


















كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1706
بوب حداد يتذكر حرب زحلة
حكاية “معركة إيمان وعنفوان” (1)
2 نيسان 1981. الصمت يلف جبهات زحلة. بوب حداد آمر فصيلة في وحدات المغاوير في قطاع الجرد مع الشباب. فجأة يصل جوزف اسطفان الملقب ب”المارشال” مع شابين ويبلغه برصد جرافة سورية تعمل على حفر خنادق في حمّار الوادي لرصد مواقع الشباب في منطقة زحلة من جهة السهل. وقبل أن يغادر بادره قائلاً بأنه بلغ قائد وحدات المغاوير جو إده بالأمر وسيتولى استكشاف المنطقة. ما هي إلا دقائق حتى دوى صوت قذيفةB7. لم يدرك بوب في حينه أن هذه القذيفة ستكون البداية لاندلاع معركة زحلة التي ستدخل تاريخ المقاومة تحت عنوان:” معركة إيمان وعنفوان”. كانت الساعة تقارب الرابعة عصرا وبتقولي نار جهنم وفتحت…
راجمات جيش الإحتلال السوري تطحن البشر والحجر. التلامذة في المدارس خرجوا من صفوفهم. الأهالي في الشوارع يركضون يصرخون بهلع بخوف… كل يفتش عن ولده، عن ضنى قلبه الذي أرسله صباحاً إلى المدرسة إيماناً منه بأن عقارب الزمن لم ولن تتوقف على رغم كل الممارسات والمناوشات التي سبقت ساعة الصفر الجحيم. لكن جشع جيش الاحتلال السوري كان يمسك بتلك العقارب ولم يدرك بدوره أنه في المكان والزمان اللذين لا تنطحن فيهما كرامة الزحلاويين وصمود شبابها.
3 أشهر وزحلة مرقد الأسود تحت وابل القذائف والراجمات والمدفعية السورية التي كانت تدك فوق رؤوس الأهالي لتطحن عزتهم وتجبرهم على الرحيل ومغادرة أرضهم تحت شعار: “أمن البقاع من أمن دمشق”. لكن في المقابل كان مقاتلو “القوات اللبنانية” الذين قدموا من بيروت لمساندة شباب زحلة وتوزعوا على الجبهات بعدما كانوا انشأوا غرفة عمليات خاصة لإدارة المعركة. معركة زحلة التي بدأت تتظهر ملامحها بين عيد الميلاد 1980 وأول نيسان 1981. كانت المهمة صعبة لكن ليست مستحيلة.
مع انقضاء عطلة عيد الميلاد وتحديدا بين 6 و 10 شباط 1981 كلّف الشيخ بشير الجميل رئيس مكتب المناطق المحتلة جو إده التوجه إلى زحلة وتحضير الأرض عسكريا وشعبيا من خلال الهيئات الشعبية لضمان صمود أهل المدينة. ويروي بوب حداد: “اتصل بي جو إده وأبلغني أنه أعطى الأمر لقائد فرقة المغاوير ابراهيم ضاهر بتنظيم فصائل وحدات المغاوير لتسلّم القطاعات في مدينة زحلة. يومها كنت آمر فصيلة في المغاوير، فطلب مني ابراهيم ضاهرالتوجه مع جورج قزي وسليمان الحويك وسليمان الحاج موسى، وجوزف اسطفان الملقب ب “المارشال” إلى زحلة بأمر من القيادة. جهزنا العتاد على عجلة وبقي جو في مركزه في بيروت. النقطة الأولى التي كانت محطة رئيسية للوصول إلى زحلة كانت عيون السيمان. من هناك سلكنا درب الشير الأحمر المغطى بالثلوج بواسطة “الراتراك” الذي كان ينتظرنا.
عند وصولنا إلى وادي العرايش كان يُفترض أن تتولى مجموعة من الشباب مرافقتنا للنزول إلى مدينة زحلة بواسطة آليات وسيارات عسكرية. لكن سرعان ما استدركت أننا سنكون مكشوفين أمام السوريين الذين كانوا يرابضون على التلال المطلة على زحلة. مشينا مسافة كيلومتر وسط الثلوج. فجأة سمعنا صوتا من الجهة الخلفية فطلبت من العناصر الإنبطاح بوضعية نجمة لمواجهة أي اعتداء مرتقب من المهاجمين. وإذ بصوت عتابا وميجانا يصدح. عتابا وميجانا يعني لبناني …صرخت : مين في هون؟ وكانوا على مسافة مرمى نيراننا. فجاء الرد:” أنا “الدالول” سامي الغضين ومعي 3 شباب من زحلة. ما تخافوا”. مشينا معاً نحو منطقة حمّار الوادي وكان في انتظارنا الشهيد بطرس حريقة حيث أقلنا بواسطة فان محكم الإغلاق من كل الجهات وصولاً إلى مدينة زحلة وكانت الساعة تقارب الخامسة عصراً.
فور وصولنا أبلغنا اهالي زحلة أنهم جهزوا لنا منزلا تحت تمثال سيدة زحلة حيث يرابض جيش الإحتلال السوري للإقامة فيه. كنا خمسة شبان فاتفقنا أن يتولى كل منا قطاعا، وبما أنني كنت معروفاً بعشقي للرياضة وتحديدا رياضة المشي أوكل إليّ قطاع الجرد، وتسلًم جورج قزي قطاع حوش الأمراء وكسارة أي مداخل زحلة الجنوبية، وسليمان الحاج موسى مركز العقرب المشرف على غرب زحلة والمارشال منطقة حمّار الوادي والمعلقة، وبقي سليمان الحويك بتصرف القيادة وكان مركزها في دار المعلمين في زحلة.
في الأيام الأولى لم يعلم أي من أهالي زحلة بوجودنا، فكنا ننام نهارا ونسرح ليلا لاستطلاع الأرض والمواقع. لاحقأ انتقلنا إلى مرحلة تنظيم القطاعات وقصدنا مراكز التجمع الزحلي وكان المسؤول عنها يومذاك جورج عون والد النائب سليم عون .كنا نجمع الزحالنة ونسألهم عن أوضاعهم ونستطلع هواجسهم والمواقع الإستراتيجية التي كانوا يشغلونها في بداية الحرب اللبنانية وبدأت عملية تحضير الجبهات التي كانت تتم تحت ستارة الليل.
نهاية شهر آذار بدأت تتوضح معالم المعركة في زحلة، فقررنا أن نكشف عن أنفسنا وصرنا نتجول في المدينة ببزاتنا العسكرية. وبدأنا تشييد المتاريس وحفر الخنادق. وقبل أن يكمل بوب حداد سرد مراحل التحضير لمعركة زحلة يضحك ويقول:” قبل ما تبلش المعركة انتحلت صفة كاهن إيطالي وطلعت على ضيعة قاع الريم مع شب من المنطقة إسمو جريس تنوري (أبو بيار) وقلتلّو مين ما سأل عن هويتي بتقلّن إني كاهن منتدب من الفاتيكان عم يبرم ع الأهالي تا إنقل للفاتيكان واقع حصار الجيش السوري لأبناء مدينة زحلة والمعاناة اللي عم بيعيشوا نتيجة الحصار.بينما الهدف الحقيقي كان تصوير مواقع جيش الإحتلال السوري عن قرب.
كان في حوالى 6 أو 7 كنايس ب قاع الريم صرنا نبرم علين ونسلّم ع الأهالي، وبس يحاول حدا من الأهالي يفتح معي حديث دغري كان يتدخّل بيار ويقللو:” ما بيفهم عربي، ما بيحكي إلا اللغة الإيطالية”. وهيك صرت كيف ما أبرم إسمع من الأهالي كلمة واحدة:” الله معك يا محترم”. وكل عيلة تعزمني ع بيتا أطلب منا تاخدني على غرفة بتطلّ على أقرب موقع لجيش الإحتلال السوري. وصرت صور بواسطة الكاميرا المجهزة اللي زودتني فيا القيادة.وبس خلصت المهمة رجعت من قاع الريم ومعي أرشيف عسكري كامل عن كل مواقع السوريين”.
قبل 20 يوما من اندلاع معركة زحلة توجه جو إده إلى زحلة وبدأ يجري لقاءات مع مطارنة المدينة وأبلغهم أن المعركة ستقع دفاعاً عن زحلة إذا حاول جيش النظام السوري الدخول إليها. وبالتوازي بدأ عملية تنظيم القطاعات واستحداث الهيئات الشعبية لمساعدة الأهالي على الصمود والمقاومة في وجه كل تداعيات المعركة المرتقبة.
