#adsense

10 تريليون دولار لإحياء العالم بعد “كورونا”

حجم الخط

​تتعالى يوماً بعد آخر تحاليل وتوقعات منها ما هو علمي واقتصادي ومنها ما هو سياسي واستراتيجي حول مصير العالم بعد موجة الحرب الصحية الحالية التي تجتاح البشرية مع فيروس كورونا وتداعياتها على اقتصاديات العالم ومستقبل النظام العالمي الجديد.

أولا: ما لا شك فيه ان عالم ما بعد كورونا لن يكون كما ما قبله، فالانكماش الاقتصادي بنظر غالبية الاقتصاديين بات بمثابة المصير الحتمي، إذ سيشهد العالم موجة كساد شبيه اقله بما عرفه ابان الازمة الاقتصادية عام 2008.

يعتبر صندوق النقد الدولي ان تفشي كورونا سيؤدي الى موجة كساد وانكماش كبير في العالم، إذ سيكون العام 2020 بما تبقى منه اسوأ عام اقتصادي على العالم وتداعياته اسوأ من تلك التي اعقبت الازمة العالمية العام 2008.

لكن الصندوق يرى امكانية انتعاش بشرط تأمين السيولة النقدية اللازمة لإعادة إطلاق المشاريع الاستثمارية الكبرى ما يتطلب من الدول والحكومات ضخ مبالغ مالية ضخمة في الجسم الاقتصادي لكل بلد الامر الذي لا يبدو من اليسير.

ومن يقول ركود وانكماش يقول بطالة وافلاسات وارتفاع معدلات البطالة وانخفاض لا بل انعدام النمو وارتفاع اسعار السلع. وهي ظروف توفر ارضيات فضلى لتنامي القوميات والحركات الوطنية المتشددة ونظريات عودة التطرف العنصري بين الشعوب، وبروزها في المشهد الدولي امر ممكن وبوادره موجودة خصوصاً في اوروبا.

العالم في مرحلة سباق مع الوقت، إذ كلما تمكنت الدول في الاسراع بالقضاء على تفشي الفيروس كلما كان الانتقال الى الانتعاش الاقتصادي أسرع. وفي المعلومات، يدرس صندوق النقد الدولي حاليا امكانية اللجوء الى اجراءات غير مسبوقة ومن خارج تسهيلات الاقتراض المعتادة لدعم اقتصاديات عدد كبير من الدول خصوصاً النامية التي تواجه كما لبنان، نقصا كبيرا ومقلقا للعملات الأجنبية، وقد تقدمت الى الان اكثر من 80 دولة بطلبات قروض ومساعدات طارئة من الصندوق.

يبلغ مجموع ما تطالب به الدول الصندوق الى الان من دعم ومساعدات، ما يصل الى حوالي 10 تريليون دولار قيمة برامج تحفيزية، وهو رقم مخيف، تتنوع بين حزم حكومية مالية واجراءات نقدية من المصارف المركزية. ومع ذلك، يخشى ألا يكون هذا المبلغ كاف للتخفيف من هروب الاستثمارات في الاسواق المالية ومنع مسلسل الافلاسات الذي بدأت طلائعها في عدد من دول العالم.

الولايات المتحدة تنفق حاليا تريليوني دولار لمواجهة تداعيات ازمة كورونا ودعم وتحفيز الاقتصاد علما انه بحسب ميزانية اميركا، بلغت قيمة وارداتها 3 تريليون ونصف فيما النفقات وقبل اندلاع ازمة كورونا كانت مقدرة بـ4 تريليون ونصف، ما يعني انه اذا اضفنا تريليونين لمواجهة كورونا، هذا يعني ارتفاع عجز الميزانية الاميركية الى 3 تريليون دولار.

ثمة توقعات اقتصادية تؤكد افلاس حوالي 50% من الشركات الاميركية في ظل عدم تحقيق اي من تلك الشركات اية ارباح لهذا العام بحسب تقديرات مورغن ستانلي. ما يعني عودة حوالي 25 مليون اميركي الى البطالة وبالتالي نسف احدى أبرز الانجازات التي حققها الرئيس دونالد ترمب اثناء ولايته الاولى والتي على اساسها نال ثقة وشعبية كبيرة في صفوف الشعب الاميركي (وهذا ما يفسر استبسال ترمب لتحريك العجلة الاقتصادية بموازاة مكافحة كورونا وطلبه تريليوني دولار من الكونغرس ومجلس الشيوخ).

ثانيا: اقل ما يمكن ان نقوله ان العالم ما بعد كورونا متجه الى حالة من عدم التوازن خصوصاً ان بوادر صراع كبير يلوح في الافق القريب بين الجبارين الاميركي والصيني. فالأميركيون لن يسمحوا للصينين بالحلول في القيادة الاقتصادية الاولى للعالم، علما ان مؤشرات مثل الـ”بي بي بي” Purchasing power parity (مؤشر القوة الشرائية العالمية)، يضع الصين في المرتبة الاقتصادية الاولى عالميا من حيث القدرة الشرائية. وواشنطن لن تقبل بالتفوق الصيني عليها في اي من المجالات الحيوية للأميركيين في العالم خصوصاً من الصين التي لطالما استحوذت ومنذ وصول ترمب الى البيت الابيض على الاهتمام الاول من جانب الطبقة الحاكمة ومراكز الابحاث ومؤسسات القرار في واشنطن.

محاور الصراع الاميركي ـ الصيني ستتركز خصوصاً على استمرار او عدم استمرار الدولار كعملة عالمية اولى فضلا عن التسابق التكنولوجي وصراع الانترنت وحرب حقوق الملكية الفكرية، إذ منذ ايام اتهم ترمب الصين بأنها سرقت حقوق ملكية فكرية من اميركا بتريليونات الدولارات مطالبا بيجين بردها.

ثالثا: يجب الا يغيب عن بالنا ان 40% من اقتصاد العالم يقع بيد كل من اميركا والصين. فالنظام العالمي الجديد محكوم من الان بتحديات خطيرة من شأنها ان تقسم العالم ان لم نقل ان توتر المشهد العالمي اقتصاديا وسياسيا وعسكريا واستخباراتيا. فآخر شيء يريد العالم رؤيته مشهد “ابوكاليبتو” من انهيار الاسهم العالمية في البورصات مرورا بانهيار التجارة العالمية (صرح الرئيس الصيني منذ أيام ان التحدي الاساسي الذي يواجه بلاده تأثر تجارتها الخارجية بأزمة كورونا) وصولا الى افلاسات وبطالة وفقر وانهيارات في الانظمة الاجتماعية.

رابعا: في المقابل ما يصعب مهام الصين في سباقها على الزعامة الاقتصادية العالمية وجود نقاط ضعف كبيرة ومؤثرة في النظام الصيني لصالح واشنطن على سبيل المثال:

أ – صعوبة ان تتحكم الصين وحدها باقتصاديات العالم انطلاقا من انها تبقى دولة عزلة وانغلاق، فلا ثقافتها منتشرة في العالم ولا تقاليدها معتمدة لدى القسم الاكبر من الشعوب فليس من السهل ابدا على الصين ان تفرض نموذجها على العالم بديلا عن النموذج الاميركي او ما يعرف بالحلم الاميركي.

ب – ثم ما يشكل مصدر قوة لأميركا في مواجهة الصين ان الولايات المتحدة ثقافيا وحضاريا وكيانياً تتشكل من عدة ثقافات وجنسيات وقوميات عالمية بحيث ينتفي المكون الوطني القومي لحساب المكون التعددي المنصهر ضمن هوية اميركية جامعة. بينما الصين بلاد اللون الواحد والارث الواحد والعقيدة الواحدة، وهو نموذج غريب عن حضارات شعوب الغرب ان لجهة العقيدة وان لجهة التركيبة السوسيو ـ سياسية والسوسيو ـ ثقافية، وهي بلاد الدكتاتورية والاحادية واللاحريات خصوصاً، فلا سينما صينية عالميا ولا ازياء صينية ولا انتاج فنون للصين في العالم، ولا حقوق انسان. على سبيل المعلومة في الصين تراقب الحكومة تحركات كل مواطن بموجب تكنولوجيا التتبع الحراري والبصماتي، حتى داخل منزله، فكيف يمكن تصور مثل هذه الممارسة في دول ديمقراطية وليبرالية؟

ج – تبقى المعلوماتية تحديا كبيرا امام الصين، لان المعلوماتية الاميركية ومن ضمنها الانترنت، تبقى اقوى من الصينيين، مع الاشارة الى ان 25% من مستخدمي الانترنت الاميركي صينيين.

د – عمالقة الاقتصاد التكنولوجي مثال غوغل وامازون وابل وفيسبوك، مداخيلهم تعادل اقتصاد الصين لغاية الان.

ه – تجاوز الاميركيون عقدة النفط كسلعة، اذ لم يعودوا بحاجة الى السلعة للاستهلاك بل كأداة سياسية واستراتيجية تسعى من خلالها واشنطن للسيطرة العالمية في ظل دولرة سعر البرميل وعدم اخضاعه لنظام مالي مدقق ومراقب (اميركا خارج اوبيك).

و– تبقى اميركا أكثر بلد يستورد من الصين، ما يجعل الأخيرة مقيدة في مواجهتها غريمها الاميركي التي تحتاج اليه.

وتجدر الاشارة الى ان الناتج القومي العالمي 85 تريليون دولار فيما مجموع قروض العالم 260 تريليون دولار، فالعالم مدين بـ3 اضعاف ناتجه القومي.

ويبقى ان الشيء الاكيد بعد كورونا، عالم جديد ونظام عالمي جديد، فإما ينجح النموذج الليبرالي في الصمود وحوكمة عالم ما بعد الازمة واما يذهب العالم الى مجهول اقتصادي وسياسي واستراتيجي منغلق ومهلك تسقط معه كل النماذج المعتمدة باتجاه عودة الى الريف والزراعة والانتاج الذاتي.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل