Site icon Lebanese Forces Official Website

زحلة 1981

من كتاب بول عنداري “هذه شهادتي” – “المسيرة” – العدد 1707

بدأ العام 1981 وقد أصبحت ثكنة القطارة مركز إقامتي الدائم، أنام في غرفة أتقاسمها مع: نادر سكر، فرنسوا المعراوي، غسان منسى، ميلاد علماوي والياس تامر… كيف كنا نعيش؟ ماذا كنا نفعل؟ ماذا تعني ثكنة القطارة في تلك المرحلة؟

الجبهة الشمالية كانت عالمًا قائمًا في حد ذاته، وهي حركة مستمرة ليلاً ونهارًا: تحضيرات عسكرية على كل المستويات وتكوين الكادرات وتثبيت الجبهة. إلا أن المشروع الأبرز كان تدريب الطلاب في جبيل والبترون. وكانت “القوات اللبنانية” المنهمكة بتركيز دعائمها في بيروت قد تبنّت هذا المشروع الذي باشر “الحكيم” تنفيذه في جبيل فعمّمته على كل المناطق المحررة. وكانت حرب زحلة آنذاك محور الأحداث العسكرية في وقت لا وجود فيه للدولة، فيما الدبابات تصل الى الفلسطينيين عبر مرفأ اللاذقية.

في الأسبوع الأول من كانون الثاني جاءت مجموعة من دير الأحمر لتتلقى التدريبات معنا. وما لبث أن تبعتها مجموعة أخرى من عيناتا. وفي لقاء مع “الحكيم” سأله أحد العناصر: كم يلزمنا لتحقيق أهدافنا؟ فأجاب “الحكيم”: “إن القمة لا تزال بعيدة وعلينا العمل خلال خمس أو عشر سنوات للوصول إليها”.

وما زلت أذكر تمامًا كيف كان يأتي “الحكيم” في الخامسة صباحًا ليوقظنا مرتديًا البيجاما وقد غطى الثلج مدخل غرفتنا في القطارة.

كنا نخضع نحن أيضًا لدورات متعددة، ننزل الى بيروت مع “الحكيم”، فرنسوا المعراوي وغسان منسى وأنا لحضور دروس في التكتيك العسكري من العميد فرنسوا جيندري بحضور المسؤولين في الأركان: فادي فرام، فؤاد أبو ناضر، جواده، بوسي أشقر، نزار نجاريان، الياس الزايك، أسعد سعيد وغيرهم.

وفي ميفوق كنا نحضر دروسًا في إختصاصات متعددة منها الاقتصاد واللغة العبرية في حضور كل من الرفاق نادر سكر، غسان توما، الكابتن، جورج أنطون، فرنسوا المعراوي، إيلي حمصي، وغيرهم. الى ذلك كان عليّ متابعة المحاضرات في كلية الحقوق في ما تبقى من الوقت.

أما في بيروت، فقد كانت الخطوات تتلاحق لتوحيد “القوات اللبنانية” وتفعيلها. وفي هذا الإطار، عُقدت جلسة في 16 كانون الثاني في المجلس الحربي ترأسها الشيخ بيار الجميل وتقرر فيها حل المجلس الحربي الكتائبي نهائيًا لمصلحة “القوات اللبنانية”. ومما قال الشيخ بيار في هذا الإجتماع: “إنني أقدّر المستوى القتالي لدى الكتائبيين الذين واجهوا وحدهم الهجمة الشرسة في بداية الحرب. وخلال فترات الهدنة أخذت سائر التنظيمات تلتف حول الكتائب. إن الخلاف الذي حصل بين المقاتلين في الصفرا وعين الرمانة والبدوي أساء الى روح العطاء والبذل من أجل القضية، لكننا إستطعنا بالتعاون مع الرئيس شمعون توحيد البندقية، وليت الرئيس فرنجية إستطاع تخطي ما حصل في الشمال إذن لتوحدت كلمة اللبنانيين… وصيتي أن تتداركوا أي صدام يقع لأن الكتائب واحدة وليس في الكتائب شقان… ومن كل قلبي إهنئ ولدي بشير لا لأنه ولدي بل لما قام به من نشاط جبار على كل صعيد، ولما أوصل إليه الحزب من قوة عسكرية… إنكم جميعًا أولادي وعليكم متابعة المسيرة وتحمّل المسؤولية التاريخية”…

حرب زحلة

زحلة، عروس البقاع…

زحلة، دار السلام… مربى الأسود…

زحلة، التي لا تنام على الضيم…

كانت هي الأخرى على موعد آخر مع البطولة والشهادة..

“الساعة الواحدة تعرّض مركز “الحمّار” (في زحلة) لقصف شديد، الرصاص ينهمر على الأحياء السكنية من مواع السوريين في تمثال العذراء”.

مضمون هذه البرقية الى بيروت في 31 آذار كان مقدمة لأوسع وأعنف معركة شهدتها زحلة خلال الحرب اللبنانية. مدينة لبنانية تضم أكثر من مئتي ألف مسيحي وتختصر عبر التاريخ شهادة للوجود المسيحي الحر.

في العام 1841 هاجمها دروز البقاع وسوريا، وتلاهم الجيش العثماني في العام 1842، ثم عاد إليها الدروز في أثناء مذابح 1860 ودخلوها بخدعة يساعدهم جيش السلطنة العثمانية وعملوا فيها الحرق والتدمير. وها هي اليوم تتعرض منذ العام 1975 للمصير نفسه ولم يتغيّر بين الأمس واليوم إلا الأسماء.

الليلة الأولى للحرب في لبنان كانت في عين الرمانة والليلة الثانية كانت في زحلة، حيث وقع هجوم في 14 نيسان على بيت الكتائب سقط فيه قتيل وجريح. وتتالت الأحداث على محيط زحلة وفي داخلها خلال شهري تموز وآب، ووصل عدد القتلى في 29 آب الى 103 تقريبًا، وسط إشتباكات عنيفة وعمليات نسف وإحراق شاملة للمزارع والمصانع والمحال التجارية والآليات والسيارات.

وخلال تشرين الثاني وكانون الأول من العام 1975 تساقط القتلى بالعشرات. ولم يمنع دخول قوات سورية الى لبنان في نيسان 1976، وتحديدًا الى البقاع، من بقاء زحلة مسرحًا لاشتباكات دامية وهجمات متواصلة. وكلما قام وفد من أهلها بزيارة سوريا لترتيب الوضع تزداد المشاكل تعقيدا وتثقل الضغوط. في 29 أيار 1978 وحده سقط 40 قتيلاً و90 جريحًا. وعندما دخلت القوات السورية في حزيران الى كل لبنان تمركزت بشكل كثيف في محيط زحلة ولم تجرِ أحداث مهمة حتى نهاية صيف 1980، عندما تواصلت سلسلة أحداث أدت الى معارك كبيرة إنتهت بحصار المدينة أواخر السنة.

في بداية العام 1981، درس مسؤولون عسكريون في “القوات اللبنانية” وضع زحلة على الأرض. وفي إجتماع للأركان في 5 كانون الثاني عرض المفوّض العام بطرس خوند وضع المدينة فقال: “القوات اللبنانية في زحلة غير منظمة، إن على صعيد القيادة أو على صعيد الأفراد، ولكن هناك شعورًا عامًا في المدينة بأن “القوات اللبنانية” هي المنقذ الوحيد”.

كان فصل الشتاء فرصة للطرفين: زاد السوريون من إحكام الطوق واستقدام القوى الى محيط المدينة تحضيرًا لمحاولة إخضاعها، وحضّر الأهالي وبعض الشبان والمسؤولين في “القوات اللبنانية” ما تيسر للدفاع عن أنفسهم.

في 6 آذار أدى إنفجار سيارة ملغومة في زحلة الى سقوط أربعة قتلى وثلاثين جريحًا، وكان ذلك مقدمة لربيع تحوّل الى شتاء من القذائف تساقطت بشكل جنوني طوال ثلاثة أشهر على السكان المدنيين إبتداء من 31 آذار وحتى 29 حزيران.