2 نيسان 1981. الصمت يلف جبهات زحلة. فجأة يصل جوزف اسطفان الملقب ب”الماريشال” مع شابين إلى موقع بوب حداد وكان يحمل على كتفه قاذفة “B7″ ويروي حداد: ” بيوصل المارشال وبيقللي في جرافة سورية عم تحفر خنادق بمنطقة حمّار المعلّقة ل يكشفوا ع زحلة من جهة السهل وانا حكيت مع جو(إده) وراح إنزل إستكشف مع الشباب”. ولم يدرك بوب في حينه أن اللحظات التالية ستكون بداية لاندلاع معركة زحلة. ويضيف:” بس قللي حكيت مع جو ما عرفت شو كان مضمون الحديثوما كنت عارف شو نازل يعمل. فجأة منسمع صوت قذيفة “B7”. كانت أول مرة منسمع فيا صوت قذيفة أو رصاص ع الجبهة. شوي بيطلع صوت قذيفة تانيي. كانت الساعة حوالى 4 عصرا. فجأة بشوف الشباب اللي نزلوا مع المارّشال واصلين وحاملينو. كان وجّو مغطى بالدم. وخبروني إنو تاني قذيفة B7 انفجرت بوجو. دغري حطينا بسيارة ونزلوا في ع زحلة ومن هونيك ع بيروت ع “البغال”. وكانت الشرارة لاندلاع حرب زحلة. بتقولي نار جهنم وفتحت… كان القصف عم ينزل متل الشتي على زحلة. راجمات من كل حدب وصوب. الواضح إنو كانوا عارفين بوجودنا وبتحركاتنا وإنو كنا عم نحصّن مواقعنا وهيك بلش كل مسؤول عن قطاعو يتولى مهماتو العسكرية واللوجستية. وكان في خط ميداني مفتوح من مركزنا بمبنى فرنسبنك مع القيادة ببيروت.وبقي هالخط مفتوح لمدة 3 اشهر.
عملية انتقال الرفاق والمدنيين إلى الجبهات وقلب المدينة كانت شبه مستحيلة لولا الدالول:” كان سامي الغصين المعروف بالدالول يتولى نقل الرفاق والمدنيين من عيون السيمان عبر الشير الأحمر مع خيو رفيق بواسطة”البغل”. وكان يتولى جو إده توزيعن على القطاعات . صحيح إنو المعركة كانت غير متكافئة لأنو الجرد كان كتير واسع وكان بدنا 5 ساعات حتى نقطع من جبهة لجبهة بينما هني كانوا ينزلوا علينا بطائرات الهيليكوبتر، بس مع هيدا وكللو قدرنا ندمر معنوياتن من خلال العمليات اللي كنا نقوم فيا وبكل عملية تكون خسائرن البشرية بالعشرات عدا عن تدمير الآليات والدبابات”. .
15 نيسان توجهت فصيلة من المغاوير لمؤازرة الشباب في المعارك وكانت المحطة الأولى في المعلقة حيث دارت معارك ضارية أدت إلى انسحاب السوريين بعد تكبدهم خسائر بشرية فادحة لا سيما في معركة الدبابات على الجسر حيث تمكن شباب المقاومة اللبنانية من إحراق الدبابات التي كانت تعبر الجسر وتحول المشهد إلى بوستر بعدسة الرفيق حبيب نمور الذي شارك مع جان أوهانيان في تلك المعركة التي صارت عبرة لكل محتل”.
بعد انتهاء معركة المعلقة قطع السوريون الأمل في الدخول إلى زحلة. وفي أحدى الليالي حاول السوريون نصب كمين للشباب بعدما نزلوا من ضهور حزرتا المؤدية إلى ترشيش وصولا إلى نهر البردوني وعمدوا إلى زرع عبّارة على الطريق الفاصلة بين وادي العرايش وقاع الريم بالألغام وتفجيرها بهدف قطع الإمدادات التي كانت تصل عبر هذه الطريقإلى الشباب. في الليلة التالية كان القمر مكتملا فطلبت من الشباب طمر الطريق بالتراب واستعنا بالأهالي والفلاحين فأنجزوا المهمة وتم فتح الطريق أمام الآليات لنقل الشباب والمصابين من قاع الريم إلى وادي العرايش في زحلة وكذلك السيارات المدنية التي كانت تنقل المؤن للأهالي. وتم تحويل مراح للماعز تابع لآل العلم إلى مركز عسكري متقدم لحماية الطريق التي كانت بمثابة خط التماس الغربي على سفح جبل صنين، وتسلم الشهيد جوزف حداد(استشهد في 4 أيلول 1983 في معارك الجبل في كفرمتى) قيادته واستمر حتى انتهاء حرب زحلة وبات يعرف بإسم مركز “الحداد”.
مع وصول شباب ثكنة أدونيس لمؤازرة فوج المغاوير توجهوا دفعة واحدة إلى زحلة وتمركزت المجموعة في أوتيل العرابي واستحدثوا مركزاً دائماً لهم وشاركوا في معارك قاع الريم والجرد. واستمر الوضع الميداني على هذه الحال حتىسقوط الجرد.
وسقط الجرد
قبل يومين من سقوط الجرد توجهت مجموعة من شباب القطارة بقيادة سمير جعجع يرافقه عباس إلى زحلة. عند وصولهم إلى عيون السيمان كانت الساعة تشير إلى العاشرة والنصف صباحاً. ويروي بوب:” كانوا حوالى 200 شاب. سلكوا درب الشير الأحمر المكلل بالثلوج سيراً على الأقدام. كان المشهد أشبه بخط نمل . فجأة بدأت صواريخ الغراد تنهمر على الشباب من سهل تربل بمعدل 40 صاروخ كل دفعة. كان المشهد سورياليا. شهب نار حمراء تعبر بسرعة الضوء وتسقط على بساط الثلج الأبيض وهذا ما ساهم في الحد من نسبة الخسائر البشرية وإلا “ما كان بقي مخبّر. وسقط شهيدان نجا الخوري وطوني جعجع.
السادسة مساء وصلت مجموعة القطارة إلى حمّار الوادي. وتم نقل الشباب إلى المدرسة الرسمية في وادي العرايش وتوجه عباس وسمير جعجع إلى مركز القيادة في مبنى فرنسبنك وعقدا اجتماعا مع جو إده، وبعد اتصالات مع القيادة في المجلس الحربي والشيخ بشير الجميل، عادت مجموعة القطارة وتوجهت صعودا نحو الشير.
بعد يومين طلبت من سليمان صوايا (شلومو) الذي كان وصل للتو من بيروت عن طريق عيون السيمان التمركز في قلعة عرنطة لتأمين الحراسة ليلا مع شباب وحدات بيروت الذين نزلوا من الجرد ومجموعة قائد ثكنة البقاع نديم الشدياق (أبو علي) على أن يتوجهوا في اليوم التالي إلى زحلة. لكن أحدا لم يتوقع أن يكتب يوم 11 نيسان حكاية بطل إسمه شلومو ويسجل تاريخ بطولات شباب قاوموا جحافل المحتل السوري بإيمانهم وإرادة الصمود.
ذاك اليوم وصلت طوافة على متنها عناصر من جيش الإحتلال السوري وبدأت عملية إنزال على التلال لمحاصرة الجرد. فحصل اشتباك مع مجموعة وحدات بيروت وأبوعلي واستشهد شلومو إثر إصابته مباشرة بفعل قذيفة سقطت على بعد أمتار محدودة منه حيث كان يدافع عن الجرد. كما استشهد شاب آخر يدعى شكري إثر إصابته بقذيفة بشكل مباشر. حاول الشباب سحب جثة شلومو لكن وبسبب كثافة النيران ما قدروا الشباب يسحبوا الجثة. وبقيت مطمورة بالثلج على كعب صخرة. بعد 3 أشهر طلعت فرقة من عناصر قوى الأمن الداخلي مع ضابط سوري من الوحدات الخاصة وسحبوا جثة شلومو بس ما كانت مشوهة لأنا كانت مطمورة بالثلج أما جثة شكري فلم يتم التعرف إليها….
استدعيت مجموعة من وحدات أدونيس ودار اشتباك عنيف مع لواء أبو علي ديب في باحيتا. كنا حوالى 33 شاباً أقمنا سداً بشرياً ووضعنا كامل عتادنا وذخائرنا أمامنا لأننا كنا على يقين بأنه ستأتي لحظة لا نعود فيها قادرين على تلقيم رشاشاتنا.استمرت المعركة حوالى 3 ساعات ونصف وفرغت جعباتنا من الذخائر .كانت معركة قاسية جدا تصوري إنو بارودة اللانشر تكسروا عضماتا قد ما لقمتا رصاص. عندها انسحبنا إلى حمّار الوادي أي عند حدود المنطقة السكنية في جرد زحلة وتمركزنا هناك حتى انتهاء معركة الجرد في 13 نيسان 1981.وبات متراس حمّار الوادي الأخير في مواجهة السورين الذين بقوا متمركزين على التلال المحيطة بمدينة زحلة.
أن تسأل زحلاوياً اليوم عن تلك الأيام السوداء يبادرك بالقول: “كانت معركة قاسية. جهنم ومفتوحة، 15 قذيفة بالدقيقة والجريح مشروع شهيد والشهيد مدفون تحت التلج في انتظار يوم الإنتصار المكلل بالكرامة. بس زحلة بقيت مدينة العز والكرامة بفضل صمود أهلها وشباب المقاومة اللي ما كل زحلاوي بيشهد إنو لولا البطولات اللي سطروها بوج المحتل السوري كانت سقطت زحلة ومعا الهوية اللبنانية لأنو المخطط كان أكبر من طحن البشر والحجر بزحلة. كان المطلوب تحويلها لممر خصوصاً إنو البقاع كان يشكل الخاصرة الرخوة للنظام السوري”.
من كانوا هناك شهدوا. وفي رواياتهم المجبولة بالعنفوان والوجع خلاصة واحدة: “أشهد أننا إنتصرنا عليكم وهزمناكم… وبقيت زحلة مرتع المقاومة الحرة”.
وحدها رواية الشهيدين فؤاد نمور وجورج نخلة اللذين استشهدا على ثلوج جرد زحلة تبقى عنوانا لمرتع المقاومة.” كان المشهد أشبه بملحمة. جورج وفؤاد كانوا غامرين بعضن …. بيقولوا إنو ضيّعوا الطريق ووصلوا ع كركول مطايوحان وهوي مركز متقدم بالجرد وكان يشكل نقطة حماية للغرفة الفرنسية من جهة البقاع. بس وصلوا لهونيك كان صار الوقت متأخر. قعدوا يرتاحوا غمروا بعضن تا يتدفوا بحرارة جسمن و….جلدوا.
15 نيسان 1981 طلعوا يفتشوا على فؤاد وجورجصوب نقطة مطايوحان لانو في وادي بيوصّلن ع بلدة قاع الريم. بس ما قدروا يوصلوا لأنو المعركة كانت بلشت بالبلدة وكانت أكثر شراسة بعد سقوط الجرد. كانوا السوريي عم يعملوا إنزالات بالطائرات ونحنا كنا بحدود 40 مقاتل بوج ألوية مدججة بالسلاح والطيران. بتذكر إنو كان في مركز للسوريين عند تمثال الكرمة وتم تطويقو من قبلنا وما بقا فين ينسحبوا نحو السهل ولا نحو زحلة أو حوش الأمراء واندلعت معركة راح فيا حوالى 100 قتيل سوري.
كثيرة هي الروايات التي تكتب عن معركة زحلة والأكثر من ذلك التفاصيل الموجعة والمحطات التي عاشها المقاتلون والأهالي الذين كانوا يسرقون لحظات وقف إطلاق النار للخروج وتأمين ما توافر من المواد الغذائية والماء. لكن تبقى محطات وجع مغمسة بالبطولة محفورة في الذاكرة لتصير حكاية وعبرة للأولاد والأحفاد. “كنا نعمل اجتماعات مع الراهبات والمطارنة للتعاون بتأمين الحاجات للأهالي المحاصرين بس للتاريخ والأمانة إنو معركة زحلة العسكرية ما اقتصرت على شباب المقاومة المسيحية. كل الأهالي كانوا عم بيشاركوا. وكانوا السبب بصمودنا وتعزيز إرادة بقاءنا ومقاومتنا. بتذكر بس وصلنا ع وادي العرايش كان عنا مركز متقدم طلبت من الرجال اللي عمرن بين 70و75 سنة إنو يجوا كل ليلة ع المركز وأعطين سلاح وقلتللن ما عليكن إلا بس تقوصوا”.
