارها بأنني سأتوجه الى زحلة خصوصًا أنه كان أصيب في ركبته بتمزق في الغضروف منعه من المشي.
اتصل بي فؤاد مجددًا وقال لي بوجوب التحرك فورًا الى زحلة وأخذ مجموعة من شباب أبو علي “نديم الشدياق” لنقل الذخائر وخاصة قذائف الـ B7 وصواريخ الميلان. حيث سبقنا فريق من المضاد للدروع مع الشرتوني وحبيب عطاالله الذي كان من رماة الميلان المشهود لهم. انضم إلينا في تلك الليلة غسطين تيفو و(الشهيد) مانويل الجميل. أما مجموعة سليمان فكانت تضم جورج عيسى ومانويل فاضل، فيصل نادر “Pronto”، الياس عيسى وغيرهم وكان عديدها 12 عنصرًا.
كانت القافلة طويلة طلبت من سامي خويري تحضير “الراتراك” لنقلنا قدر المستطاع الى الشير الأحمر ولكن الضباب كان كثيفاً بحيث انعدمت الرؤية وكان من المستحيل قيادة “الراتراك” على الرغم من قدرة فايز خليل سائقه وطوني جعفر ويوسف أسعد الفريق الذي ساهم في نقل المجموعات الباقية في العيون الى الشير الأحمر والغرفة الفرنسية. وصل حنا سابيوس وهو مفوض قسم حراجل في ذلك الوقت وكان أهم دليل لنا في الجرد. يعرفه أكثر من غرف بيته. كان حنا يعمل معي ضمن سرية حراجل عندما كنت نائب مفوّض كسروان. التقينا مجددًا وصعدنا الى “الراتراك” وكان معنا “راتراك” ثانٍ لاستيعاب البقية.
توجهنا الى منطقة الوردة نقطة الانطلاق الى الشير الأحمر. كان الضباب كثيفًا والرؤية منعدمة والتقدم بطيئاً جدًا مما اضطرنا أنا وحنا سابيوس للنزول والسير أمام القافلة في محاولة لتحديد الطريق. وصلنا الى الشير بعد ساعات وكان الضباب قد خفّ فاتصلت بفؤاد وأعلمته بوصولي وبأنني سوف أتوجه مع المجموعة الى زحلة، وسنبقى أنا وسليمان صوايا مع مجموعة في قلعة عرنطة للدفاع عنها، بينما يكمل الباقون الى المدينة. تقدم حنا سابيوس وغمرني مودعًا ومتمنيًا لي السلام وبدأنا النزول. كان المنحدر قويًا والثلوج تغطيه بمعظمها، فاضطررت للتوجه بواسطة البوصلة بعد تحديد المسار. بعد دقائق من سيرنا بدأ المنحدر يصبح أكثر انحدارًا وصعوبة فجلسنا على الأرض ووضعنا بنادقنا أمامنا وانطلقنا نزولاً وكأننا نتزلج على الثلج، كان نزولنا سريعًا ولكن خطرًا.
(يتبع)
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]