صباح الثاني من نيسان، نزلت الى بيروت وانفجر الوضع الأمني بعد وصولي بشكل رهيب وعادت أجواء الحرب تخيّم على العاصمة. القذائف تتساقط في كل مكان، والجرحى والقتلى بالعشرات. إنه الجنون الجماعي.

لم يكن الوضع في زحلة صبيحة ذلك اليوم الربيعي أخف وطأة منه في بيروت. فعروس البقاع تشهد قصفاً سورياً مدفعيًا عنيفاً واشتباكات بالأسلحة الرشاشة والصاروخية والدبابات، مما أدى الى سقوط أكثر من 70 مواطناً بين قتيل وجريح وانهيار بناية بكاملها على من في  ملجئها. في اليوم التالي، إتصل الرئيس سركيس بالرئيس الأسد وأوفد إليه الوزير الياس الهراوي، الذي باءت مهمته بالفشل.

وبقيت زحلة تلفها النار من كل جانب وحلّق الطيران الحربي في سماء المعركة، فيما القصف السوري على عنفه لا يوفر منزلاً أو مؤسسة أو مستشفى أو كنيسة. وصدرت نداءات متتالية من أهالي زحلة لوقف حرب الإبادة الجماعية، خمسة منها وُجهت الى رئيس الجمهورية والى الرأي العام وقداسة البابا، والى الدول العربية والعالم الحر طالبة التدخل السريع لكي لا تصبح زحلة ذكرى في التاريخ، وانسحاب القوات السورية فورً من زحلة ولبنان و”الآن الآن أيها العرب برهنوا لنا وللعالم أجمع أنكم لا توافقون السوريين على إبادة المسيحيين في لبنان، وإذا لم تفعلوا فإنكم تدفعوننا الى الكفر بكم وبعروبتكم”.

وفي 4 نيسان طالب البطريرك والمطارنة الموارنة بدخول الجيش اللبناني الى زحلة وبنشر قوات الأمم المتحدة في كل لبنان، بعدما سقط في ذلك اليوم وحده أكثر من 50 قتيلاً وجريحًا بينهم الراهبة ماري الزغبي مع مسعفين في سيارة الصليب الأحمر.

وانطلقت التظاهرات في المناطق المحررة إحتجاجًا على ما يجري في زحلة، في وقت كانت فيه الحركة الوطنية في لبنان التي تمثل المسلمين واليساريين تنعت المسيحيين بالإنعزاليين والفاشيين والصهيونيين.

رئيس الجمهورية الياس سركيس الذي وُضعت قوات الردع العربية صوريًا تحت إمرته، يشهد تحولها الى قوات إحتلال تدمّر زحلة تحت سمعه وبصره، فلا يستطيع أكثر من الإتصال بالرئيس الأسد ومناشدته وقف ما يجري.

وما إن حل 7 نيسان حتى كان أكثر من 400 بين قتيل وجريح قد سقطوا في زحلة، ووصل السيد خدام الى بعبدا ذلك اليوم في ذروة التفجير، وكان سبقه إليها وزراء زحلة حميعًا وتكلم باسمهم الوزير الياس الهراوي ناقلاً قرار زحلة بكاملها الى الرئيس سركيس ليبلغه بدوره الى المسؤول السوري: “الحل الوحيد لإنهاء المجزرة هو دخول الجيش اللبناني الى المدينة، وستستمر المقاومة حتى الوصول الى هذا الحل الذي لا نرضى عنه بديلاً ولا ندين بشرعية إلا شرعية الدولة اللبنانية”.

ودفع الوضع في زحلة الى أن تطلب القيادة المركزية في بيروت من “الحكيم” التوجّه الى المدينة، فتوجه من صنين على رأس وحدة عسكرية قوامها 200 شاب سيرًا على الأقدام، واستشهد منهم بالقصف السوري الذي تعرضت له القافلة الرفيقان نجا خوري ونبيل رحمه، ولم يمكث “الحكيم” إلا ليلة واحدة بسبب تطورات مفاجئة على الجبهة الشمالية.