يوم النصرسجل يا تاريخ
في سجلات الذاكرة لا يزال الشريط يكرج في كل 2 نيسان. وفي كل بيت زحلاوي تزنرت جدرانه وزواياه بصور شهداء لا تزال مشاهد الحصار والجوع والموت الذي تحول الى تعويذة صلاة يومية خلال أشهر الحصار والمعارك التي استفزت الرأي العام الدولي قبل أن تكتب نهاية الحصار في 30 حزيران 1981.
يروي بوب:”صعدنا الى الحافلات وبدأت عملية الإنسحاب من زحلة. صحيح أننا كنا نغادر المدينة ولكن عددًا من رفاقنا الذين استشهدوا بقيوا هناك. لقد أدوا المهمة بكل أمانة وإيمان وصنعوا ملحمة الخلود”.
“هيدا النهار كان من أجمل لحظات حياتي. بتذكر كنت مع الشباب بآخر باص. طلعوا السوريين ع الباص وبلشوا يطلبوا أسماء الشباب. كل واحد صار يعطين إسم وهمي متل ما اتفقنا بين بعضنا. بس مشينا من كسارة كنا عم نغني “ع الصخر منحفر كتايب” وأجمل مشهد كان عند وصولنا عند نقطة الحدث. الناس ع الطرقات شباب نسوان ختياريي أطفال كلن كانوا واقفين ناطرين مرور قوافل الشباب اللي راجعا من زحلة وبكل محطة كانوا يرشوا علينا رز وورد.بس المشهد الأجمل إنو كل 20 متر كان في مجموعة من الجيش السوري وكنا عم نقطع قدامن بالسلاح والعتاد.بس وصلنا ع المجلس الحربي نزلنا من الباصات ووقفنا صف منتظم وفتنا ع المجلس لنكتب حكاية معركة بطولة وعنفوان بزحلة مربض السلام والأسود”.
عسكريا اعتبر جيش الإحتلال السوري أنو انتصر على المقاومة المسيحية وكسروا عزيمة وعنفوان الزحالنة:” بس هني على خطأ. السوري ما ضهرنا وما هزمنا بزحلة. بالعكس نحنا منعتبر إنو معركة زحلة هيي أكبر انتصار لمسيحيي الشرق من هلق ل 2000 سنة .نحنا كنا مطوقين بزحلة وسلاحنا بالكاد كان يكفي لمعركة أسبوع. مع ذلك صمدنا 3 أشهر وحاربنا ألوية الجيش السوري اللي كان عم بيقاتل بالمدرعات والطيران. عودتنا بسلاحنا وعتادنا قدام عيون السوريين من معركة زحلة غيرت نظرة العالم تجاهنا. حتى انو الرئيس الراحل انور السادات قللو ل حافظ الأسد بإحدى اللقاءات:” إيه دا. 70-80 شب ما خلوا جيشك يفوت ع زحلة مع انو كان مدجج بالسلاح والطيران”؟.
عام 2011 عاد بوب حداد إلى الجرد وزرع 100 شجرة أرز في قلعة عروس التي كانت تشكل مركزاً استراتيجياً بين زحلة وعيون السيمان، وفاء لأرواح 100 شهيد سقطوا في حرب زحلة وكتب على بلاطة الرخام:” أرواحكم خالدة كأرز لبنان. شهداء المقاومة المسيحية . زحلة 1981.لكن طبيعة الأرض لم تكن ملائمة للزرع على رغم محاولات إنعاشها.
وفي نفس العامشيد بوب مع مجموعة من الرفاق المقاومين مذبحا على قمة ” قلعة عروس” من حجارة بوزن 40 طنا ووضع صليباً بعلو 5 أمتار. أمام هذا المذبح وتحت هذا الصليب يحيي بوب حداد وعدد من الشباب الذين شاركوا في معركة زحلة وأبناء المدينة قداساً في الأحد الأول من كل شهر نيسان ويختم:” معركة زحلة ثبتت وجود مسيحيي الشرق لأنو لو تحققت إرادة السوري بتهجير 250 ألف مسيحي من زحلة كان اكيد راح يكون الوجود المسيحي بلبنان والشرق الأوسط مهدد. الإيمان والصلا هني اللي خلونا ننتصر ونربح معركة زحلة.
30 حزيران 1981 كتبنا تاريخ انتصار المسيحيين ومش إنكسارنا. واللي عم نكتبوا اليوم ع صخور طبرية عم نكتبوا لكل شهيد كتب بدمو حكاية بطولة وإنتصار ومقاومة.
(يتبع)
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
