
قاربت فترة الحجر المنزلي الشهر والنصف تقريبًا وما من آفاق محدودة لنهايتها وسط شكوك حول صحة الاحصاءات الصادرة. حتى صار اللبنانيون يشتهون الجَمعة مع بعضهم البعض. وها نحن اليوم يوم الجُمُعَةِ العظيمة في أسبوع الآلام عند الطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الغربي، وما زالت الجَمْعَة محرمة حتى في الكنائس. فهل ستعود الجَمعة عظيمة، أم سيعيش لبنان كله الأيام كلها الجُمعة العظيمة؟
لقد تجاوزت الأزمة الحالية بعدها النقدي والصحي إلى البعد المرتبط بثقة المواطن بدولته من جهة، وثقة المجتمع الدولي بهذه الدولة التي بلغت القرن الأول من عمرها. وما إن يفقد الانسان ثقته بالكيان المفترض أن يؤمن حمايته الوجودية، فهو يفقد بذلك أهم عنصر من عناصر وجوديته. وبالتالي يعيش حالة من الاضطراب النفسي المجتمعي يتركه أمام هول الواقع الذي يعيشه أمام عجز إنتاجي في القطاعات الحياتية كافة. وبالطبع لا يلام في ذلك.
ولن تعود الجمعَة عظيمة إلا إذا تم ترجمة الخطوات الاصلاحية المعروفة التي باتت بمتناول معرفة الجميع. ولا يكون الاصلاح بالمس بمدخرات الناس، بل هذه المسألة تضرب ما تبقى من ثقة عندهم بدولتهم وتدفعهم إلى عملية تدمير ذاتي قد يكون العصيان المدني أخفها. ولا يلومن أحد الناس إن ثاروا مطالبين بأدنى حقوقهم. فالثورة هي ردة فعل على هذا الأداء الفاشل الذي أتى استكمالا للأداء الذي كان قبله عوض إيقافه.
المطلوب اليوم من السلطة الحاكمة أن تعيد الثقة إلى أهلها وناسها أولا ومن ثم تسعى لتكسب ثقة المجتمع الدولي لأنها لن تستطيع النهوض إلا بمساعدته. وذلك بعد نفاذ الطرق المحلية نتيجة رفض هذه السلطة إجراء الاصلاحات الجذرية واكتفت بمجرد شكليات لم تقدم أي شيء لا للناس ولا للمجتمع الدولي.
على ما يبدو، وحتى هذه الساعة، لن تنتهي الجمعة العظيمة لتعود الجَمعة اللبنانية العظيمة، بل سنبقى كل في دسكرته يربض على التخوم الباقية من عمره وعمر الوطن. وذلك مرده بات أكثر وضوحًا لأن هذه السلطة اعتمدت النهج نفسه الذي اعتمدته سابقاتها. وما التغيير الموعود إلا كلاما بكلام. لا تعيينات ولا إصلاحات ولا مكافحة فساد، ولا مراقبة تهرب جمركي، وتهريب بري وجوي وبحري، ولا كهرباء ولا من يحزنون.
المطلوب اليوم واحد فقط لا غير. استعادة ما سلبته موبقات من استثمر الحكم لتقوية نفوذه وشعبويته وجماهريته وسلطته واستبداده على حساب وجودية الدولة. وما يريده عامة الناس هو العودة إلى حياتهم الطبيعية، ويطالبون بعودة إيقاع هذه الحياة. وبالطبع لا نحمل السلطة اليوم مسؤولية الأزمة الصحية، لكنها ستتحمل مسؤولية التقصير الذي تزامن مع هذه الأزمة. وما نتج عنه من تداعيات قد تطيل بعمرها عوض الانقضاض عليها في مهدها قبل تفشيها في لبنان كله.
الناس اليوم مسؤولون بقدر مسؤولية الدولة عليهم وأكثر. لتعود الجمعة عظيمة وكي لا تبقى مفاعيل الجمعة العظيمة إلى ما بعد كورونا، على الناس أيضًا الالتزام بما فرضه هذا الواقع الصحي. وعدم الاستخفاف بالاجراءات التي ما زالت عند بعضهم خجولة، كي لا نقول غير جدية. وذلك كله كي لا نصل إلى مرحلة لا ينفع فيها الندم. ومن له أذنان للسماع … فليسمع.