 

“الأبطال يموتون ولا يستسلمون”

وفيما السوريون يواصلون قصف المدينة بالحديد والنار وسط صمت من كل العالم، أبرق الشيخ بشير الجميل ليل 10 ـ 11 نيسان الى المقاومين في زحلة يفوّض إليهم الصلاحيات لاتخاذ القرار المناسب في استمرار المقاومة أو مغادرة زحلة “لأن الطريق لا تزال مفتوحة لبضع ساعات فقط. فإذا غادرتم حافظتم على حياتكم ويصبح سقوط المدينة حقيقة أكيدة، وهذ تشكل نهاية ملحمة المقاومة. وإذا بقيتم ستجدون أنفسكم بلا ذخيرة، بلا دواء، بلا خبز وربما بلا ماء… وستكون مهمتكم تنظيم المقاومة الداخلية والدفاع عن هوية البقاع اللبنانية وهوية لبنان المسيحية، فتعطون معنى لحربنا طوال ستة سنوات”. وختم قائلاً: “إذا قررتم أن تبقوا فاعلموا شيئاً واحدًا وهو أن الأبطال يموتون ولا يستسلمون”.

وازدادت الإشتباكات ضراوة وسقطت بعض التلال المشرفة على زحلة بيد السوريين، ثم امتدت المعارك الى صنين والزعرور وأنزل السوريون قوات إضافية بالطوافات.

وفي 27 نيسان عرض إيلي حبيقة الوضع العسكري في مجلس القيادة، فقال: “إن جيش الإحتلال السوري بعد الإستعانة ببعض الفصائل من الحركة الوطنية، بدأ هجومًا على ثلاثة محاور: الغرفة الفرنسية، شير الأحمر، قواميع العبد. وقد إستطاع إحتلال قواميع العبد ووصل الى مقربة من الغرفة الفرنسية”. وأوضح حبيقة أن الحركة الوطنية والمردة هم في حالة إستنفار عام في الشمال، فيما يحاول جيش الإحتلال تهجير المسيحيين في البقاع الغربي، وخصوصًا صغبين. وأكد أن السوريين والقوميين السوريين يتحرشون بالأهالي في حمانا وجزين. وقال إن مراكز الجيش اللبناني في بكفيا ومحيطها تتعرض للقنص.

وهكذا لم يلبث الإنفجار الكبير الذي انطلق من زحلة أن لف كل المناطق في بيروت ومحيطها، وطاولت القذائف السورية غرف قصر بعبدا، وذكّر الناس بأيام القصف الشامل في حرب السنتين.

“الأجواء العطوفة التي ترافق حركة الخدام منذ قدومه الى لبنان، ليس أكثر عطفاً عن الأجواء التي خيّمت على تحركات الخدام وجوقته، بين بعبدا وعرمون أول عهدنا بالحوادث، وهي التي أفضت الى وضع الوثيقة الدستورية بعد زيارة الرئيس فرنجية لدمشق، وقد أعلنت من تلفزيون لبنان في الساعة العاشرة ليل 14 نيسان 1976، وهي الوثيقة التي سقطت فيما كان الرئيس فرنجية يعلنها. هذه الوثيقة لماذا تعطلت مفاعيلها فباتت باطلة؟ ماذا تغير مما كان من النفوس في سوريا” (1).

 

التدخل الإسرائيلي

في 28 نيسان تدخلت إسرائيل جوًا وأسقطت طائرة هليكوبتر للسوريين واقتصر تدخلها على هذا الحد، في وقت كان الشيخ بشير الجميل يرغب فيه بمزيد  من التورط الإسرائيلي بحرب زحلة بغية تحريك الوضع برمته.

