خطة الإصلاح المالي “سوداوية”… تدفُّق الدولار ممنوع

فشلت محاولة تذاكي السلطة على سفراء الدول المانحة ورعاة مؤتمر سيدر، وسقط رهانها على تلقي لبنان مساعدات خارجية تضخ بعض أوكسيجين الصمود، سواء في شرايينها أو في الاقتصاد، بما يجمِّل صورتها الباهتة نسبياً ويمنحها مزيداً من الوقت. ويبدو ألا سبيل إنقاذ لتراهن عليه، سوى خطتها المالية الإنقاذية الموعودة في الأسابيع المقبلة، علّها تنقذها وتنقذ الوضع من التوغل في الانهيار.

مصادر مالية رفيعة المستوى، ترى، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “الخطة الحكومية ترخي ظلالاً شديدة السواد على الوضع عامة، إذ إنها تتناسى بشكل متعمد مسألتين أساسيتين: البعد السياسي، وتأثير تفشي فيروس كورونا على المستوى العالمي”، مشيرة إلى أن “الحكومة تستند بالدرجة الأساسية على الخارج، ووضعت سيناريوهات فاضحة عن عودة الثقة وتهافت العالم للاستثمار في لبنان خلال 5 سنوات، متعامية عن تأثيرات كورونا على اقتصاديات الدول المانحة”.

وتضيف، “السعودية مثلاً بعد انخفاض أسعار النفط لن توزع المساعدات كيفما كان. وفرنسا التي خصَّصت 300 مليار يورو لمواجهة تداعيات كورونا، أولوياتها لأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية بطبيعة الحال. وكذلك ألمانيا والولايات المتحدة وسائر الدول. فهل هناك منطق في هذا التفاؤل الحكومي عن أموال ستتدفق بهذه السهولةً؟”.

وتؤكد المصادر ذاتها، أنه “مع تداعيات كورونا لا يمكن أن يبقى سيدر مستمراً بحالته القديمة بحجم الأموال التي كانت مخصصة للبنان. أي أن تأمين مبلغ 11 مليار دولار وأكثر يضاف إليها استثمارات ترفع الرقم إلى 18 مليار دولار، أمر بات مستحيلاً، جراء تراجع الاقتصاد عالمياً وتأثر اقتصاديات الدول المانحة بشكل بنيوي. فهذه الدول ستحسب جيداً مسالة توزيع المساعدات على دول أخرى خشية ما يمكن أن يجره من انعكاسات على أوضاعها واستقرارها الداخلي، إذ يمكن أن يتسبب بخضات واضطرابات شعبية نظراً لأضرار كورونا على اقتصادياتها بالذات، وشعبها وشركاتها واقتصادها أولى بالمساعدات”.

أما في البعد السياسي، على الصعيد الخارجي، فتلفت المصادر المالية ذاتها إلى أن “الولايات المتحدة تفرض حجراً على تدفق الدولار إلى لبنان”، وتقول، “ممنوع وصول دولارات إلى لبنان بسبب الانتماء السياسي الواضح للسلطة الحاكمة إلى محور الممانعة. فالصراع بين واشنطن وطهران على أشده وغير خاف، والعقوبات على إيران وحزب الله مستمرة وفي تصاعد مضطرد. فكيف ستحل إذا أزمة الشح بالدولار إذا لم تتخلَّ السلطة في مختلف مفاصلها عن مواقف سياسية معينة أو تلطيفها على الأقل؟ هل سيغري أركانها واشنطن بجمالهم وحسن طلّتهم البهية؟”.

وتعتبر المصادر أن “ما تحاوله السلطة من ألاعيب وبهلوانيات، مضحكٌ مبكٍ. مثل ما تم تسريبه عن تحضير وزارة الخارجية لإدانة متأخرة للهجمات على أرامكو السعودية من دون ذكر المهاجمين وداعميهم، وذلك تحضيراً لزيارة يقوم بها رئيس الحكومة حسان دياب إلى المملكة لاسترضائها وطلب المساعدة. فهل هكذا تدار الأمور؟”.

وتشدد على أنهم “يتذاكون ويغفلون عمداً أن ثمة مشكلة عميقة بين السعودية وإيران. والمملكة ليست على استعداد في أي شكل لتمويل دولة تضع نفسها في خانة ما يسمى محور المقاومة والممانعة، الذي يهاجم السعودية ويهدد أمنها القومي. بالإضافة إلى انخفاض أسعار النفط جراء كورونا وتأثيراته على الاقتصاد السعودي وخطط التنمية الداخلية”.