عُقد إجتماع في أدونيس ضم الشيخ بشير وبعض معاونيه ووفدًا إسرائيليًا، وكان إجتماعًا عنيفاً وصاخبًا كما أخبرني أحد الحاضرين. قال الإسرائيليون لبشير: “أبلغناك أكثر من مرة أنك لا تستطيع أن تدخلنا في حرب لا نختار نحن توقيتها ولا نحضّر لها، وطلبنا إليك أن تبقي الصراع سياسيًا ولا تستعمل القوة العسكرية، ولكن استعملتها، فتحمّل أنت مسؤولياتك”.

وكانت ردة فعل الشيخ بشير قوية جدا. وعلى الرغم من ذلك، فقد أبلغ الوفد الشيخ بشير في نهاية الإجتماع ما يأتي: “رغم كل شيء، ورغم أننا نرفض القصة من أولها الى آخرها، فإننا لن نترككم وسنزوّدكم بإثنين: ذخيرة مدفعية من دون حساب، وصور جوية للمواقع السورية”.

وبعد تطور الوضع في محيط زحلة وسقوط بعض التلال، جرى إجتماع مهم في وزارة الدفاع الإسرائيلية مع وفد من معاوني الشيخ بشير. سأل رفول إيتان في الإجتماع: “ما هو مطلبكم؟”. فأجيب: “نريد أن يتدخل الطيران الإسرائيلي ويضرب المواقع السورية”، فأجاب إيتان: “في هذه الغرفة شخص آخر يؤيد رأيكم”.

كان هناك قرار مبدئي بذلك. وبالفعل لم يمر وقت قليل حتى طلب منا الإسرائيليون إحداثيات المواقع السورية التي نريد قصفها. ثم ضربوا طائرة الهليكوبتر السورية. وتبع ذلك إدخال صواريخ سام 6 وسام 2  الى البقاع، فاتخذت قضية زحلة فعلاً بُعدَها الدولي الواسع.

 

عامية زحلة

في 30 نيسان عُقد ما يشبه “العامية” في المطرانية الكاثوليكية في سيدة النجاة، في حضور مطارنة زحلة وممثلين عن جميع الفئات وصدر ما يلي: “في غمرة هذه الأحداث الدامية، وفي مثل هذه اللحظات التاريخية التي نعيش، تنتصب زحلة من تحت أنقاضها لتوضح أنها تتعرض لمؤامرة بشعة هزت العالم، ولعدوان قامت به قوات الردع العربية السورية بكل أنواع الأسلحة الفتاكة”، وأعلنت ما يلي:

1-إن زحلة للبقاع والبقاع لزحلة وكلاهما جزء لا يتجزأ من لبنان.

2-زحلة دار السلام ولكنها مربى الأسود لا تتهاون ساعة الضيم.

3-زحلة ترفض أن تصبغ بأية صبغة إلا صبغة الزحلية اللبنانية، فهي كانت وستبقى قلب لبنان النابض.

تتمسك زحلة في إصرار بحرية لبنان وسيادته واستقلاله.

هذه هي عامية زحلة بهويتها اللبنانية، هي هي زحلة وحقيقة ما تريده في لحظة الحقيقة التاريخية.

في 14 أيار، شارك الأباتي بولس نعمان في إجتماع مجلس قيادة “القوات” ووضع الحاضرين، بناء على طلب الشيخ بشير، في أجواء محادثاته مع الجانب السوري. فشرح بإسهاب وقائع الجلسة التي عقدها مع السيد عبد الحليم خدام، وأنهى حديثه بأن على المسيحيين ألا يترددوا في اختيار الحل العربي استراتيجيًا وليس تكتيكيًا، نظرًا الى أن بقية الخيارات لم تثمر بل أخفقت حتى الآن. وأكد الشيخ بشير أن خيار مسيحيي لبنان الوحيد هو الوجود القوي والحر في هذه المنطقة من الشرق الأوسط. واعتبر شارل غسطين أن أية مفاوضات لبنانية ـ سورية يجب أن تجري إنطلاقاً من مبدأ الإنسحاب السوري الكامل من الأراضي اللبنانية وفق جدول زمني. والتقى جان ناضر ونعوم فرح على التأكيد أن الضمانة للوجود المسيحي في لبنان ليست بضمانات سورية أو عربية، بل يجب أن تأتي من دول العالم الحر. وأنهى الشيخ بشير الحوار بالتأكيد على أن لا إتفاق مؤقتاً مع سوريا ولا حوار، بل مفاوضات تؤدي الى فك إرتباط للإنتقال الى تحرير الـ10452 كلم2.

 

الحل المؤقت

وتتابعت الإتصالات والمفاوضات مع السوريين، وأعلن الشيخ بشير في جلسة 10 حزيران: “نجحنا في عرض قضيتنا وآمل أن نقطف الثمار. أول لقاء لي مع فيليب حبيب كان بروتوكوليًا وقد طلب فيه أن نتروى”. وأضاف: “إن عملية إنقاذ الوضع بدأت ووراءها الأميركي والسعودي، وعلينا في المقابل مع كل المعطيات التي نملكها أن نبدأ بحلحلة الموضوع للوصول الى نتيجة”.

وتكثفت الإتصالات والتحركات على المستويات الرسمية والسياسية لإنقاذ زحلة. فالرئيس سركيس إتصل بالرئيس الأسد، والموفد الأميركي فيليب حبيب أجرى إتصالات ومحادثات في لبنان، والرئيس السادات إعتبر سوريا مسؤولة عن تدمير لبنان.

وعلى الصعيد الشعبي، إعتصم الرهبان والراهبات على طريق قصر بعبدا إحتجاجًا على إستمرار تدمير زحلة، فيما المقاومة المسيحية تسجل البطولات على تلال المدينة الصامدة  وعلى مداخلها.

وبعد أسبوع من الإتصالات الحثيثة والتحركات المتصاعدة، تم التوصل الى إتفاق مع السوريين بشأن زحلة أعلنه الشيخ بشير الجميل في جلسة مجلس القيادة في 29 حزيران ونصّ على:

– إنسحاب جميع الوحدات الخاصة السورية المحيطة بزحلة.

– تسليم الدرك اللبناني طريق حوش الأمراء، المعلقة، منطقة الجسر، تمثال العذراء.

– تخرج وحدات “القوات اللبنانية” من المدينة بواسطة أوتوبيسات قوى الأمن الداخلي.

وهكذا، وبعد ثلاثة أشهر كاملة من الدموع والدماء والدمار، تنفسّت زحلة الصعداء، ونثرت في 30 حزيران الزهور والأرز في إستقبال قوى الأمن اللبنانية، وخرج منها 97 مقاتلاً خاضوا مع الأهلي جنبًا الى جنب حربًا فعلية، وجرى لهم إستقبال في المجلس الحربي في حضور جميع الفاعليات المسيحية وأعضاء “الجبهة اللبنانية” وقيادة “القوات” ووزراء ونواب ومسؤولين روحيين وزمنيين، ووُضعت أكاليل الزهر على نصب الشهداء في باحة المجلس الحربي.

وقلّد الشيخ بيار والرئيس شمعون والشيخ بشير العائدين الميداليات، وتكلم المطران جورج اسكندر بإسم زحلة، فقال: “بإسم مدينة زحلة أرفع صلاة الشكر الى الله الذي بدأ يفتح أبواب الفرج بعد الإعتداءات الأخيرة على مدينة زحلة. وأشكر باسمها جميع الذين دعموها وساعدوها من جميع الأطراف، وبكل الطرق التي استعملوها، وفي نوع خاص الأبطال العائدين منها اليوم، وهؤلاء الذين كانوا عنواناً للتضحية، والذين كتبوا مع زحلة صفحة مشرقة من تاريخ لبنان”.

ثم توجه الشيخ بشير الى المقاتلين قائلاً: “تستطيعون الآن أن ترتاحوا الى أن زحلة بقيت لبنانية حرة”.

ـــــــــــــــــــــــ

1-إدوار حنين ـ “الفصول” عدد 7 ـ ص 157.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com

Exit mobile version