وفي البعد السياسي الداخلي، تشير المصادر المالية رفيعة المستوى، إلى أن “الخطة تتحدث وكأن كل القوى السياسية تبصم بالعشرة على مضمونها وستسلك طريقها إلى التنفيذ بسلالة”. وتعتبر أن “الكلام عن استعادة الأموال المنهوبة مثير للسخرية”. وتسأل، “من سيستعيدها؟ فالمتهمون معروفون وهم الذين كانوا ولا يزالون في السلطة، فكيف سينفذ هؤلاء خطة تلاحقهم بالذات؟”.

كما تعتبر المصادر، أن “الخطة، في الشكل، موجهة بشكل واضح متعمد لتحميل القطاع المصرفي ومصرف لبنان كامل المسؤولية عن الأوضاع المالية والاقتصادية التي وصلنا إليها، ويتناسى واضعوها ألا قطع حساب في الدولة منذ نحو 17 عاماً، والقرارات والسياسات العامة المالية كانت تتخذ في مجلس الوزراء وبمصادقة مجلس النواب عليها”.

وتؤكد على ضرورة “محاسبة ومحاكمة كل المسؤولين عما آل إليه الوضع. لكن أن تتنصل السلطة السياسية بمختلف مواقعها من المسؤولية، وتبرئة نفسها من القرارات والصفقات والتنفيعات والهدر والفساد على مدى سنوات وحتى يومنا هذا، وتصوير المشكلة وكأنها تنحصر فقط في القطاع المصرفي وحاكم البنك المركزي يسخّف من الخطة وحقيقة المسألة”.

وتلفت إلى أنه “يمكننا على ضوء ذلك اعتبار أن نفَسَ الصراع الأميركي ـ الإيراني ـ حزب الله حول القطاع المصرفي لا يزال مستمراً، على خلفية العقوبات الخانقة. بالتالي، لا أمل يرتجى في تغيير سياسات متبعة وخطط إصلاح وإنقاذ”.

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي والمالي البروفسور جاسم عجاقة، عبر موقع “القوات”، أن “المنهجية التي تعتمدها الخطة الحكومية، منهجية علمية”. لكنه يشير إلى أنها “تفاؤلية جداً، وكأنه خلال خمس سنوات ستعود الثقة، فيما هذا الأمر غير مضمون”، معتبراً أن “احتمال تحقيق الأرقام التي تطرحها الخطة ضئيل، خصوصاً في ظل التداعيات التي أرخاها تفشي كورونا على الاقتصاد العالمي وتراجع معدلات النمو”.

ولا يوافق عجاقة على “ما تطرحه الخطة في ما يتعلق بتخفيض سعر صرف الليرة اللبنانية إلى 3000 ليرة مقابل الدولار، من الآن إلى 5 سنوات مقبلة”. ويرى أن “هذا الأمر خطر جداً نسبة إلى البعد الاجتماعي في المسألة، ناهيك عن تداعياته الكبرى على الاقتصاد”.

ويضيف، “حين يتم تخفيض سعر صرف الليرة مقابل الدولار إلى 3000 ليرة، يمكننا القول عندها أن القدرة الشرائية للمواطن انخفضت إلى النصف. بالإضافة إلى ما تلحظه الخطة من تجميد معاشات القطاع العام على مدى 5 سنوات، ورفع الضرائب بما فيها الـTVA حتى وإن كان على الكماليات، وعلى الشركات التي تعاني من أوضاع تعيسة”.

ويلفت عجاقة إلى أنه “بسبب فقدان السيولة بالدولار وارتفاع سعره سينخفض الاستيراد، الذي سيتبعه حكماً انخفاض الاستهلاك”. ويشير إلى ان “تراجع الاستيراد سيفرض حكماً هبوطاً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة كبيرة جداً”، لافتاً إلى أن “تخفيض سعر صرف الليرة مع رفع الضرائب سيكون له تداعيات كبيرة على الاقتصاد، بالإضافة إلى تداعياته الاجتماعية وارتفاع أعداد الطبقة الفقيرة بشكل كبير”.

ويتمنى “لو أن خطة الحكومة تضمنت خارطة طريق تبدأ في الأولوية بالملفات الكبيرة، مثل الكهرباء والاتصالات والجمارك وغيرها، التي يمكن أن توفّر للخزينة في حال معالجتها وإصلاحها مليارات الدولارات”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل